أين ذهب عقلي؟ من التشتت العادي إلى اضطرابات الانتباه

 



إشعار إشعارٍ، وتطير الفكرة بعيدًا

تلميذة في الفصل تحدّق من النافذة، شاردة الذهن، موظف في اجتماع يتفقّد هاتفه للمرة العشرين هذا الصباح. جرّاحة لم تنم منذ ثلاثين ساعة يفلت انتباهها للحظة، مراهق على مائدة العشاء يقاطع الحديث ثم يعود إلى أفكاره في منتصف الجملة، أربعة أشخاص، أربعة مواقف، وفي كل مرة العقل ليس حيث ينبغي أن يكون.

إننا نعيش جميعًا، بدرجات متفاوتة، هذا الإحساس بالتشتت. أين تنتهي حدود التشتت العادي، وأين تبدأ الاضطرابات الحقيقية في الانتباه؟ هل نحن ضحايا راضون لاقتصاد رقمي جعل من انتباهنا مادته الخام؟ أم أننا أمام شيء أعمق: تحوّل يصيب الدماغ البشري نفسه، بفعل تسارع العالم وتعميم تعدد المهام؟

الانتباه: وظيفة بقاء قبل أن يكون فضيلة مدرسية:

قبل أن يتحول الانتباه إلى قيمة أخلاقية أو موردٍ ينبغي حمايته من الشاشات، كان أولاً وظيفة أساسية للبقاء على قيد الحياة. هو ما مكّن أسلافنا من رصد الفريسة أو الافتراس، وتوقّع الخطر. لأن الانتباه ليس مجرد آلية معرفية بين أخرى، بل هو ما يتيح لنا "سكن العالم": بحسب نوعية الانتباه الذي نمنحه لشيء ما، يصبح اللقاء مصيريًا أو يمرّ عمل فني دون أن نلاحظه.

مع القرن العشرين، اتخذ الانتباه منحى وظيفيًا أكثر: أصبح موردًا ينبغي قياسه وإدارته وتحسينه. ومع صعود العالم الرقمي، تحوّل إلى مورد متنازع عليه، تتسابق المنصات على جذبه والإبقاء عليه وإعادة تحفيزه باستمرار، سعيًا لما يُعرف بـ"وقت الدماغ المتاح".

رحلة تاريخية سريعة:

  • العصور القديمة والوسطى: رأى الرواقيون والأبيقوريون في الانتباه فنّ البقاء حاضرًا في اللحظة الراهنة، بينما عرّفه القديس أوغسطينوس بأنه "حاضر الحاضر"، رباطٌ بين الذاكرة والترقّب.
  • العصر الكلاسيكي: اعتبره ديكارت شرطًا للمعرفة، ثمرة الإرادة والجهد، بينما رأى كوندياك أنه ينبع من شدة الأحاسيس التي تفرض نفسها على الوعي.
  • القرن التاسع عشر: مع علم النفس التجريبي، أصبح الانتباه موضوعًا للقياس. درس فونت زمن رد الفعل، ثم جاء وليام جيمس ليصفه بأنه الطريقة التي "يستحوذ بها العقل، بوضوح وحيوية، على موضوع أو فكرة من بين إمكانيات عديدة".
  • القرن العشرين: من وصف الطبيب جورج ستِل عام 1902 لما أسماه "خللاً في الضبط الأخلاقي" عند بعض الأطفال - وهو ما سيتبلور لاحقًا في تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة - إلى اختزال الانتباه في وظيفة يقظة عسكرية وصناعية.
  • القرن الحادي والعشرون: مع فيض المعلومات، أصبح الانتباه رهانًا اقتصاديًا وتربويًا وسياسيًا، مصداقًا لما قاله الاقتصادي هربرت سايمون منذ 1971: "وفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه".

اقتصاد الانتباه وتفتّته:

إن أرقام عديدة تكشف حجم هذا التحول، لأنه بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، يستخدم ثلاثة أرباع سكان العالم الإنترنت اليوم. وفي المغرب، تظهر دراسات حديثة أن غالبية كبيرة من الأشخاص يقضون أكثر من ساعتين يوميًا أمام الشاشات لأغراض شخصية، ويقرّ كثيرون بأنهم لا يستطيعون الاستغناء عن هواتفهم ليوم كامل.

لكن هذه الأرقام وحدها لا تخبرنا شيئًا عن نوعية انتباهنا. فقضاء ساعات أمام شاشة قد يعني مشاهدة فيلم أو قراءة مقال طويل، بقدر ما قد يعني تصفح عشرات المقاطع القصيرة. ما يهمّ الباحثين أكثر هو إيقاع الانقطاعات وتأثيرها. وقد لاحظت الباحثة غلوريا مارك أن فترات التركيز المتواصل على الشاشة نفسها تقلّصت تدريجيًا: من نحو دقيقتين ونصف في مطلع الألفية، إلى أقل من دقيقة واحدة اليوم.

هذا التفتت ليس مجرد ضعف فردي، بل هو نتاج بيئة اقتصادية واجتماعية مصمَّمة لاستنزاف قدراتنا المعرفية باستمرار. فالفيلسوف الفرنسي برنار ستيغلر تحدّث عن "تبخيس عام" يمارسه التسويق على المستهلكين حين يجردهم من مهاراتهم الذاتية عبر عادات مصمَّمة لتوجيه سلوكهم. ويقترح مفكرون آخرون مقاربة الانتباه لا بوصفه موردًا فرديًا، بل خيرًا مشتركًا ينبغي حمايته، أسوة بالبيئة الطبيعية، عبر ما يسمى "إيكولوجيا الانتباه".

كما تلعب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية دورًا: الضغط الناتج عن الهشاشة المادية يستنزف جزءًا من الموارد الذهنية المتاحة، والسكن المزدحم أو الصاخب يجعل التركيز أصعب، وضعف إتقان استخدام الأدوات الرقمية قد يزيد من الهشاشة أمام أجهزة مصمَّمة لاصطياد الانتباه.

حوار مع عالم الأعصاب جان-فيليب لاشو: "المشكلة الجوهرية هي الكسل المعرفي"

طوّر عالم الأعصاب الفرنسي جان-فيليب لاشو، مدير أبحاث في مركز أبحاث علوم الأعصاب بمدينة ليون، برنامجًا رائدًا لتعليم الانتباه للتلاميذ من الروضة حتى البكالوريا، أُطلق عليه اسم "أتول" (ATOLE) طُوِّر البرنامج بناءً على طلب من المعلمين الذين اعتادوا مطالبة تلاميذهم بالتركيز دون أن يشرحوا لهم كيفية القيام بذلك فعليًا.

يقوم البرنامج على منح التلاميذ أدوات عملية بدل التوجيهات الغامضة من نوع "ركّز!". فهم يتعلمون أولًا التعرف على اللحظات التي يحتاجون فيها إلى التركيز، ثم يُمنحون طريقة عمل ثلاثية الأبعاد أسماها الباحث "PIM": الإدراك (Perception)، والنيّة (Intention)، وطريقة التصرف (Manière d'agir). ما الذي ينبغي عليّ إدراكه؟ ما نيّتي؟ وكيف أتصرف؟ وقد جرى تحميل البرنامج، بحسب لاشو، ما بين 60 و70 ألف مرة من قبل معلمين، فيما أظهرت دراسات سويسرية أثره الإيجابي على الانتباه والقدرات "ما وراء المعرفية" لدى الأطفال، أي قدرتهم على فهم آليات عمل دماغهم، مع تأثير ملحوظ خصوصًا في المرحلة الابتدائية.

الذكاء الاصطناعي وتكلفته المعرفية الخفية:

يرى لاشو أن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر المعادلة، بل يحوّل ما كان "ضروريًا" إلى "حتمي". فمن دون تربية ملائمة، يخشى أن يفرز الذكاء الاصطناعي انقسامًا معرفيًا حادًا في المجتمع: فئة قليلة ستتقن استخدامه بانضباط وتطوّر قدرات استثنائية، مقابل أغلبية واسعة ستفقد كفاءاتها. ويستعير هنا مفهوم "فقدان المهارة" (deskilling) الذي صاغه داريو أموداي، مؤسس شركة أنثروبيك، محذرًا من أنه سيمثل صدعًا معرفيًا كبيرًا.

المشكلة الجوهرية، بحسب لاشو، هي "الكسل المعرفي" المتأصل في أدمغتنا: فهو ما يتيح توفير الموارد في بيئة لا تكون فيها هذه الموارد لا نهائية. ويشبّه الذكاء الاصطناعي بالسلّم الكهربائي: يستخدمه الجميع معتقدين أنهم يوفّرون الجهد، مع إحساس بمكسب فوري، وهذا صحيح على المدى القصير، لكن التوقف عن ممارسة المهارة يعني فقدانها والعجز عن صعود الدرجات لاحقًا. وما لا يُقال، هو أن هناك تكلفة معرفية خفية وثقيلة لاستخدام هذه الأدوات بشكل صحيح: حين تطرح سؤالًا على الذكاء الاصطناعي، يعيد إليك ثلاث صفحات من النص، وعليك أن تتقبّل أخذ الوقت اللازم للقراءة والهضم، وربما ترك يوم كامل لتختمر الأفكار قبل العودة بأسئلة جديدة.

