هل الفنلنديون سعداء حقًا إلى هذه الدرجة؟
فقد
تصدرت فنلندا تقرير مؤشر السعادة العالمي ثماني سنوات متتالية، بينما تحتل ألمانيا
مرتبة متوسطة، مع تراجع ملحوظ في مستويات سعادة الشباب الألماني خاصة.
مفارقة
الأرقام: فنلندا السعيدة رغم مشكلاتها
تبدو
نتائج التقرير للوهلة الأولى متناقضة مع واقع البلاد؛ ففنلندا تعاني من معدلات
مرتفعة نسبيًا لإدمان الكحول ومعدل انتحار يفوق نظيره الألماني، ومناخ قاسٍ وصيف
قصير، حيث نادرًا ما تتجاوز الحرارة في الشمال الفنلندي عشر درجات مئوية، إضافة
إلى حدود ممتدة على طول 1300 كيلومتر مع روسيا تثير قلق البعض.
ومع
ذلك، تحتل فنلندا المرتبة الأولى عالميًا من حيث الرضا عن الحياة بمعدل 7.7
من عشرة، تليها مباشرة دول إسكندنافية أخرى كالدنمارك وآيسلندا والسويد،
بينما تحتل أفغانستان ذيل الترتيب.
فنلندا
تتصدر في ثلاث مجالات جوهرية: الثقة بين الأفراد، والثقة في المؤسسات، والثقة
في المجتمع، إضافة إلى معدلات فساد منخفضة للغاية تضعها في المرتبة الثانية
عالميًا بعد الدنمارك من حيث نظافة الحكم. وتخلص شهادته إلى مبدأ
جوهري: لا تستطيع الحكومة أن تصنع السعادة، لكنها تستطيع أن تهيئ الظروف
الملائمة لها.
مفهوم
"السيسو": المثابرة كمفتاح ثقافي
تشرح
كويفيستو مفهوم "سيسو" (Sisu)، وهي كلمة فنلندية تصف عقلية جمعية تقترب من
معاني المثابرة والصمود والمرونة النفسية، أي القدرة على الاستمرار رغم
الصعوبات. ويتجلى هذا المفهوم في التعامل الرواقي مع الشتاء الطويل البارد،
وفي روح الدعابة الساخرة من الذات، ومن مظاهرها كلمة فنلندية خاصة تصف الرغبة في
الجلوس في المنزل وحيدًا مرتديًا الملابس الداخلية الحرارية واحتساء الكحول، في
إشارة إلى قدرة الفنلنديين على السخرية من عاداتهم الخاصة بدلًا من تبريرها.
الثقة
المؤسسية والتماسك الاجتماعي:
للاقتراب
من التجربة المعيشة، تزور كويفيستو عائلة ريسكلا في إسبو، جنوب فنلندا. وحين تُسأل
عن مصدر سعادة الفنلنديين، تتوزع الإجابات بين المساواة والحرية، أي القدرة على
اتخاذ القرارات الشخصية بصرف النظر عن الخلفية الاجتماعية. وتؤكد إحدى أفراد
العائلة أن الحرية في فنلندا لا ترتبط بالمستوى المادي؛ فحتى الفئات الأقل دخلًا
تتمتع بالحرية ذاتها في اتخاذ قراراتها.
تكشف
الشهادات أيضًا عن بعد نفسي مهم: يرى بعض أفراد العائلة أن السعادة الفنلندية شعور
داخلي هادئ لا يُعبَّر عنه صراحة أمام الملأ، بقدر ما هو إحساس بالأمان والاعتماد
على المجتمع والدولة. وعلى الصعيد المؤسسي، يقارن الفيلم بين البلدين في مجال دعم
الأسرة: فرغم أن الفنلنديين يدفعون ضرائب أعلى بنحو ثلاثة بالمئة عن الألمان، وأن
ألمانيا تقدم مزايا مماثلة كإجازة رعاية الطفل المدفوعة الأجر وإعانات أطفال أعلى
قيمة، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في سهولة الحصول على خدمات رعاية الطفل في
فنلندا دون معاناة، بخلاف الوضع في برلين.
