الذكاء الاصطناعي والتعليم: الطموحات، الحدود، والرهانات الديمقراطية
يُشكّل
الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أكثر الموضوعات تداولاً وإلحاحاً، لا سيما في ظل
التطور المتسارع الذي يشهده هذا المجال. فقبل ثلاثة أو أربعة أعوام، لم يكن هذا
الموضوع حاضراً بالقدر الكافي على أجندة النقاش العام، غير أن ظهور تشات جي بي تي
قبل نحو ثلاث سنوات ونصف، يليه اليوم ما يزيد على عشرين أداةً للذكاء الاصطناعي
التوليدي، أحدث تحولاً جذرياً في المشهد. حيث
تتجلى آثار هذه الثورة بوضوح في الميدان التربوي، والتعليمي، كل البرامج
والامتحانات متاحة على منصات الذكاء الاصطناعي، لم يعد معنى لانجاز الواجبات
المنزلية، كل شيء تغير لكن المدرسة لم ترغب في التغيير إلى حدود الساعة. و تجدر
الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس وليد اليوم؛ فقد شهد العالم أولى تجلياته منذ
أواخر القرن العشرين ، أما ما يُميّز
الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم هو قدرته على توليد النصوص والصور، وإتاحته
للعموم بشكل مجاني.
الذكاء
الاصطناعي التوليدي — آليات الاشتغال وحدود الطموح
يرتكز
كل نظام للذكاء الاصطناعي التوليدي على قاعدة بيانات ضخمة مبنية من المحتوى المتاح
على الإنترنت، وتشمل المصادر الأكاديمية والدوريات الصحفية والموسوعات الرقمية
والمواقع المتنوعة. كما أنها تتعامل هذه الأنظمة مع اللغة بوصفها عملية إحصائية في
جوهرها: فهي في كل مرة تحسب الكلمة الأكثر احتمالاً للورود في سياق معين. وبهذا
المنطق، حين تكتب اسم "إيمانويل"، يقترح النظام تلقائياً
"ماكرون" لأنه يهيمن إحصائياً في قاعدة البيانات. ويمكن ملاحظة هذا
المنطق ذاته في ميزة الاقتراح التلقائي للكلمات على الهواتف الذكية.
لكن
تشغيل هذه الأنظمة يستلزم مراكز بيانات ضخمة تستهلك قدراً هائلاً من الطاقة
الكهربائية والمياه اللازمة للتبريد، وفي بعض المناطق التي تعاني شحّاً مائياً،
تذهب مياه التبريد لحساب هذه المنشآت على حساب الزراعة واحتياجات السكان الأساسية.
ثانياً:
الذكاء الاصطناعي في سياقه التاريخي — استمرارية لا قطيعة مطلقة
وصف الفيلسوف
برنار ستيغلر ما يجري اليوم بـأنه "أَسْطَرة الذاكرة"، أي
تفريغ الذاكرة إلى وسائط خارجية. وهو مسار بدأ في فجر التاريخ البشري: من الكتابة
الجدارية، إلى القوائم، إلى المخطوطات، فالمكتبات، فالسينما، وصولاً إلى الإنترنت،
محررين بذلك طاقتهم الذهنية لمهام أرفع. والذكاء الاصطناعي، في هذا المنظور،
ليس سوى محطة جديدة في مسار عريق.
والمثير
للدهشة أن هذه الإشكاليات ليست وليدة اليوم. ففي محاورة "فيدروس"
لأفلاطون (القرن الرابع قبل الميلاد)، يحكي النص حواراً بين طوث — المزعوم
اختراعه للكتابة — وتاموس الفرعون. يقول
طوث:
"ستُوفّر الكتابة للبشر مزيداً من الذاكرة
والمعرفة والعلم." فيرد عليه تاموس: "لكن
هذا الفن سيُولّد النسيان في النفس، لأن الناس سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم... وخطاب
الكتابة يبقى جامداً متكرراً، لا يعرف من يخاطب ومن لا يخاطب."
في هذه العبارة الأخيرة " جامداً متكرراً
لا يعرف من يخاطب" صدىً عميق للانتقادات الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي
اليوم.