التركيز على مستويات متعددة، وبلوغ حالة الانسياب:

يتحدث لاشو أيضًا عن فكرة أن التركيز يتجلى في آن واحد على مستويات متعددة. يستشهد بعازف البيانو فرانك براليه، الذي وصف كيف يكون، أثناء العزف، ممثلاً ومخرجًا للموسيقى في الوقت نفسه: الممثل الحاضر في نغمته اللحظية، والمخرج الواعي بموقع هذا المقطع من العمل ككل. وحين يبلغ المرء مستوى معينًا من الإتقان، يتجلى التركيز عبر مستويات متداخلة كالدمى الروسية، فإذا انسجم كل شيء في كل مستوى، دخل المرء فيما يُعرف بحالة "التدفق" (flow)، حيث يبدو أن الأمور تسير من تلقاء نفسها بلا احتكاك ظاهر.

ويشدد على أن التركيز لا يستلزم بالضرورة جهدًا: فالأطفال المنهكون بعد ساعة من الدروس يستريحون في وقت الفسحة باللعب أو بلعبة الغميضة، وهو ما يتطلب تركيزًا متواصلًا رغم كل شيء. خلاصته: "يمكن للمرء أن يركّز باستمرار، شريطة أن يغيّر النشاط".

الذكاء الانتباهي: مخرج من أزمة المعنى

في كتابه القادم، يتناول لاشو ما يسميه "الذكاء الانتباهي"، أي استخدام الانتباه بطريقة ذكية ومرنة وديناميكية، لإنجاز الأمور بأقل جهد ممكن واستعادة إحساس السلاسة بدل الاحتكاك مع العالم. ويحذّر من خطر أعمق يلوح في الأفق: أزمة معنى. فلماذا أتعلم العزف على الغيتار ما دام الذكاء الاصطناعي قادرًا على تأليف مقطوعة أفضل تقنيًا مما سأنتجه أنا في حياتي كلها؟  كانت هذه الأزمة قد لاحت بالفعل مع يوتيوب، حيث كان مجرد مشاهدة طفل في السادسة يعزف ببراعة كافيًا لإحباط كثيرين، والذكاء الاصطناعي يضاعف هذا الأثر.

لهذا فإن المخرج من هذه الأزمة، كما يراه، يتجسّد في رسمة عيد الأم: رسمة قد تكون رديئة الجودة غالبًا، لكن قيمتها لا تكمن في إتقانها، بل في النيّة وجودة الانتباه اللذين استثمرهما الطفل فيها وهو يفكر في أمّه.

فالانتباه لشخص ما هو الاعتراف بالآخر، وجعله موجودًا ككائن مستقل. فالذكاء الاصطناعي يمكنه إنتاج رسمة كاملة في ثانية واحدة، لكنها لن تحمل أي قيمة، لأنها لم تُصمَّم بنيّة وتركيز حقيقيين. من هنا يمكن للمرء أن يبدأ تعلّم الغيتار، مهما كان أداؤه تقنيًا ناقصًا، ما دام يضع فيه كل التزامه. والعناية التي يوليها المرء لانتباهه هي ما سيمكّننا من تجاوز أزمة المعنى التي يُحضّرها الذكاء الاصطناعي

خلاصة هذا الكلام أن الإنسان من عهد رصد الفريسة في العصور الغابرة إلى محاربة إشعارات الهاتف اليوم، ظل الانتباه دائمًا أداة بقاء وأداة معنى في آن واحد. لكن ما تغيّر، ليس بالضرورة أن انتباهنا "المعاصر" أضعف من انتباه الأسلاف، بل أن مصالح اقتصادية ضخمة باتت تعمل بمنهجية غير مسبوقة على جذب أنظارنا بعيدًا عمّا نختار حقًا أن نوليه اهتمامنا. واستعادة هذه الحرية - حرية اختيار موضوع انتباهنا - تبدو اليوم مهمة فردية وجماعية في آن.

ثلاثة مفاهيم يجب التمييز بينها: الانتباه، التركيز، اليقظة

v  الانتباه : حركة الانفتاح :

بالنسبة لعالم النفس ويليام جيمس، الانتباه هو "الاستحواذ الذي يمارسه العقل" على شيء أو فكرة من بين عدة احتمالات ممكنة. وهو أكثر من مجرد حالة سلبية؛ إنه "حركة" جسدية وذهنية في آن واحد تُمكّننا من الإقامة في العالم.

لكن بالنسبة لعلوم الأعصاب، يعمل الانتباه كـ"مُعدِّل" ينضاف إلى أنشطتنا (الرؤية، السمع، الفعل) ليزيد من حدّتها ووضوحها. ويمكن أن يكون تلقائيًا (كضجيج مفاجئ يجعلنا نجفل) أو إراديًا (كقرار قراءة هذا النص). إنه في جوهره ديناميكية اختيار تمنح معنى لتجربتنا.

v  التركيز : جهد الانغلاق

إذا كان الانتباه انفتاحًا، فالتركيز هو تضييق. وهو يقابل ما يسميه بعض الباحثين "التناغم المعرفي": اللحظة التي تُحشد فيها كل مواردنا الذهنية لمهمة واحدة فريدة، مستبعدين كل ما عداها.

لكن المشكلة حسب تشير ناتالي دوبرا إلى أن نظامنا التعليمي جعل من التركيز معيارًا "مناقضًا للطبيعة"، يُعلّمنا أن نُثبّت انتباهنا على مهام مجردة على حساب إرهاق عصبي. وفي الحالات القصوى، قد يجعلنا تركيز شديد الضيق عُميانًا عن محيطنا (وهذا ما يُعرف بـ"العمى الانتباهي"، حيث لا نرى الغوريلا التي تعبر الملعب لأننا مشغولون بعدّ الكرات).

v  اليقظة: أساس التنبّه

اليقظة (من اللاتينية vigilare، أي السهر) هي حالة التيقظ التي تسبق الانتباه وتدعمه. بالنسبة لعلوم الأعصاب، إنها حالة تأهب شاملة، "قدرة على الاستمرار" ضرورية لكشف إشارة ما، تمامًا كما يفعل الرادار. وهي الشرط الذي يسمح للدماغ بمعالجة المعلومة.

فلسفيًا، تتمتع اليقظة بعمق أكبر: إنها "زيادة في الوجود". وهذه الصفة من الحضور والترقّب هي ما يجعلنا متاحين لكل ما يطرأ، دون أن نُثبّت أنفسنا بالضرورة على مهمة محددة.

خلاصة القول: الانتباه هو حركة العقل التي تختار وتُبرز ما ندركه. التركيز هو نمط "العمل"، حيث نحجب المشتّتات لإنجاز مهمة محددة. أما اليقظة فهي مستوانا الأساسي، الحارس الساهر في أعماقنا. ل. س.

المصادر:

  • ويليام جيمس، مبادئ علم النفس، الفصل 11، 1890، إعادة طبع دار Dover، 1950.
  • ناتالي دوبرا، الانتباه واليقظة: عند تقاطع الظاهراتية والعلوم المعرفية، PUF، 2014.
  • إيف سيتون، من أجل بيئة للانتباه، Seuil، 2014.
  • The Friends of Attention، بيان حركة تحرير الانتباه، La Découverte، 2026.

ما مدى شرودك الذهني؟

1. "ذهني شارد" — التشتت العادي

تقرأون هذا المقال، وعيونكم تتابع الأسطر، لكن أفكاركم في مكان آخر: محادثة الأمس، عطلة نهاية الأسبوع التي تُحضّرونها، أمر طارئ في العمل... لا داعي للقلق، إنها ببساطة نوبة "شرود ذهني" (mind wandering)، وهو مفهوم أصبح محوريًا في علم النفس المعرفي بفضل أعمال جوناثان سمولوود وجوناثان شولر. ينسحب انتباهنا من المهمة الجارية ليُفسح المجال لسيل من الأفكار العفوية، غالبًا ما تتمحور حول انشغالات شخصية.

تشير دراسة أصبحت كلاسيكية إلى أن عقلنا يشرد قرابة نصف وقت اليقظة. غير أن أبحاثًا لاحقة أظهرت أن هذه النسبة تتفاوت بشدة بحسب الأفراد والأنشطة وطريقة القياس، وبعيدًا عن كونه خللًا في الدماغ، يسهم هذا النوع من التشتت في التخطيط، ويغذي الإبداع، ويُشجّع على التأمل في تجاربنا الماضية.[1]

2. -لم أعد قادرًا على المتابعة" — الحمل المعرفي الزائد

لديكم 64 إشعارًا، ومئة رسالة إلكترونية، والهاتف يرن، وطفلكم يشدّ ثوبكم ليجد دميته المفقودة... في مواجهة تعدد المطالب (وغالبًا دون أي صلة بينها)، تتعرضون لضغط قد يُضعف مؤقتًا تحكمكم الانتباهي وذاكرتكم العاملة وقدرتكم على التنظيم. وبحسب عالمة الأعصاب إيمي أرنستن، يُخل هذا الضغط بعمل القشرة الجبهية الأمامية للدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط والانتباه وتنظيم الانفعالات. لأنها استجابة تكيّفية: فأمام مشكلة أو خطر، نُفضّل الفعل السريع على التحليل المتعمق. ولا شيء مَرَضيًا في هذا التفاعل، طالما بقي عابرًا وزال بزوال الضغط[2]

3. "أنا مضطرب جدًا لأفكر" — اضطرابات الانتباه الثانوية

تشعرون بالبطء؛ تستغرقون وقتًا للاستجابة، وتشعرون بالنعاس نهارًا، وتركيزكم أضعف من المعتاد. وكما في حالة الحمل المعرفي الزائد، قد تنجم هذه الصعوبات عن مشكلات أخرى سابقة: اضطرابات النوم (الأرق، انقطاع التنفس أثناء النوم...) أو المرتبطة باستهلاك مزمن لمواد (أدوية، مخدرات) تؤدي في النهاية إلى "ضباب معرفي"، وهو شعور بخدر الفكر وصعوبة التركيز أو إيجاد الكلمات. وينطبق الأمر ذاته على بعض الاضطرابات النفسية، كنوبة اكتئابية، وأيضًا الإنهاك المهني (burn-out)، أو في سياق آخر، العلاجات الطبية الثقيلة (كالعلاج الكيميائي المضاد للسرطان مثلًا). وتتحسن هذه الصعوبات الانتباهية الثانوية عندما تُعالَج الحالة الكامنة وراءها بشكل جيد.