النظام
التعليمي: مساواة بلا وصمة
يشكل
التعليم أحد المحاور المركزية. لأن جميع
الأطفال الفنلنديين يدرسون في المدرسة نفسها لمدة تسع سنوات دون تمييز، إذ تقوم
الفكرة الأساسية على أن يُتاح للجميع فرص متساوية ليتطور كل فرد وفق إمكاناته، عبر
تعليم أساسي موحد ومجاني يرسخ شعورًا قويًا بالوحدة الوطنية والثقة في المؤسسة
التعليمية.
و من السمات البارزة أيضًا وجود "فرق
متعددة التخصصات" داخل المدارس، حيث يعمل المعلم ضمن فريق يضم معلمي
تربية خاصة وأخصائيي علم نفس مدرسي، بحيث يتلقى الطلاب الذين يواجهون صعوبات دعمًا
فرديًا في مجموعات صغيرة لمواجهة التحديات الأكاديمية والنفسية معًا. كما توفَّر
وجبات الغداء المدرسية مجانًا للجميع.
و يميز المدارس الفنلندية هو أن الدعم الفردي
أمر بديهي يتلقاه معظم الطلاب في مرحلة ما من مسارهم، دون أي وصمة اجتماعية مرتبطة
به، بل يُنظر إليه بوصفه أمرًا طبيعيًا تمامًا يعكس فهمًا مشتركًا بأن الجميع قد
يحتاج دعمًا إضافيًا من حين لآخر. وتتوافق نتائج برنامج بيزا الحديثة مع نتائج
تقرير مؤشر السعادة العالمي، إذ تحتل فنلندا مرتبة متقدمة وألمانيا مرتبة متوسطة.
الطبيعة
كمصدر للصحة النفسية
أن 97%
من سكان فنلندا يقولون إن الطبيعة تسعدهم. حيث تبلغ الكثافة السكانية في فنلندا في
المتوسط 16 نسمة لكل كيلومتر مربع، مقارنة بكثافة تبلغ خمسة عشر ضعف ذلك في
ألمانيا، وتغطي الغابات 70% من مساحة البلاد التي تضم 188 ألف بحيرة، فيما يمتلك
نحو ربع السكان كوخًا ريفيًا (موكي) يجتمعون فيه مع العائلة والأصدقاء.
دراسات
تؤكد أن الأشخاص الذين يقضون وقتًا منتظمًا في الطبيعة أقل عرضة لمشكلات الصحة
النفسية، وأن أبحاثًا لاحقة أظهرت أن التواجد المنتظم في الطبيعة يحمي من الاكتئاب
وارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز التنفسي، بما فيها خطر الإصابة بالسكري والربو.
وتصف الطبيعة بأنها جزء من الهوية الفنلندية وجزء من الإحساس الجمعي بالصحة.
علم
الأعصاب: كيمياء السعادة وقابليتها للتدريب
السعادة،
من الناحية البيوكيميائية، ترتبط بعدد من النواقل العصبية والهرمونات، أبرزها:
- السيروتونين،
المسؤول عن تنظيم الشعور بالراحة والرغبة الجنسية والشهية وإدراك الألم،
إضافة إلى تعزيز وظائف الذاكرة.
- الأوكسيتوسين،
المعروف بـ"هرمون المداعبة"، الذي يُفرَز خلال لحظات التقارب
والثقة.
- الدوبامين،
الذي يشكل جزءًا من نظام المكافأة في الجسم ويحفز الدافعية.
- الإندورفينات،
وهي مسكنات الألم الطبيعية التي قد تؤدي إلى الشعور بالنشوة.
وتضيف
برومبا-بادري مفهومًا فلسفيًا أعمق هو "الإيدايمونيا" (Eudaimonia)، المصطلح
الأرسطي الذي يجمع بين "إي" بمعنى الخير و"دايمونيا" بمعنى
الروح، ويشير إلى شعور طويل الأمد بالرضا والانسجام الداخلي.