.........................................................................
الجزء الثاني:
رهانات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم
طموح
التعلم التكيّفي.
تسليم
طفل في السابعة من عمره جهازاً لوحياً دون أي توجيهات، ومنحه حرية استخدامه كيفما
شاء طوال شهر كامل، ثم تحليل البيانات المجمّعة بواسطة الذكاء الاصطناعي لبناء ملف
معرفي ونفسي شامل. وتشمل المعطيات المستخلصة: اليد المهيمنة،
وألوان التفاعل المفضلة، وطبيعة التعامل مع الحروف والأرقام، ومستوى فهم
التعليمات، ومواطن الصعوبة، ومحفزات الدافعية، وعوامل الإحباط. ثم يُدمج هذا
الملف مع المناهج الدراسية لإنتاج برنامج تعليمي شخصي بالكامل.
بمعنى
أصبح كل تلميذ يأخذ برنامجه التعليمي، بشكل خاص، يحترم خصوصيته وأبعاده الإنسانية
والجمالية.
و انطلاقاً
من هذا النموذج، يروّج المدافعون عن الذكاء الاصطناعي لفكرة جوهرية: الفصل
التام بين تحقيق المعرفة والتنشئة الاجتماعية. والحجة المقدَّمة هي أن المدرسة
التقليدية تُخفق في كليهما في آن معاً: تُخفق في التعليم لأن صفوفها المتنوعة لا
تُتيح التعليم الفردي الحقيقي، وتُخفق في التنشئة الاجتماعية لأن الشواغل
الأكاديمية تُشوّش التواصل الإنساني. أما المدارس العاملة وفق هذا النموذج فتعتمد
نهجاً مغايراً: الصباح للعمل الفردي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمساء
للرياضة والألعاب الجماعية.
خطاب
إلغاء المدرسة
يُجسّد
هذا المنطق تصريح ماركو ديبيربت في مؤتمر دولي بارز: "المدرسة
ماتت. لن تكون موجودة بحلول 2050، لأننا سنكون قادرين على تزويد كل طالب ببرنامج
يتكيف تماماً مع صعوباته ومشكلاته وموارده.
الانحيازيات
البنيوية للأنظمة التوليدية
مشكلة
التعلم والبحث داخل منظومة الذكاء الاصطناعي أنها متحيزة، من الناحية الإحصائية،
إلى ما هو سائدة من الزاوية التوليدية، حيث تُعيد إنتاج ما هو سائد إحصائياً لا ما
هو أدق أو أصوب، وتُقدّم في الغالب تعريفات تبدو ذات معنى لكنها تفتقر إلى العمق
المفاهيمي، وتكثر من عبارات التحفظ من قبيل "قد يُعزّز" و"يُمكن أن
يُسهم" تفادياً للالتزام، وقد تخلط بين مفاهيم كالجمع بين "القلق"
و"الاكتئاب" و"التوتر" في سلة واحدة. وكما يقول الفيلسوف
إيريك سادان، أحد أبرز المفكرين في هذا الشأن، لا يُنتج الذكاء الاصطناعي إلا "رواسب
ما قيل من قبل" — أي تركيبات متجددة من مواد سابقة، لا إبداع حقيقي.
الرهانات
الديمقراطية وبناء المجتمع
من
يتحكم في قاعدة البيانات؟
يُثير
الإطار الضخم للذكاء الاصطناعي التوليدي سؤالاً ديمقراطياً لا مفرّ منه: من
يُحدد المحتوى الذي تُبنى عليه قاعدة البيانات؟ فالنظام لا يقدم معرفة محايدة، بل يُعيد إنتاج
ما هو مهيمن في الفضاء الرقمي وفق أولويات من يملكون هذه الأنظمة. وقد كشفت
أحداث أخيرة — كاستقالة
نائبة مدير تشات جي بي تي إثر اكتشافها أن بيانات المنصة تُحوَّل تلقائياً إلى
وزارة الدفاع الأمريكية — عن أبعاد هذه المعادلة السياسية.
v
تحديات
بناء الوعي النقدي
يُشكّل
تطوير القدرة النقدية على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي رهاناً تربوياً مركزياً.