4. مشاكلي في التركيز تُعيقني" — اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (TDAH)

اضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة أو بدونه (TDAH) هو حالة مرضية. وخلافًا للتشتت العادي، فإنه يسبب مشاكل جسيمة في الحياة اليومية. لا يُخلط اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بالحمل المعرفي الزائد؛ فهو لا يظهر عندما تصبح الحياة مرهقة، بل يرافق الشخص منذ الطفولة.

وبحسب الدليل المرجعي DSM-5-TR، هناك تسعة أعراض لنقص الانتباه: صعوبة التركيز، والإصغاء، والانتباه للتفاصيل، والامتثال للتعليمات، وتنظيم العمل، والميل إلى تجنب المهام التي تتطلب جهدًا مستمرًا، وفقدان الأغراض، والتشتت بمؤثرات خارجية، ونسيان المهام الواجب إنجازها.

أما في فئة فرط الحركة و/أو الاندفاعية، فتُحصى تسعة أعراض أيضًا: ميل إلى التلوّي في المقعد، وتحريك اليدين والقدمين، والجري والتسلق في كل مكان، وكثرة الكلام، والإجابة دون التفكير، ومقاطعة الآخرين، وصعوبة اللعب بهدوء، وانتظار الدور، والبقاء جالسًا عندما يقتضي الموقف ذلك. ولدى البالغين، يلزم توفر خمسة أعراض على الأقل في إحدى هاتين الفئتين لإثبات التشخيص (وستة لدى الأطفال).[3]

5. -هل يمكنكم إعادة السؤال؟ — الإصابات العصبية المعرفية

من المرجّح أن يكون مرض ألزهايمر مألوفًا لديكم. فمن منّا لم يشهد أحد أقاربه — والدين، أجدادًا، عمًا أو عمة — يتعرض لتراجع خفي في قدراته الدماغية؟ من نسيان بسيط لاسم، إلى فقدان الوظائف الحركية الأساسية، من المرجّح أن يكون مرض ألزهايمر مألوفًا لديكم.

وقد تُضعف أمراض أو إصابات أخرى الذاكرة والانتباه والتركيز. فهي تارة عرضية، إثر حادث وعائي دماغي مثلًا، وتارة أخرى غير مفسَّرة، حين يعجز قريب كان يُوصف بأنه "شارد الذهن" مؤخرًا عن معرفة مكان سكنه. وفي عام 2021، قدّرت منظمة الصحة العالمية أن 57 مليون شخص يعانون من شكل من أشكال الخرف — وهو رقم مرشح للازدياد مع تقدم عمر السكان.

 


...........................................

هل التركيز، امتياز طبقي؟

مسكن صاخب، توتر دائم، إشعارات من كل حدب وصوب؛ تفاصيل تتراكم لترسم شرخًا خفيًا: القدرة على التركيز ليست واحدة بحسب البيت والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه المرء. — أنييس فيرنيه

تُخلّف اللامساواة الاجتماعية آثارًا عميقة، حتى في الدماغ. فقدرة الأطفال الفقراء على التركيز ليست كقدرة الأطفال الأغنياء، بل هي أضعف. هذه الملاحظة طرحها منذ عام 1998 عالم النفس العصبي الأمريكي غاري إيفانز، من جامعة كورنيل. فقد أظهر أن العيش في مسكن مكتظ يضر بالأداء المدرسي والتعلّم والقدرة على التركيز لدى الأطفال. والسبب يعود إلى مساكن أصغر مساحة وأكثر ضوضاء. يمكن تخيل أن طفلًا، في الغرفة نفسها، يحاول التركيز على مهمة كواجباته المدرسية، بينما يقوم شخص آخر من أفراد الأسرة بتنظيم برنامج نهاية الأسبوع أو يستمتع بلحظة راحة أمام التلفاز أو يستمع إلى الراديو أو يلعب لعبة... هذا النوع من المواقف يغذّي التشتت.

كما يرى العلماء أن التوتر الناتج عن الصعوبات الاقتصادية يزيد من فقدان الانتباه. ويجب فهم ذلك كمشكلة "توافر النطاق الترددي المعرفي". فعندما تكون المعركة مع الظروف المادية يومية، يُستحوذ على جزء من الانتباه بفعل التوتر الناتج عنها. كما أن الهموم المرتبطة بالفقر تستهلك جزءًا من الموارد المعرفية.  لأن "التوتر يؤدي إلى تركيز الانتباه على الانشغالات الآنية". الأمر الذي يستنفذ مجمل طاقتنا الذهنية والعقلية بشكل من الأشكال.

خميرة لامساواة الغد:

بل إن هناك فروقًا مرئية بين دماغ الأغنياء ودماغ الفقراء. وهذا ما أظهرته كيمبرلي نوبل عام 2015. فقد حللت هذه الطبيبة والعالمة في الأعصاب الأمريكية البنية الدماغية لأكثر من 1099 طفلًا ومراهقًا أمريكيًا. وقاست ارتباطًا بين عدة خصائص دماغية والوضع الاجتماعي-الاقتصادي للوالدين، لا سيما في المناطق المعنية باللغة والوظائف التنفيذية، ومن بينها الانتباه. والسبب، هنا أيضًا، هو التوتر وأثره على نمو الدماغ. وتؤكد كايسا كاركي، الفيلسوفة من جامعة هلسنكي في هذا الموضوع، أن "آليات أخرى تدخل أيضًا في اللعب. فالوضع الاجتماعي-الاقتصادي للأسرة يؤثر بشكل خاص على التغذية والنوم والتعرض للسموم والمخاطر المرتبطة بالحي ومستوى التحفيز المعرفي، وكلها عوامل تؤثر على القدرات المعرفية للطفل، ولا سيما وظائفه التنفيذية". ولحسن الحظ، فإن هذه العملية قابلة للانعكاس. إذ يرتبط الدعم الاجتماعي والتغطية الصحية الأفضل بتقليص هذه الآثار العصبية البيولوجية. لكن تكاثر الشاشات في مجتمعاتنا يفاقم هشاشة الفقراء أمام التشتت.

 فقد أظهرت دراسة أمريكية عام 2018 أن استخدام الشاشات من قبل أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات يزيد أيضًا من الفوضى المنزلية، وهو نفس العامل الذي ربطه غاري إيفانز بالمساكن المكتظة.

كما أظهرت دراسة أُجريت عام 2023 على 8000 إيرلندي وُلدوا عام 1998 وتمت متابعتهم لمدة 18 عامًا، أن مدة استخدام الشاشات أطول في الأسر ذات الدخل المنخفض. علاوة على ذلك، عندما تنقص الموارد المالية، تكتفي الأسر بالنسخ المجانية من التطبيقات أو البرامج، وبالتالي تكون أكثر عرضة، بل استهدافًا، للإعلانات. فهي أقل قدرة على الصمود أمام اقتصاد الانتباه.

وتؤكد دراسة أنه كلما انخفض الوضع الاقتصادي، ضعفت المعرفة الرقمية، أي القدرة على القراءة والفهم والبحث عن المعلومات عبر الإنترنت. وتقول كايسا كاركي: "امتلاك مهارات رقمية يقلل من خطر التلاعب عبر الإنترنت. ويمكن للتفاوتات الاجتماعية-الاقتصادية في المهارات الرقمية أن تفاقم آثار التشتت الرقمي المُخصَّص لدى الأشخاص القادمين من أوساط محرومة."

ومع ذلك، فإن الأثرياء لا يحصّنون أبناءهم في عالم خالٍ من الشاشات، كما تزعم إشاعة تتداول منذ نحو خمس عشرة سنة. فوفقًا لهذه الإشاعة، يمنع أرباب شركات التكنولوجيا في كاليفورنيا جميع الشاشات عن أطفالهم. لكن تحقيقًا نشرته صحيفة "لوموند" عام 2024 يُظهر أنهم آباء عاديون كغيرهم: يفعلون ما يستطيعون. فبيل غيتس، على سبيل المثال، لا يمنع الأجهزة الرقمية إلا على مائدة الطعام. ولا يرتاد سوى أقلية من كبار موظفيه مدرسة "والدورف سكول أوف ذا بينينسولا" الشهيرة التي تحظر الهواتف داخل الفصول. بل تعتمد هذه المؤسسة نهجًا يُعرف بـ"التقنية البطيئة ، وهو منطق أقرب إلى إدخال التقنيات الجديدة للمعلومات بشكل مدروس وتدريجي.