لاختبار
هذا البعد عمليًا، تخضع كويفيستو لفحص تخطيط الدماغ الكهربائي، حيث يُطلب منها
استحضار ذكرى سعيدة بأكبر قدر من التفاصيل الحسية. تُظهر النتائج دفقًا من موجات
"ألفا" الدماغية، وهي مؤشر معروف على الاسترخاء والرضا، مع نمط لا تناظر
واضح في نشاط الفصين الجبهيين يدل على حالة السعادة.
تخلص برومبا-بادري إلى أن السعادة قابلة للتدريب
عبر المرونة العصبية، وأن إدخال الذكريات والأفكار الإيجابية بانتظام يعيد
تشكيل الدماغ في هذا الاتجاه، وأن مفهوم "حالة الانسيابية" (Flow)، أي
التوحد الكامل مع نشاط ما، يمثل مفتاحًا جوهريًا لتنمية السعادة.
المال
والسعادة: حدود العلاقة
مستوى
السعادة في الولايات المتحدة يرتفع في المتوسط مع ارتفاع الدخل، دون أن يجد دليلًا
على وجود سقف واضح لهذه العلاقة حتى عند تجاوز الدخل نصف مليون دولار سنويًا. غير
أن كيلينغزورث يوضح أن ثراء الدول لا يحدد وحده سعادتها؛ فالدول الغنية كمجموعة
أسعد من الفقيرة، لكن عوامل أخرى كالثقة الاجتماعية والعلاقات والاستقرار المهني
والمجتمعي تلعب دورًا حاسمًا، وهو ما يفسر جزئيًا سبب تفوق الفنلنديين على الألمان
والأمريكيين في السعادة رغم دخل أقل نسبيًا.
البُعد
الجيني للسعادة
في
محاولة لفهم إن كان هناك "جين للسعادة" لدى الفنلنديين تحديدًا،
تلتقي كويفيستو بالبروفيسورة مايكي بارتلز، من أمستردام، الرائدة في أبحاث علم
الوراثة السلوكي المرتبط بالسعادة. تستحضر بارتلز دراسات التوائم التي أجراها
الباحث الأمريكي ديفيد ليكن في ثمانينيات القرن الماضي، والتي وجدت أن مستويات
الرضا عن الحياة لدى التوائم المتطابقة (المتشاركة في الجينات نفسها) متقاربة جدًا
حتى حين تربَّت في بيئات منفصلة، ما يشير إلى دور وراثي فعلي. وتحدد بارتلز
نسبة تقريبية مفادها أن 40% من الفروق الفردية في إدراك السعادة تعود إلى
الاستعداد الوراثي، بينما تتحدد النسبة الباقية (60%) بعوامل بيئية قابلة للتأثير،
كالرخاء والصحة والصداقات وجودة الحياة.
الخلاصة:
السعادة كمنظومة ظروف قابلة للبناء
فنلندا
ليست جنة، وأنها تعاني من مشكلات وجوانب مظلمة ، لكن مجموعة من العوامل تعمل
مجتمعة على معادلة هذه السلبيات: الثقة الاجتماعية، والدعم المجتمعي، ونظام
تعليمي يعزز تكافؤ الفرص، والارتباط العميق بالطبيعة.
وتنتهي
الرحلة إلى استنتاج مركب: السعادة ليست معطى جينيًا محضًا ولا نتاجًا للثروة
وحدها، بل هي محصلة تفاعل بين استعداد وراثي جزئي وظروف بيئية واجتماعية قابلة
للتشكل، أبرزها الثقة بالدولة والمجتمع، وتكافؤ الفرص، والانتماء إلى جماعة، سواء
كان هذا الانتماء ناديًا محليًا، أو أمسية كاريوكي، أو زيارة إلى الساونا.
فالسعادة، كما تخلص كويفيستو، لا تعني غياب المشكلات، بل القدرة على مواجهتها
واستثمارها على أكمل وجه.