وقد باتت أنظمة مخصصة قادرة على التعرف على المحتوى الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي،
مما يعكس الحاجة الماسّة لتنمية مهارات تمييز مشابهة لدى المتعلمين. كما يُعيد النموذج التعليمي المدعوم
بالذكاء الاصطناعي طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التعلم ذاته: هل يُمكن اختزاله
في اكتساب المعلومات وحسب؟ أم أن ثمة أبعاداً لا تنفصل عن الصراع مع المعرفة،
والتفاوض مع الآخر، وتحمّل الغموض والتعقيد؟ وهي أبعاد تتشكّل تحديداً في الحضور
الجماعي الذي تُبيحه الفضاءات التعليمية المشتركة، ولا يُعوّضها برنامج مهما بلغت
درجة تخصيصه.
أولاً:
ادعاءات الذكاء الاصطناعي وحدودها
يُقدّم المدافعون عن الذكاء الاصطناعي ميزةَ التعلّم التكيفي، أي
القدرة على ضبط المحتوى وفق مستوى كل متعلم وإيقاعه الخاص. غير أن ما يُقدَّم
باعتباره تخصيصاً ليس في الحقيقة سوى انعكاس لما يعرفه المتعلم بالفعل، لا اكتشاف
لما قد يحبه أو يتعلمه مستقبلاً. الخوارزمية تُعيد إنتاج الموجود ولا تفتح نوافذ
على المجهول.
كما أنه يتجاوز حدود التخصصات، إذ يجمع في آنٍ واحد معرفة الجيولوجيا والكيمياء
والفيزياء والفلك. وهذا صحيح جزئياً، لكنه يُغفل أن هذا البينَ تخصصية مُقيَّد
بمحدودية القاعدة المعرفية التي يُغذّيه بها مُصمموه. كما تُشير الإحصاءات إلى أن
النساء لا يمثّلن سوى 22% من المشاركين في تصميم هذه الأنظمة، مما يُفضي إلى
تحيّزات منهجية في الإجابات الناتجة.
لكن
هناك جملة من حدود يلخصها الفيلسوف إيريك سادان،
حين يتكلم الإنسان أو يكتب، لا يعرف مسبقاً
الكلمة التالية التي ستنبثق. علاقتنا باللغة ليست احتمالية بل لاتحديّة، تنبع
من تشابك الإرادة والذاكرة والعاطفة والآخر. أما لغة الذكاء الاصطناعي فهي لغة
رياضية موحَّدة، نتاج ما يسميه سادان "رأسمالية لغوية". وهذا
ما عبّر عنه الشاعر رينيه شار بقوله: "الكلمات
التي ستنبثق تعرف منّا أشياءً نجهلها عنها.".
التحديات التي
يفرضها الذكاء الاصطناعي على التعليم
يُمثّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لأساليب التقييم التقليدية،
إذ يُتقن إنتاج النصوص الأكاديمية المنمّقة. لكن ربما يكون هذا فرصةً لإعادة
التفكير في نماذج التقييم: تعزيز الشفهي على الكتابي، والانتقال من معيار
المطابقة إلى معيار الأصالة والإبداع. فالذكاء الاصطناعي يُتقن المطابقة تماماً،
فلتبحث المدرسة عن شيء آخر. حيث يُتقن الذكاء الاصطناعي تقديم الإجابات، لكن مهمة
التعليم الحقيقي هي إثارة الأسئلة وتغذية الرغبة في التعلم، لا إشباعها بصورة
آنية. والفرق شاسع بين تعليم يسدّ فضول المتعلم وتعليم يُوقد فيه الرغبة في البحث
المستقل.