"التوتر الناتج عن الصعوبات الاقتصادية يزيد من فقدان الانتباه."

إن اقتران ظروف الحياة بأثر الوضع الاجتماعي-الاقتصادي على عمل الدماغ، مقترنًا بجهل بالآليات التحفيزية لاقتصاد التطبيقات والبرمجيات، يفسّر إلى حد كبير الفروق الملحوظة. غير أن هذا الوضع يتّسم بالتعقيد والدقة. فالعيش في ظروف اجتماعية-اقتصادية صعبة يتيح أيضًا اكتساب مهارات. وبالنسبة للهولندي ويليم فرانكنهاوس والفرنسي دانييل نتل، فهذه "مواهب خفية". ومن بين قائمة الكفاءات المحددة التي حددها الباحثان: المرونة الذهنية، أي القدرة على الانتقال بفعالية وسرعة من مهمة إلى أخرى، وهي نظير حقيقي للانتباه.

يبقى أنه، إجمالًا وأمام الأدوات الرقمية، الأشخاص الأكثر فقرًا أقل تسلحًا من الأكثر ثراءً، وهذا ما يثقل كاهل النتائج المدرسية لأبنائهم. عقوبة مزدوجة وخميرة لامساواة الغد. وتقول كايسا كاركي: "هذا موضوع مهم، مسألة ديمقراطية وأخلاق بالنسبة للفلسفة. من مسؤولية الجميع التأكد من أن الأشخاص القادمين من أوساط اجتماعية-اقتصادية محرومة يستطيعون أيضًا الإسهام في العلم أو السياسة. ولتحقيق ذلك، يجب أن ندرك أن الوضع الاجتماعي-الاقتصادي - ولو عبر آلية التوتر فقط - يؤثر على مدى قابليتنا لأن نُشتَّت بأجهزتنا الرقمية في سن الرشد."

...............................................

سيكولوجية الانتباه وعصر التشتت: من فرط التركيز إلى اقتصاد الانتباه

مقدمة

يعيش الإنسان المعاصر في بيئة تتجاذبه فيها المحفزات من كل جانب، مما يطرح أسئلة عميقة حول حدود القدرات العقلية البشرية، وكيفية التعامل مع التشتت، وإدارة الانتباه في المهن الحساسة، وصولاً إلى استغلال الشركات التكنولوجية للتركيز البشري.

أولاً: اضطراب نقص الانتباه وزيادة الحركة (TDAH): بين فرط التركيز وفرط التفكير

يوضح جابرييل فال (Gabriel Wahl)، أخصائي الطب النفسي للأطفال والأستاذ السابق بجامعة باريس 7، أن اضطراب نقص الانتباه لا يعني مجرد غياب الانتباه كما يُعتقد غالباً، بل يتجلى في صورة "قدرة متغيرة على التركيز" تتأثر بالدوافع والظروف.

1. فرط التركيز (Hyperfocus) وفرط التفكير (Hypercogitation)

  • فرط التركيز (Hyperfocus): قد يظهر لدى المصابين بـ TDAH استغراق وشغف استثنائي في مهام معينة (مثل الألعاب أو المشاريع الشغوفة) مما يمنحهم قدرة هائلة على الاستيعاب. لكن هذا التركيز قد يكون:
    • تشتيتياً: كالانشغال بربطة عنق المحاور أو تفصيل بسيط لا أهمية له.
    • عاطفياً: كالانشغال الكامل بمسألة عاطفية أو أزمة طارئة.
  • فرط التفكير (Hypercogitation): يُقصد به ازدحام الذهن بالأفكار المتداخلة والدخيلة. يصفه بعض المرضى بـ "الفوضى الذهنية" أو "العقل المتجول"، حيث تتدفق الأفكار بدون توقف، مما يعيق البدء في المهام أو مواصلة القراءة والعمل.

2. التسويف والعجز عن الفعل (Hyperactif / Hypoactif)

يترافق نقص الانتباه مع ديناميكية متناقضة:

  • التسويف (Procrastination): ليس مجرد كسل أو استهانة بالوقت، بل هو تأجيل أليم ناتج عن الشعور بالعجز أمام حجم المهام.

 

  • الشغف كمحرك أساسي: غالباً ما يتأجل العمل حتى لحظات التوتر القصوى أو تحت تأجج الشغف والاندفاع الحماسي.

3. أنماط شخصيات TDAH (تصنيف مصغر)

  • «أنسى كل شيء» (المشتتون): أفكارهم متداخلة، يجدون التخطيط عقاباً، ويتشتتون بسرعة بين طيات الأفكار المتراكمة.
  • «لا أتوقف أبداً» (النشطون/المندفعون): يعشقون الحركة والسرعة، يفضلون الارتجال والانتقال بين عدة مهام في وقت واحد على الالتزام بمسار واحد.
  • «أنفعل لأقل شيء» (الانفعاليون): مشاعرهم متحكمة بسلوكهم، يتأثرون بسرعة بأي عقبة صغرى، وتتأرجح مزاجيتهم بين التوتر والانضباط الوقتي.

ثانياً: عندما ينقذ الحذر والانتباه الأرواح: الوعي بالظروف (Situation Awareness)

في المهن التي تتطلب استجابة فورية كقالبي الطائرات أو الجراحين، يُعد الانتباه مسألة حياة أو موت. كتب فريدريك ليتورنو (Frédérique Letourneux) عن أهمية ما يُعرف بـ "الوعي بالظروف" (Conscience de la situation - CS).

1. معجزة نهر هادسن (مثال تطبيقي)

في 15 يناير 2009، بعد دقائق من الإقلاع، تعرضت طائرة الكابتن تشيسلي سullenberger للتصادم مع سرب طيور مما أدى لتعطل المحركين. خلال ثوانٍ معدودة، تمكن القبطان من تقييم الوضع والهبوط اضطرارياً بسلام في نهر هادسن دون خسائر في الأرواح. ويعزز هذا النجاح مفهوم "الوعي بالظروف" وليس مجرد برودة الأعصاب.
2. المراحل الثلاث للوعي بالظروف (نموذج ميكا إندزلي -
Mica Endsley)

1.   الإدراك البصري والحسي (Perception): ملاحظة العناصر المحيطة في اللحظة الراهنة.

2.   الفهم والاستيعاب (Compréhension): الربط بين المعطيات لتشكيل صورة ذهنية واضحة للموقف.

3.   التوقع والتدخل (Projection/Anticipation): التنبؤ بالسيناريوهات القادمة والتخطيط السريع واتخاذ القرار المواتي.

3. مفارقة التركيز الشديد و"الغوريلا الخفية"

  • العمى الناجم عن عدم الانتباه (Cécité d'inattention): يوضح الباحثان كريستوفر شابريس ودانيال سيمونز (من خلال تجربة الغوريلا الخفية عام 1999) أنه عندما يركز الإنسان انتباهه شديداً على task معينة، قد يفوت أحداثاً بارزة تتجلى أمام عينيه تماماً.

....................................

اقتصاد الانتباه والاضطراب المستمر عبر الشبكات الاجتماعية

تحلل المقالة المقتبسة من أفكار الفيلسوف إيف سيتون (Yves Citton) وجوناثان براري وجيربرت سايمون بكيفية تحول الانتباه إلى ثروة واقتصاد قائم بذاته.

1. ندرة الانتباه في عصر الوفرة

أشار حائز جائزة نوبل هربرت سايمون (Herbert Simon) منذ عام 1971 إلى أن:

"وفرة المعلومات تخلق ندرة في شيء آخر: ندرة ما تستهلكه هذه المعلومات. وبما أن المعلومات تستهلك انتباه المستهلك، فإن كثرتها تؤدي إلى ندرة حادة في الانتباه."

2. النموذج الاقتصادي لشركات "جافام" (GAFAM)ا

الخدمات المجانية التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث ليست مجانية في الحقيقة؛ فالجملة الشهيرة تختصر الوضع: «إذا كانت الخدمة مجانية، فأنت هو المنتج». لأن هذه الشركات تعمل على احتجاز الانتباه لبيعه للمعلنين عبر خوارزميات مصممة بدقة لتوقع السلوكيات والاهتمامات.

3. قتل "الأوقات الميتة" والتشتت الدائم

أدى التدفق المستمر للتنبيهات إلى إلغاء الأوقات الفاصلة أو الميتة التي كان الإنسان يستغلها في التفكير الهادئ والتأمل.  مما تسبب التشتت المستمر في تقليل القدرة على التركيز العميق، وزيادة نفاد الصبر، وتعميق الشعور بالإرهاق الذهني.

رابعاً: برايان فوغ (Brian Fogg) وتأسيس علم "الكبتولوجيا" (Captology)

التعريف: أسر العقول وتوجيه السلوكيات عبر التكنولوجيا هو موضوع علم الكبتولوجيا (Persuasive Technology) الذي أسسه البروفيسور برايان فوغ عام 1998 في جامعة ستانفورد.

الهدف: دراسة كيف يمكن للحواسيب والتطبيقات الرقمية إعادة تشكيل وتوجيه سلوكيات وأفكار المستخدمين (مثل آليات الإعجاب "Like"، السحب للتحديث "Pull to refresh"، والمكافآت المتغيرة).  تخرج من مختبر "فوغ" العديد من رواد التكنولوجيا في سيليكون فالي (مثل مؤسسي إنستغرام مايك كريجر وكيفين سيستروم)، وهو ما فتح الباب لاحقاً لظهور تحركات تدعو للتصميم الأخلاقي للتكنولوجيا بقيادة مهندسين سابقين مثل تريستان هاريس.

 

خلاصة: إن فهم ميكانيزمات الانتباه البشرية، بدءاً من البنية العصبيّة والنفسية للفرد إلى أساليب إدارة المخاطر في بيئات العمل المعقدة ، يوضح مدى رهافة وقيمة هذه الطاقة الذهنية. وفي عصر "اقتصاد الانتباه"، تصبح حماية تركيزنا وإدارته بوعي معركة يومية بين قدرات الدماغ البشري والآليات التكنولوجية التي تسعى لاستغلاله.

يقدم الباحث رافائيل زافران (Raphaël Zaffran)، الذي يشارك في إدراة "مركز التدريب المستمر والتنفيذي" (CFCD) بجامعة جنيف، خمسة ركائز أساسية لتطوير القدرة على التركيز، مؤكداً أن هذه الممارسات يمكن تدريسها والتدريب عليها سواء في المدارس أو في بيئات العمل.

1. النية الإرادية هي الأساس (C'est l'intention qui compte)

تستغل المنصات الرقمية نظام المكافأة الفطري في الدماغ عبر إفراز الدوبامين، والذي يكمن دوره الحقيقي في توقع الموارد المستقبلية بدلاً من إنتاج اللذة ذاتها. تم تصميم هذه الآليات الرقمية من قِبل مهندسين يهدفون إلى إبقائنا متصلين بالحرص على إعادة جذب انتباهنا باستمرار نحو الهواتف الذكية، حتى أثناء المشي، أو الاستماع للموسيقى، أو مشاهدة الأفلام، أو التحدث مع الآخرين. لهذا فإن حماية الانتباه تتطلب ممارسة الإرادة الحرّة. وتمر استعادة السيطرة بالخطوات التالية:

  • فهم الآليات: الإدراك الواعي لكيفية عمل المشتتات الرقمية.
  • الوضوح والنية: التعامل بنية واضحة ومحددة عند إدارة البيئة الرقمية المحيطة بنا.

2. الحذر من أسطورة تعدد المهام (Se méfier du multitasking)

تعدد المهام ليس سوى وهم؛ فالواقع هو التنقل السريع والمستمر بين المهام (Task-switching). يتسبب هذا التنقل في إنشاء ما يُعرف بـ "متبقيات الانتباه" (Attention residue)، وهي عملية مكلفة للغاية للطاقة الذهنية تزيد من نسبة الأخطاء وتمنع الوصول إلى العمل العميق. كما أن الأشخاص الذين يعتقدون أنهم قادرون على القيام بمهام متعددة غالباً ما يبالغون في تقدير قدراتهم ويكونون أكثر عرضة للتشتت.

خطوات عملية لحماية التركيز:

  • تعطيل الإشعارات غير الضرورية.
  • تقسيم اليوم إلى كتل زمنية محددة للعمل (Time blocking) وتجميع المهام المتشابهة.
  • استخدام تقنية "بومودورو" (25 دقيقة عمل مركز تليه 5 دقائق استراحة).
  • تجربة الاجتماعات بدون اتصال بالإنترنت أو أسلوب "المشي والتحدث" (Walk and talk) في الاجتماعات الثنائية.

3. التدريب على الحضور الذهني التام (S'entraîner à la pleine présence)

تساعد ممارسة التأمل الذهني (Mindfulness) على تحسين مستويات الانتباه حتى بعد بضعة أيام فقط من الممارسة، وأظهرت أبحاث التصوير العصبي أن الممارسة المنتظمة تزيد من الترابط العصبي المرتبط بالتركيز.

ممارسات يومية لتركيز والحضور الذهني:

  • التنفس الواعي: ممارسة 5 دقائق يومياً من التنفس الموجه لتقليل التشتت والحد من التعلق بالمكافآت الرقمية السريعة
  • الأنشطة اليدوية والإبداعية: مثل الموسيقى، الرياضة، والرسم، حيث توفر مكافآت غير فورية بل ممتدة ومفيدة للدماغ.
  • أنشطة الحياة اليومية: الاستمتاع بوجبة طعام، أو تأمل شيء ما، أو الاستماع الثري والإنصات التام للمحاور.

4. التناوب بين التركيز والراحة... والملل (Alterner concentration, repos... et ennui)

يحتاج الدماغ إلى التذبذب بين أنماط تفكير مختلفة ليعمل بكفاءة عالية. يوضح رافائيل زافران اختفاء مفهوم "الملل" في ثقافتنا الحديثة لحساب "الانشغال الدائم" (Busyness) المتصدر اجتماعياً.

  • أهمية الملل: يحفز الملل الإبداع ويساعد الدماغ على تنظيم الأفكار.
  • الاستراحة الرقمية: تساعد الممارسات مثل "الديتوكس الرقمي" (قطع الاتصال للتخلص من السموم الرقمية) ولو لعطلة نهاية الأسبوع في استعادة التوازن الذهني والرؤية الواضحة.

5. تنويع وسائط التعلم (Varier les supports d'apprentissage)

في مواجهة الطلاب والجيل الجديد المعتاد على المحفزات الرقمية العالية (مثل شبكات التواصل والبث المباشر)، يجد التعليم التقليدي صعوبة في الحفاظ على الانتباه. الحل يكمن في تنويع الوسائط التعليمية لإعادة إثارة الشغف وتحفيز مختلف أشكال الانتباه.

أمثلة لتنويع الوسائط:

  • طلب رسم خرائط ذهنية (Mind maps) تلخص وتوضح مجريات الدرس.
  • عرض مقاطع فيديو قصيرة ومستهدفة.
  • الاستماع إلى البودكاست التعليمي أو تكليف الطلاب بإنتاجها بدلاً من الاقتصار على النصوص المكتوبة فقط.

..............................................

من يتحكم في عقولنا؟

كيف تحولت المنصات الرقمية إلى آلات لالتقاط انتباهنا، ولماذا يصعب علينا الإفلات منها

ربما عشتَ هذا الموقف في إجازتك الأخيرة: كنتَ تنوي العودة إلى القراءة، لكنك وجدت نفسك تفتح هاتفك "لدقيقة واحدة فقط" على إنستغرام، لتكتشف بعد أكثر من ساعة أنك انتقلت من فيسبوك إلى تيك توك إلى إكس ويوتيوب، دون أن تلمس الكتاب الذي بين يديك. هذا السيناريو المألوف ليس ضعفًا في الإرادة، بل نتيجة تصميم مدروس بعناية: التطبيقات والمنصات الرقمية ليست محايدة، بل مُهندَسة خصيصًا لتجعلنا نعود إليها ونبقى فيها أطول وقت ممكن، على حساب أي نشاط آخر.

من هاجس معرفي إلى قضية حضارية

"ركّز"، "ابقَ يقظًا"، "كونوا منتبهين": من المدرسة إلى المقاولة، مرورًا بالفضاء العام، غزت هذه الأوامر حياتنا اليومية، وكأنه بات من الضروري أن يظل العقل معبّأً على الدوام. وبشكل خفي، تحوّلت "الانتباه" من ملَكة معرفية بسيطة إلى معيار أخلاقي يُقاس به الأفراد. هذا هو التساؤل الذي تطرحه الفيلسوفة أبولين غيّو في مؤلَّفها الأخير عن "طغيان الانتباه"، محذّرةً من أن العقل البشري يملك أنظمة اشتغال متعددة، وأن التركيز المستمر لا يستنزف كل موارده. فماذا لو كانت بعض أشكال اللاانتباه شرطًا لحرية العقل التي يصادرها التركيز الدائم؟

الانتباه قبل أن يقيسه العلم: جذور فلسفية

قبل أن تتحول الانتباه إلى موضوع قياس علمي، كانت أولًا موضوعًا فلسفيًا. فقد قدّمت سيمون فايل واحدًا من أكثر التصورات أصالة حين رأت في الانتباه ملكة عقلية يجب أن تُمارَس، لكنها أيضًا طريقة لاستقبال الواقع، وإدراك الجمال، والانفتاح على معاناة الآخرين. أما الفيلسوفة ناتالي دوبراز فتذهب إلى أن الانتباه، من منظور الفينومينولوجيا والعلوم المعرفية، ليس حالة ذهنية بسيطة، بل ممارسة جسدية ووجدانية وعلائقية تُعمّق حضورنا في العالم عبر حركة انفتاح وإتاحة.

الشرود الذهني: من "رذيلة" إلى موضوع بحث علمي:

فريدريك مانزيني في مقالته "مديح اللاانتباه"، يقر بأن الشرود الذهني (mind-wandering) يرتبط بالإبداع، والتخطيط طويل المدى، والمرونة النفسية. فهل يمكن أن تكون القدرة على اللاانتباه شرطًا للذكاء نفسه؟ إلى جانب التشتت المرضي الناتج عن إشباع العقل بالمثيرات، هناك ما يسميه الكاتب "لاانتباه خصب"، بل ونافع أحيانًا: لحظات يوقف فيها الفكر ملاحقة هدف مباشر، دون أن يتوقف عن كونه نشِطًا.