ثالثاً: المعلم
لا يُعوَّض
يتوهم
القائلون بإمكانية استبدال المعلم بالآلة حين يظنون أن وظيفته تقتصر على نقل
المعرفة. غير أن المعلم ينقل قبل كل شيء علاقةً بالمعرفة: فضوله،
حماسه، جهده الشخصي في الشرح، وتلك "النشوة المعرفية" التي تُعدي
المتعلم. ويقول فيلسوف التعليم جورج غوسدورف إن المعلم "لا يُعيد
ترديد حقيقة جاهزة، بل يفتح أفقاً نحو الحقيقة." وقد أشار بول ريكور إلى
هذا البُعد حين تحدث عن "الاتحاد الجسدي بين المعنى والصوت" في
فعل التعليم، ذلك الاتحاد الذي تعجز الآلة عن محاكاته.
الذكاء
الاصطناعي والتعليم الديمقراطي: نحو استخدام مدروس وأخلاقي
بناء
مشروع جماعي في مواجهة الفردانية
ثمة
بُعد جوهري كثيراً ما يُغفَل في النقاشات التربوية المعاصرة: أهمية البناء الجماعي
الذي يسمو فوق المطالب الفردية الصغيرة. فعلى الرغم من أن هذا البُعد قد يبدو
هامشياً للوهلة الأولى، إلا أنه في الحقيقة أمر جوهري وأساسي، لا سيما في زمن
تهددنا فيه الفردانية المنهجية. ومن
هذا المنطلق، يغدو الجمع بين حق الاختلاف وحق التشابه ركيزةً تربوية لا غنى
عنها. فطلابنا متباينون في طبيعتهم، لكنهم متشابهون في الوقت ذاته، ويحتاجون
إلى اكتشاف أنهم يحملون في آنٍ واحد هذين البُعدَين معاً.
ثانياً:
حدود الذكاء الاصطناعي أمام العقل البشري
الذكاء
الاصطناعي: آلة التنبؤ لا الابتكار
يستحضر
الفيلسوف الكبير دافيد هاندلر في كتابه "الذكاء
الاصطناعي والذكاء البشري: لغزان
مزدوجان" فكرةً محورية مفادها أن لا ذكاء اصطناعي يمكنه
ادعاء امتلاك الكلمة الفصل في النقاشات بين البشر. ذلك أن السلوك البشري لا يُقاس
بمعايير موضوعية مطلقة، بل هو رهين بغايات معينة وإطار زمني محدد. فتحقيق الانتصار
في الشطرنج قد يكون مناسباً على المدى القصير، لكنه قد لا يكون كذلك على المدى
البعيد إن كان الخصم لاعباً ضعيفاً أو حليفاً محتملاً.
وفي
السياق نفسه، يؤكد عالم السيبرنيتيك الأمريكي في مقالته الموسومة بـ*"الدماغ
ليس حاسوباً"* أن الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الجيل التوليدي منه، بات قادراً
على تحليل ملايين المعطيات في آنٍ واحد بما يفوق طاقة العقل البشري. غير أنه يظل
في جوهره آلةً للتنبؤ والتكهن، لا للابتكار. وهذا ما يميزه جذرياً عما يُنتجه
الإنسان حين يوظّف ذكاءه الخاص: لا يتنبأ، بل يخترع مستقبلاً لا يُستشف مسبقاً،
بل ينبثق من خياله وأمانيه وذكائه الجمعي.
أهمية
الحوار المُبرهَن
لعل
أكبر الرهانات التي تفرضها علينا ثورة الذكاء الاصطناعي هو صون فضاء الحوار
المُبرهَن وتنشيطه في كل مكان أمكن ذلك. والحوار المُبرهَن ليس ثرثرةً
عشوائية، ولا انفعالاً عاطفياً، بل هو نقاش هادئ حول موضوعات مشتركة، تسوده الحجة
العقلية والإصغاء الحقيقي للآخر، والانفتاح على إمكانية أن يُغيّر المرء رأيه.