الانتباه العائم عند فرويد:

استكشف سيغموند فرويد هذا النمط من الحضور الذهني منذ نصه "نصائح للطبيب في العلاج التحليلي" (1912)، حين أوصى المحلل النفسي بتبنّي إصغاء غير انتقائي، عُرف بـ"الانتباه العائم". وأوضح فرويد أن هذه القاعدة تقابلها، من جهة المريض، قاعدة "التداعي الحر"، أي قول كل شيء دون انتقاء أو رقابة. والانتباه العائم يقطع الميل التلقائي إلى البحث الفوري عن معنى عقلاني في كلام المريض، تجنبًا لتراتبية مبكرة تُفضّل تفصيلًا على آخر. فهو ليس تشتتًا ولا لاانتباهًا بالمعنى الحرفي، بل انضباط دقيق في انتباه غير انتقائي، يُعطّل الآليات التفسيرية المتسرعة، ويفسح المجال لما تُقصيه البؤرة المفرطة من إشارات خفية وتداعيات غير متوقعة، وصولًا إلى بروز المعنى.

أحلام اليقظة عند باشلار:

يطوّر غاستون باشلار حدسًا قريبًا من هذا في "شاعرية أحلام اليقظة". فأحلام اليقظة عنده ليست لا وعيًا ولا حلمًا ليليًا، بل حالة تعليق للغايات العملية، يترك فيها العقل نفسه يتأثر بصور وتجاوبات وتناظرات رمزية تُشكّل الفكر الشعري والفلسفي. وفي هذه اللحظات بالذات، حين يشرد الفكر، تُنسج شبكات الاستعارات والتجاوبات الوجدانية التي تُغذّي الابتكار. ويسمّي باشلار هذا النمط، حين يتأمل المرء منظرًا طبيعيًا أو سماءً مرصّعة بالنجوم، "حلم اليقظة الكوني"، حيث تنبعث صور طفولية ممزوجة بانطباعات منسية وإحساس باللانهاية. وهنا يتقاطع الانتباه العائم عند المحلل النفسي مع حلم اليقظة عند الشاعر: كلاهما يشهد على أن العقل لا يتخلى عن نشاطه، بل يغيّر قطبيته فقط.

الشرود ليس أحلام يقظة: ما تقوله الأبحاث الحديثة:

كثيرًا ما يُستخدم مصطلحا "الشرود الذهني" (mind-wandering) و"أحلام اليقظة" (daydreaming) كمترادفين، لكن دراسة حديثة نُشرت في مجلة Scientific Reports تقترح التمييز بينهما بدقة أكبر، بناءً على طريقة تسلسل الأفكار، ومدى استحواذها على الانتباه، وتنظيمها.

في هذه الدراسة، تلقّى 70 بالغًا، على مدى أسبوع، عشر رسائل نصية يوميًا تدعوهم إلى وصف حالتهم الذهنية، ثم تصنيف الحلقة: أفكار متناثرة وعابرة، أو موضوع واحد متماسك ومستمر، أو نمط آخر من النشاط الذهني. صُنِّفت الفئة الأولى ضمن الشرود، والثانية ضمن أحلام اليقظة. جمع الباحثون 455 حلقة شرود و1190 حلقة أحلام يقظة.

الشرود يشبه خيطًا مقطوعًا: فكرة تستدعي أخرى دون أن تُشكّل بالضرورة سردًا أو تسعى إلى هدف محدد، وتنشأ غالبًا لا إراديًا. أما أحلام اليقظة فتبقى مركّزة حول موضوع، وتُعبّئ الانتباه بقدر أكبر، وتمنح إحساسًا أقوى بالحضور، وتتخذ غالبًا شكل قصة يتحكم الشخص في مجرياتها. لذلك يبدو من التبسيط تجميع كل الأفكار الخارجة عن المهمة تحت مسمى واحد.

غير أن هذا البحث لا يخلو من إشكال منهجي محتمل: إذ يُصنّف المشاركون أفكارهم استنادًا إلى المعايير ذاتها التي يعثر عليها الباحثون لاحقًا في نتائجهم، فيُعرَّف حلم اليقظة بتماسكه، ثم يُستنتج أن أحلام اليقظة أكثر تماسكًا. والأهم أنه، رغم اختلاف الملمحين، فإن الحدود بينهما قد لا تكون قاطعة تمامًا: فقد يتحول الشرود إلى حلم يقظة، والعكس صحيح، كأن تبدأ فكرة بتداعٍ عابر، ثم تستقر حول ذكرى، ثم تتحول إلى مشهد تخيّلي.

ما يقوله العلم العصبي والمعرفي:

تجد هذه التحليلات الفلسفية اليوم صدى في أبحاث علم النفس المعرفي والعلوم العصبية، التي تمتد في اتجاهين مختلفين:

الاتجاه الأول يتعلق بحل المشكلات: تميّز دراسات الإبداع بين مراحل تركيز نشط ومراحل "حضانة" تبدو عقيمة ظاهريًا. خلال مراحل الحضانة هذه، تستمر المشكلة المعلَّقة في العمل ضمنيًا، دون وعي مباشر بها، وقد تفضي إلى استبصار مفاجئ. فمشية، أو استحمام، أو ليلة نوم، قد تُساعد على بروز حل غير متوقع لسؤال وُضع جانبًا.

الاتجاه الثاني يتعلق بتصوير الدماغ. حدّدت العلوم العصبية ما يسمى "الشبكة العصبية الافتراضية" (RMD)، التي تنشط حين لا يكون الانتباه منخرطًا في مهمة محددة.

تعمل هذه الشبكة تحديدًا على محاكاة سيناريوهات محتملة، سواء تعلق الأمر باستحضار الماضي، أو استشراف المستقبل، أو تخيّل وجهة نظر الآخر. وهي بذلك قدرة إسقاط تُهيّئ الفرد للفعل واتخاذ القرار، وقد أظهرت أبحاث عديدة أنها تنشط تحديدًا أثناء نوبات الشرود الذهني.

 بل تشير أحدث الأبحاث إلى أن الإبداع الأكثر ديناميكية ينتج عن تفاعل بين الشبكة الافتراضية وشبكات التحكم التنفيذي، أي أن التناوب بين الانجراف الذهني والتركيز أخصب من الاعتماد على أحدهما منفردًا.

اللاانتباه كمقاومة اقتصادية وسياسية:

تكتسي المسألة أيضًا بعدًا اقتصاديًا وسياسيًا صريحًا. ففي العصر الرقمي، أصبح انتباهنا موردًا متنازعًا عليه بشدة، تستهدفه المنصات والخوارزميات المصمَّمة لاستبقائه أطول فترة ممكنة. وإذا كان الانتباه قد صار موردًا اقتصاديًا، فإن اللاانتباه يمكن أن يصبح وسيلة لاستعادة امتلاك الذات، وممارسة مقاومة هادئة لكنها حاسمة.

منذ عقد تقريبًا، وردًّا على ما يُعرف ب"اقتصاد الانتباه"، طرح إيف سيتون ما أسماه "إيكولوجيا الانتباه": تقبّل التشتت، وترك العقل يهيم، وتحمّل الملل، والانفصال عن الاستدعاءات المستمرة.

في كتابه الصادر سنة 2014 بعنوان "Pour une écologie de l'attention". الفكرة الأساسية تقوم على استعارة المنطق البيئي (الإيكولوجي) لفهم كيف يُوزَّع الانتباه البشري ويُستهلك ويُعاد إنتاجه في عصر وفرة المعلومات.

ينطلق من ملاحظة أن انتباهنا أصبح "موردًا نادرًا" يتنافس عليه عدد هائل من الفاعلين: وسائل الإعلام، الشركات، الشبكات الاجتماعية، الإعلانات... لكنه يرفض التصور السائد الذي يختزل الانتباه في سلعة فردية يمكن قياسها وبيعها وشراؤها، كما يفعل اقتصاد "اقتصاد الانتباه. بدلاً من ذلك، يقترح النظر إلى الانتباه كـنظام بيئي له أبعاد متعددة ومتشابكة.

المستويات الثلاثة للانتباه:

من أهم مساهماته أنه ميّز بين ثلاثة مستويات للانتباه لا يمكن فصلها:

1.   الانتباه الميكروي (الفردي/العصبي) - وهو ما تدرسه علوم الأعصاب: التركيز اللحظي، الإدراك الحسي، الذاكرة العاملة.

2.   الانتباه الميزوي (العلائقي/الاجتماعي) - وهو الانتباه الذي نوليه لبعضنا البعض في العلاقات الإنسانية: الإصغاء، الاعتراف بالآخر، الرعاية المتبادلة.

3.   الانتباه الماكروي (الجماعي/الثقافي) - وهو ما تصنعه المجتمعات ككل من "بؤر اهتمام" جماعية: ما يشغل الرأي العام، الأجندات الإعلامية والسياسية.

لماذا "إيكولوجيا"؟

استخدام كلمة "إيكولوجيا" ليس مجازيًا فحسب؛ فسيتون يرى أن هذه المستويات الثلاثة تتفاعل مثل عناصر بيئة طبيعية: تلوث الانتباه على مستوى ما (كالإفراط في التنبيهات الرقمية) يؤثر على مستويات أخرى (كجودة العلاقات الإنسانية أو النقاش العام). كما يستدعي هذا المفهوم بُعدًا أخلاقيًا وسياسيًا: فكما ندعو للحفاظ على البيئة الطبيعية من الاستنزاف، يدعو سيتون إلى "رعاية" انتباهنا الجماعي من الاستغلال المفرط من قبل صناعات تسعى لاحتكاره وتسليعه.

لكن هذا لا يعني أن الانتباه المستدام خالٍ من قيمة ذاتية. فثمة مهام، كالتدخل الجراحي، أو القيادة، أو التحقيق الفيلولوجي لنص، تظل فيها اليقظة المستمرة لا بديل عنها، ولا مكان فيها لمديح اللاانتباه. فالدفاع عن اللاانتباه المُختار لا يصح كمبدأ عام، بل كتذكير بتعددية الأنظمة الذهنية التي تنزع مجتمعاتنا، في تمجيدها الأحادي للتركيز والاستقطاب الذهني، إلى نسيانها.

 وهذه القدرة على الغياب هي بالذات ما يجعل الخيال، والإسقاط في الزمن الطويل، وابتكار العوالم الرمزية ممكنًا، وهي أمور لا تخضع لأي ضرورة حيوية، لكنها لا غنى عنها لإثراء تجربتنا.

فالتركيز إذن ليس نقيض اللاانتباه، بل ربما ليس حتى الشكل الاعتيادي للفكر، وإنما أحد أنظمته الممكنة، ضروري في مواقف بعينها، لكنه غير كافٍ وحده ليعبّر عن ثراء حياتنا الذهنية. ومديح اللاانتباه، بهذا المعنى، تذكيرٌ بأن هناك طرقًا متعددة للحضور في العالم، وأن العقل البشري لا يبلغ كامل انتشاره إلا بمعرفة الانتقال من نمط إلى آخر.

 

خلاصة: يكشف هذا الملف عن مفارقة جوهرية: كلما تصاعدت الأوامر الاجتماعية بضرورة التركيز واليقظة الدائمين، ازدادت الحاجة العلمية والفلسفية إلى الدفاع عن اللاانتباه بوصفه ليس عجزًا، بل إمكانية أنثروبولوجية للإبداع والخيال والحرية الداخلية. من الانتباه العائم عند فرويد، إلى حلم اليقظة الكوني عند باشلار، مرورًا بالشبكة العصبية الافتراضية، وصولًا إلى فرانسيس بونج المتلذذ بتفصيل مهمَل، يتضح أن العقل البشري لا يُختزل في التركيز، بل يزدهر في التناوب بين الانجذاب والانصراف، بين البؤرة والهامش، بين الحضور الكثيف والشرود الخصب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علم "استلاب الانتباه"

خلال العشرين سنة الماضية، طوّرت المنصات الكبرى أدوات تصميم بالغة الفعالية: من "خلاصة الأخبار" التي أطلقها فيسبوك عام 2006 والتي تعتمد خوارزميات لإبراز المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، مرورًا بالمحتوى العابر ("القصص") الذي يدفعنا لمشاهدته فورًا قبل اختفائه، وصولًا إلى تشغيل الفيديوهات القصيرة تلقائيًا والإشعارات الفورية التي تُطلق موجات من الدوبامين في أدمغتنا.

هذه الآليات ليست وليدة الصدفة، بل نتاج علم متخصص يُعرف بـ"الأسر التقني" أو الكابتولوجيا (captology)، وهو مصطلح صاغه الباحث بريان فوغ من جامعة ستانفورد في تسعينيات القرن الماضي، اختصارًا لعبارة "الحواسيب كتقنية إقناعية". يجمع هذا الحقل المعرفي بين علم النفس والمعلوماتية لدراسة كيفية استخدام التكنولوجيا كأداة تأثير في سلوك المستخدمين. وقد أسس فوغ مختبر التقنيات الإقناعية في ستانفورد عام 1998، وتخرّج منه عدد من الأسماء البارزة في وادي السيليكون، من بينهم مؤسسا إنستغرام كيفن سيستروم ومايك كريغر.

الإدمان كمنتج مقصود:

من أبرز تلاميذ فوغ أيضًا نير إيال، مؤلف كتاب "Hooked" الأكثر مبيعًا عالميًا، والذي يقدّم فيه "وصفة" صريحة لبناء منتجات تخلق عادات لدى المستخدمين. يُعبّر إيال عن هذا الهدف بصراحة لافتة حين يصف عمل المصممين التقنيين بأنه إقناع بالأساس، وأن هؤلاء يأملون أن يصبح "مستخدمو" منتجاتهم مدمنين عليها بلا رجعة، تمامًا كما يُدمن متعاطو المخدرات.

وبينما يرفض كثير من الباحثين فكرة وجود إدمان رقمي مطابق تمامًا للإدمان على المواد، فإن الواقع يشهد بأن الشاشات أصبحت حاضرة في كل تفاصيل حياتنا اليومية، وغيّرت علاقتنا بالزمن والمكان والآخرين دون أن ندرك ذلك دائما. فتح الهاتف أصبح ردّ فعل شبه قهري عند أي لحظة فراغ، بينما يتطلب الابتعاد عنه مجهودًا حقيقيًا.

الانتباه.. رأس المال الجديد

لماذا تحتاج هذه الشركات إلى انتباهنا بهذا الإلحاح؟ لأن نموذجها الاقتصادي يقوم على بيع هذا الانتباه للمعلنين. فكلما طال بقاؤنا على المنصة، زادت فرص عرض الإعلانات علينا، وزادت دقة استهدافها بفضل جمع البيانات وتحليلها بالخوارزميات. وقد وصف الفيلسوف إيف سيتون الانتباه بأنه أصبح "شكلًا جديدًا من رأس المال"، له اقتصاد كامل من الإنتاج والتراكم والتنافس والاستغلال.

 

ويعود سيتون بجذور "اقتصاد الانتباه" إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين تساءل أرباب الصناعة كيف يحافظون على انتباه العمال المنشغلين بمهام رتيبة، قبل أن ينتقل التساؤل لاحقًا إلى كيفية جذب انتباه المستهلكين وسط وفرة السلع.

ومع تعاقب الصحافة والراديو والسينما والتلفزيون ثم الإنترنت، تضاعفت قنوات التنافس على انتباه الناس، لكن هذا الانتباه ظل موردًا محدودًا لا يكفي للجميع. وكما قال الحائز على نوبل هربرت سايمون في محاضرة عام 1971، فإن وفرة المعلومات تخلق بالضرورة ندرة في شيء آخر: انتباه من يستهلكها.

مع دخول الويب في التسعينيات، وجدت شركات التكنولوجيا الكبرى (المعروفة اختصارًا بـ"غافام": غوغل وأبل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت) طريقة غير مسبوقة لجمع البيانات ووضعها في خدمة المعلنين. ونحن نستخدم تيك توك أو غوغل مجانًا، لكن كلما طال بقاؤنا عليها، زاد ما تبيعه من إعلانات وزاد ربحها. وكما يقول المثل الإنجليزي الذي بات مبتذلاً: "إن كانت الخدمة مجانية، فأنت السلعة".

ثمن التشتت الدائم:

قد يبدو النظام مقبولًا للوهلة الأولى، فهو يوفر لنا تواصلًا وترفيهًا سلسين بلا مقابل مادي. لكن الثمن الحقيقي باهظ. فبالإضافة إلى شعور مزعج بأننا صرنا أشبه بفئران تجارب تُدرس نقاط ضعفها، فإن للمنصات الرقمية قدرة كبيرة على الاغتراب، إذ تؤثر بشكل ملموس في سلوكنا وآرائنا. وكما أظهرت فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" عام 2018 كيف يمكن استغلال الشبكات الاجتماعية للتأثير في النوايا الانتخابية، فإن حالة التشتت الدائم التي تفرضها علينا هذه المنصات تميل إلى زيادة نفاد صبرنا وتعصّبنا تجاه المختلف، في الوقت الذي تُضعف فيه قدرتنا على التركيز.

ويشير الفيلسوف والناقد الفني جوناثان كراري، في كتابه "الرأسمالية في مواجهة النوم" (2013)، إلى أن هذا النظام يجعلنا عاجزين عن الاستغراق في أحلام اليقظة أو ممارسة نوع من التأمل الذاتي الشارد الذي كان يظهر تلقائيًا في لحظات الفراغ والوقت البطيء. فحتى أوقات الفراغ، التي كانت يومًا مساحة للراحة الذهنية، أصبحت اليوم مجالًا آخر تستثمره الشركات وتستغله لصالحها.

السؤال عن "من يحكم عقولنا" له إذن إجابة واضحة إلى حد كبير: المنصات الرقمية الكبرى التي تُثقل انتباهنا بلا هوادة، عبر علم متخصص يستند إلى علم النفس والمعلوماتية وعلوم الأعصاب. يبقى السؤال الأصعب: كيف نستعيد جزءًا من هذا الانتباه المسروق

 

 

 

كيف يصبح المرء مؤمنًا بنظريات المؤامرة؟

بقلم: باسكال لارديلييه — أستاذ في علوم الاتصال بجامعة بورغونيا أوروب (إعادة صياغة وتنظيم لمقال منشور في مجلة Sciences Humaines، عدد سبتمبر 2026)

مقدمة: فرضية جديدة

ماذا لو لم يكن الانخراط في التفكير التآمري نتيجة جهل أو غباء، بل استجابة لحاجة إنسانية عميقة للانتماء الاجتماعي؟ هذه الفرضية، إن صحّت، تفسّر لماذا تبقى أدوات مكافحة التضليل، مثل التحقق من الحقائق (fact-checking)، محدودة الفعالية إلى حد كبير.