نحو استخدام
مدروس وأخلاقي للذكاء الاصطناعي
يتشكّل
المشروع التربوي الديمقراطي في مواجهة أزمات العصر حول ثلاثة توجهات:
أولها: الدفاع
عن استخدام مدروس وأخلاقي للذكاء الاصطناعي. والكلمتان معاً
لا تنفصلان: "مدروس" تعني أن لا يكون الاستخدام اعتباطياً أو
منهجياً، بل حذراً وموجهاً نحو فهم الظاهرة وإدراك حدودها. أما "أخلاقي"
فيعني الحرص على اختيار أدوات ذكاء اصطناعي مسؤولة. فكما ينبغي الابتعاد عن منصات
كـ"غوغل" أو "واتساب" أو "تيك توك"، كذلك ينبغي
تجنّب استخدام "شات جي بي تي"، والتوجه بدلاً منه نحو بدائل مثل
"ميسترال" أو "Blueai"، وهي أدوات تسعى إلى معايير أخلاقية أرقى في
بناء قواعد بياناتها وأنماط عملها وعدالة توزيع عائداتها.
وثانيها: عدم
تجاهل الذكاء الاصطناعي وإنكاره، إذ لا يبدو ذلك ممكناً في المشهد الراهن. بل
الأجدى العمل معه داخل الفصل الدراسي بوعي نقدي، من أجل فهم آليات اشتغاله وكشف
حدوده.
وثالثها: مساعدة
المتعلمين على اكتشاف ما لا يقدر عليه الذكاء الاصطناعي، وما لا يملكه إلا
الإنسان. إذ تقتضي مقاومة "آلة العالم" إدراك ما هو ثمين وفريد في
الإنسانية.
الإنسان هشٌّ بطبيعته، وهذا الهشاشة ذاتها هي ما يجعله يدخل في علاقة
مع الآخر. يحتاج
إلى القلق، إلى الشك، إلى كل ما يحرّكه ويدفعه إلى الأمام. أما الآلة فلا هشاشة
لها سوى الأعطال التقنية العارضة.
الرهانات
الحضارية للذكاء الاصطناعي
درس
التاريخ: الآلنة والبربرية
تُعلمنا
المآسي الكبرى للقرن العشرين أن البربرية هي آلة العالم. وقد
أكد الفيلسوف أدورنو في محاضرته الشهيرة "التربية
ضد بارباروسا" أن ما جرى في معسكرات الموت كان في جوهره آلًة للإنسان،
حين توقف الفرد عن التفكير وسلّم إرادته لسلطة خارجية.
لهذا رأى أدورنو أن التربية ينبغي أن تُعلّم
الأطفال رفض كل انخراط مفروض تمليه سلطات خارجية، أياً كان طابعها بشرياً أو
تقنياً. وعليها أن تمكّن الأطفال من مقاومة كل أشكال الهيمنة التي تستعبد العقل
وتُرغم الأفراد على اللعب بقواعد السلطة. وأن
تمنحهم القدرة على الشك، وقول لا، ورفض الانصياع لأحكام تتخفى وراء قناع البداهة. فالقوة
الحقيقية الوحيدة هي في القدرة على التأمل، وتحديد الذات، وعدم الانجرار في لعبة
الآخرين.
العمل اليدوي
كمضاد للآلة
العمل
اليدوي واستعادة الانتباه
يُجمع
خبراء التربية اليوم على أن أفضل علاج لظاهرة سرقة الانتباه الرقمي، هو العمل
اليدوي في شتى أشكاله: الطبخ، النجارة، الفخار، الميكانيك، الزراعة. فحين
ينخرط المرء في حرفة يدوية تستأثر بانتباهه الكلي، يحدث ما يشبه العكس تماماً:
بدلاً من أن تسرق الآلة انتباهك، تصبح أنت من يوجّه انتباهه بمحض إرادته.
وقد
وثّق هذه الفكرة الباحث الأمريكي ماثيو كروفورد، أستاذ الفلسفة ومصلح
الدراجات النارية، في كتابه "مديح المحرك"،
مبيّناً كيف أن العمل اليدوي مع الأطفال بات أمراً جوهرياً لأنه إعادة تواصل مع
الواقع الملموس الصعب المعقد الذي يستلزم المثابرة والابتكار. وقد طور هذه الأفكار
في كتابٍ لاحق تناول فيه العمل اليدوي بأشكاله كافة، وكذلك ممارسة الموسيقى والرقص
والفنون الجسدية، بوصفها وسائل لاستعادة السيطرة على الانتباه.
إشكاليات
المنظومة التربوية
المدرسة
في أزمة
يعاني
النظام المدرسي اليوم من إرهاق واضح وخيبات متراكمة، يعيشها كثير من المعلمين في
صمت مؤلم. ولا يزال هذا النظام ينتظر أهدافاً واضحة، ودماءً جديدة، وأملاً
حقيقياً، مما أخفقت السياسات التربوية في إمداده به خلال السنوات الأخيرة. وهذا
يستدعي استثماراً حقيقياً في التكوين الأساسي والمستمر للمعلمين، يكون في مستوى
رهانات العصر.
العلاقة
بالأولياء: من المواطنة إلى الزبونية
تحوّلت
العلاقة بين الأسرة والمؤسسة التربوية تحولاً جذرياً. فإن كانت الأجيال السابقة
تضع أبناءها في يد المعلم بكامل الثقة والاحترام، فإن كثيراً من الأولياء اليوم
يتعاملون مع المدرسة كما يتعاملون مع مزود خدمات. لقد انتقلنا من الوليّ
المواطن إلى الوليّ الزبون، والزبون يتصرف بمنطق الزبون. ولعل
التحدي الأكبر اليوم هو بناء تحالف فعلي مع الأولياء بوصفهم مواطنين، لا الدخول
معهم في صراع بمنطق السوق. وإلا فإن الخطر الحقيقي هو الانجرار نحو
"أمركة" المنظومة التعليمية وتفتيتها إلى مؤسسات خاصة تُرضي الأذواق
الفردية.
الحوكمة
الرقمية وحماية البيانات
لفهم
مخاطر الفضاء الرقمي، لا بد من كشف نموذجه الاقتصادي أمام الطلاب، فمنصات كـ"تيك توك" أو
"يوتيوب" ليست مجانية بحق: المستخدم هو البضاعة، لأن بيانات المستخدمين تُباع لمن يدفع أكثر بهدف
استهدافهم بالإعلانات وإدارة خوارزميات تأسر انتباههم.
وكل من
يملك حساباً على "جيمايل" ينبغي أن يعلم أن كل ما يكتبه يُضخ في
محركات الذكاء الاصطناعي. فـ"غوغل" يبيع هذه البيانات كلها، بينما يسطو
على محتوى "نيويورك تايمز" والجامعات دون مقابل، وهو ما أشعل موجةً من
الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة.
نحو
تشريع رقمي صارم
تضمنت
التوجيهات الأوروبية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ثلاثة مراحل تدريجية، دخلت أولاها
حيز التطبيق مطلع عام 2025 وهي الأضعف، ودخلت الثانية في يوليو 2026، فيما لا تزال
الثالثة الأكثر إلزاماً غامضة الأفق. ومع ذلك، تبقى هذه التوجيهات قاصرة عن تحقيق
ما يُعدّ جوهرياً:
إلزام كل محتوى يُنتجه الذكاء الاصطناعي بالإشارة الصريحة إلى ذلك. فكما
يُعاقَب مزوّرو العملة قانوناً، ينبغي أن يُعاقَب من يُروّج محتوىً آلياً دون
إفصاح.
خلاصة:
التربية كفعل مقاومة
ختاما يمكن القول أننا لا
يمكن اختزال معنى التربية في تلقين المعارف وضخ المعلومات، بل إنها في جوهرها فعل
مقاومة: مقاومة للتزييف للفشل والظلم ، مقاومة للامبالاة، مقاومة للاستسلام لسلطة
تكنولوجية لا تعرف القيم ولا تُفرّق بين العدالة والنظام. لهذا فالمطلوب اليوم بيداغوجيا تكون في آنٍ
واحد:
نشطة تُشرك المتعلم فعلياً في بناء المعرفة، واعية
تكشف للطالب آليات هيمنة التكنولوجيا عليه، ومحررة تُعيد إليه السيادة على
انتباهه وعقله وإرادته.
يبقى
السؤال الكبير: هل ستكون المؤسسة التعليمية على قدر هذا التحدي؟