1. ظاهرة قديمة قِدَم الإنسان

التفكير التآمري ليس اختراعًا حديثًا. فمنذ العصور القديمة وحتى اليوم، رافقت التفسيرات التآمرية كل موت غامض أو حدث تاريخي مثير للشك. الذروة التاريخية لهذا النوع من الخطاب تتمثل في وثيقة "بروتوكولات حكماء صهيون" الشهيرة (انظر الإطار أدناه)، إضافة إلى أحداث لاحقة مثل اغتيال جون كينيدي، ووفاة مارلين مونرو، والموت المفاجئ للبابا يوحنا بولس الأول.

تعريف: ما هو "الكومبلو" (نظرية المؤامرة)؟

هو خطاب شامل يقدَّم كبديل عن رواية حدث ما (11 سبتمبر، الثورة الفرنسية، جائحة كوفيد...)، يزعم كشف ما هو مخفي ومُتَعَمَّد إخفاؤه من قبل جماعات مصالح تعمل سرًا ضد الأغلبية. إنها "حقيقة بديلة" تقلب الرواية "الرسمية" وتتهم من ينشرونها بالكذب والتلاعب.

درجات التفكير التآمري

يميّز الكاتب بين فئتين:

  • المهووسون: يرون المؤامرات في كل مكان، ولا يملكون سوى هذا الإطار لقراءة الواقع، مدفوعين بضغينة أو كراهية سابقة.
  • الباحثون عن الروابط: يسعون بصدق ومشروعية للفهم، يقرؤون كثيرًا ويطرحون الأسئلة دون أن يصرخوا بالمؤامرة بالضرورة. الشك ليس بالضرورة تفكيرًا تآمريًا.

2. كيف تتشكّل القناعة التآمرية؟ عملية على مرحلتين

لا يصبح المرء تآمريًا بتحوّل مفاجئ، بل عبر مسار تدريجي:

1.   مرحلة أولى: تعرّض متكرر لروايات بديلة، ينمّي شكًا أوليًا تجاه المؤسسات ووسائل الإعلام.

2.   مرحلة ثانية: اندماج في مجتمعات (غالبًا رقمية) تعزز هذه التفسيرات وتؤكدها.

هذه الحاجة إلى "إعطاء معنى" لأحداث معقدة هي المحرك الأساسي. لذلك فإن فهم الظاهرة يستلزم اعتبارها نتاج أزمة ثقة وشرعية جماعية، لا مجرد سذاجة فردية.

 

3. البُعد اللعبي والمسرحي المهمَل

يشدد الكاتب على جانب غالبًا ما يُغفَل: الطابع الترفيهي واللعبي للتفكير التآمري. كثيرون يتداولون نظريات "لا تصمد" دون أن يؤمنوا بها فعليًا؛ بل يستمتعون بتخيل سيناريوهات بديلة وسرد قصص. وهذا يفسّر كيف يمكن لأشخاص عقلانيين تمامًا في حياتهم اليومية أن يشاركوا أفكارًا غير منطقية على الإطلاق.

هذا ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا "اللعب العميق" (deep play): حالة يؤمن فيها المرء بالشيء دون أن يؤمن به فعلًا. الجميع "يعرف جيدًا" أن القصة غير صحيحة، لكن...

4. الدوافع النفسية والاجتماعية

الانتماء إلى "نخبة المستيقظين"

تبنّي نظرية مؤامرة ومشاركتها يمنح شعورًا بالانضمام إلى جماعة "المطّلعين" أو "المستنيرين". السرّ نفسه رابط جماعي قوي، وفي مجتمع تسارعت فيه الشهرة التنافسية عبر الشبكات الاجتماعية، يمنح التفكير التآمري شكلًا من أشكال إثبات الذات.

الإيمان الجماعي لا الفردي

لا أحد يؤمن بالمؤامرة وحده؛ الإيمان بها يتم "مع الجماعة". وهذا ما يجعل مواجهته صعبة للغاية: التشكيك في المؤامرة يعني التشكيك في الانتماء ذاته إلى الجماعة، بل ومحاولة دحضها قد تعزز الاعتقاد بها، لأنها تعيد إحياء مصطلحاتها وحججها.

كبش الفداء والبارانويا

كثير من "المتآمرين المحترفين" يُظهرون سمات بارانويا، وشعورًا بالغبن والإذلال أمام "من يملكون السلطة". هذا الميكانيزم القديم — تحديد جماعة (اليهود، النخب، الماسونية...) كمسؤولة عن كل الشرور — يستحضر مفهوم "كبش الفداء" الذي درسه رينيه جيرار، وهو آلية ساهمت تاريخيًا في مذابح ومجازر عديدة.

لكن الكاتب يحذّر: هذا "الوصف النفسي" لا ينطبق على جميع المتآمرين، فكثيرون منهم أناس عاديون تائهون في عالم لم يعودوا يفهمونه، مثقلون بمعلومات وتفسيرات متضاربة.

نشوة الكلام الممنوع

يوفر التفكير التآمري متعة كسر المحرمات، ومتعة "قول ما يفكر به الجميع سرًا بصوت عالٍ". إنها نشوة الكلام الممنوع التي تمنح صاحبها "إحساسًا بالحرية"، بصرف النظر عن صحة هذا الكلام أو خطورته. يقارن الكاتب هذا بشكل من أشكال "القلب الكرنفالي" و"تعليق مؤقت للتصديق".

5. غرفة الصدى الرقمية

تجد نظريات المؤامرة اليوم مساحة نمو غير مسبوقة عبر الشبكات الاجتماعية، التي تشكّل "غرفة صدى" لأفكار غالبًا هزلية المنطق. مع هذه الشبكات، برز مصطلحا "ما بعد الحقيقة" و"الأخبار الزائفة". كما أن العلم نفسه، المتاح "بحرية" على يوتيوب والمنتديات، يُستخدم من قبل المتآمرين لإضفاء طابع "علمي" على أي تفسير، كما يظهر في الفيلم الوثائقي الشهير Loose Change (2005) الذي قدّم قراءة "بديلة" لأحداث 11 سبتمبر بأسلوب يبدو تقنيًا وعلميًا للغاية.

6. لا إرادوية معقلنة بإفراط

التفكير التآمري ليس مجرد لا عقلانية معرفية بسيطة، ولا ظاهرة يمكن ردّها فقط إلى "الشبكات الاجتماعية" أو "ما بعد الحقيقة". إنه متجذر في أزمة أعمق للسلطة العلمية والسياسية، مرتبطة بتحولات بنيوية في الرأسمالية ووسائل الإعلام وطرق تداول المعلومة.

هذا الخطاب يتغذى من وقائع حقيقية — تركّز السلطة، أكاذيب مثبتة، فضائح موثقة — يُبالِغ في تأويلها ويعيد تفسيرها وفق شبكة قراءة بارانويائية. المؤامرة دومًا مزيج من الصحيح والخاطئ، من المشروع والمهذوس، وهذا ما يجعلها صعبة المواجهة.

7. مفارقة مكافحة التآمر

يخلص الكاتب إلى نقطة لافتة: الطريقة التي تُنظَّم بها مكافحة التآمر في السنوات الأخيرة تشارك في الديناميكية ذاتها التي تدّعي محاربتها. فرسم خط فاصل حاد بين "الحقيقة" و"الكذب"، بين "العقل" و"اللاعقل"، بين "الشرعية" و"اللاشرعية" — وغالبًا بانحياز سياسي واضح — يُنتج شروط رفضها بنفسه.

الثقة لا تُفرَض بقرار، بل تُبنى بالشفافية والاعتراف بالأخطاء السابقة، وتفترض أخذ قلق من "يُراد تنويرهم" على محمل الجد دون الموافقة عليه بالضرورة.

8. خلاصة: عرَض لا مرض

يقترح الكاتب إعادة النظر في مسألة التفكير التآمري: لا كمشكلة "تضليل إعلامي" يمكن استئصالها بحملات التحقق من الحقائق، بل كعرض لتحوّلات أعمق تستدعي استجابة مواطنية بقدر ما هي فكرية.

التفكير التآمري هو أيضًا الثمن الجماعي الذي ندفعه مقابل أكاذيبنا الماضية، وشفافيتنا الناقصة في الحاضر، وعجزنا عن خلق فضاء نقاش لا تُختزل فيه الانتقادات المشروعة فورًا بوصفها هذيانًا. وما لم نستوعب ذلك، سنستمر في تغذية الوحش الذي نزعم أننا نحاربه.

 



[1] ) جوناثان سمولوود وجوناثان شولر، "العقل القلق"، Psychological Bulletin، المجلد 132، العدد 6، 2006. (2) ماثيو أ. كيلينغزوورث ودانيال ت. غيلبرت، "العقل الشارد عقل تعيس"، Science، المجلد 330، العدد 12،

[2] . إيمي ف. ت. أرنستن، "مسارات إشارات التوتر التي تُضعف بنية ووظيفة القشرة الجبهية الأمامية"، Nature Reviews Neuroscience، المجلد 10، العدد 6، 2009.

[3] هاندي موسولولو، "تقييم اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD): مراجعة للطرق والقضايا الحالية"، Frontiers in Psychology، المجلد 16، 2025.

 

تعليقات