تمهيد:
في تحديد المعنى المقصود بـ«النقد»
قبل الخوض في الموضوع، لا بد من التنبيه إلى نقطة معرفية أو
إبستمولوجية مهمة، وهي أن «النقد» المقصود هنا ليس ذلك النقد بمعناه المنهجي أو
العلمي المعروف، بل هو استعمال هذه الكلمة بمعناها الشائع في العامية، حين
يقال إن فلانًا «ينقد» على فلان، أي يهاجمه من غير اندفاع أو انفعال
بالضرورة. فالمقصود إذن هو ذلك الأثر الذي يتركه فينا قول الآخرين عنا، لا مبحث
النقد بوصفه علمًا أو منهجًا.
يمر كل
إنسان في حياته بمواقف متعددة، ويصنّف كل موقف تحت شعور معين. ومع تكرار
الموقف نفسه، أو ما يشبهه، كالرفض مثلًا، يتثبت هذا الشعور ويُحفر في الذهن حتى
يصير ملازمًا لهذا الموقف ولكل ما يشبهه من مواقف مستقبلية، مهما كان الموقف
اللاحق ضئيلًا أو تافهًا في ذاته.
فقد يُرفض الإنسان مرة من رجل، ومرة من امرأة،
ومرة من أحد أفراد أسرته، ومرة في وظيفة، ومرة في صداقة. ولكل موقف من هذه المواقف
جزئياته وسياقاته وسردياته الخاصة والمختلفة، غير أن التصنيف العام الذي
يجمعها، وهو «الرفض» هنا، يبقى ثابتًا لا يتغير، فيثبت الشعور المرتبط به
ويلازم كل موقف مشابه، ولو كان طبيعيًا لا يستدعي في الأصل هذا القدر من الانفعال.
وبمجرد
أن يتوافق الموقف الجديد مع الموقف السابق في جزء يسير من عناصره، يُستحضر الشعور
مباشرة،[1]
ثم يبدأ الذهن بنوع من التحليل يمنح هذا الشعور مزيدًا من الاهتمام، فيستحضر معه
جزءًا آخر من عناصر التشابه، وهكذا يتضخم الشعور، وهذا ما يفسر ذلك القفز
السريع من المقدمات إلى النتائج، إذ يتجاوز الذهن الجزئيات المختلفة ويقدم حكم
قيمة متحيز، مرتبط بالذكريات المترسخ لديه بسبب الرفض.
لهذا
فإنه حين يُستحضر الشعور، فإنه لا يأتي وحده، بل يجرّ معه كل ما ارتبط به
سابقًا من مواقف وكلام وسياقات وأشخاص. وهذا الازدحام من الذكريات المتراكمة هو
ما يجعل اللحظة ثقيلة على النفس عند وقوعها، وليس ذات الموقف الراهن أو الشخص
الذي صدر عنه هذا الموقف، وقد يكون هذا الشخص تافهًا أصلًا في نظر صاحب الشعور
نفسه.
فالموقف والشخص الفاعل فيه ليسا سوى أداتين لتمثيل فكرة ذهنية مستقرة وقارّة في الذهن. ووجود هذا الشعور بهذه الحدة علامة على ضرورة تغيير تلك الفكرة المستقرة التي صار وجودها مكلفًا، أي إنه تنبيه إلى أن ثمة أفكارًا لم تُعطَ حقها من التفكيك والتأمل والتفكر، حتى تتجاوزها النفس بفكرة أرقى وأشمل منها.
إذن تغيير الأفكار تجاه أنفسنا وما سيقوله الناس عنها، يعتبر مسألة أساسية من أجل تحصيل ما نصبوا إليه، من أفكار ومشاعر وحالات نفسية عاطفية، لهذا فإن تراكم الإحساس باللامبالاة والاحساس بأنك معزول وحدك، يجعل الذات بسرعة تبحث عن الية لتعزيز تلك الفكرة بسرعة وبدون مقدمات وبدون معطيات.
الشعور
كجرس إنذار: من الألم إلى المعاناة:
يمكن
أن يُقال إن ما يؤلمنا حقًا هو قول غيرنا فينا. وهذا
الألم، شأنه شأن كل جرس تنبيه، له مساران لا ثالث لهما: إما أن يتحول إلى مسار
خارجي، بحيث يُصرَّف الشعور خارج الذات؛ وإما أن يتحول إلى الداخل، فيصبح
حينئذ معاناة بالمعنى الدقيق للكلمة، أي «عناءً» متجددًا. وحين يتحول
الألم إلى معاناة داخلية، يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه «العنوان» يصبح جزء من
شخصيتك ونظرتك للعالم، فيصبح التشاؤم
أو التهويل أو القلق سمة راسخة في شخصيتك، حتى لو كان الإنسان يعيش في بحبوحة من
النعم، لكن عقلك لا يدرك هذه النعم، لأنه رسخ قناعات لا شعورية، وتشوهات إدراكية
تجاه الذات وتجاه المحيط الذي نعيش فيه.
التهويل:
تشويه إدراكي وأداة للسيطرة
من
أبرز التشوهات الإدراكية التي يقع فيها كثير من الناس التهويلُ، وهو المبالغة في
الكلام حتى يقتنع المتلقي بما يريده القائل لنفسه لا لصالح المتلقي، وهذا ضرب
من التسلط باستخدام اللغة. فإذا حُلّل هذا الكلام وفُكّك، ظهر أنه أبعد ما
يكون عن الحقيقة النافعة لسامعه.
وهذا
ما يهيئ الشخصية لكي تصبح في حالة تأهب كل ما تسمعه يثير استفزازها، حيث يفهم
من كلام الآخرين ما يثير فيه الشعور السيء ذاته الذي سبق وصف كيفية تكوّنه. والخطير
هو عندما يتحول هذا النمط من التفكير إلى أسلوب حياة وطريقة في التفكير لا نستطيع
الفكاك منها، حيث يصبح أسلوب حياة يعكس هوية الشخص و لا يستطيع التفاعل مع غيره إلا من خلاله.[2]
حين
يصير الشعور هوية: التنميط والإدمان على الإثارة
من
أخطر ما يترتب على هذا النمط أن يصبح الذهن غير قادر على التفاعل مع الآخر إلا بما
يغذي هذا النمط بعينه، تمامًا كصاحب نمط العدوان الذي يحوّل كل كلام يُقال له إلى
سبب جديد للعدوان، لا لأن الأمر يتعلق بمن يخاطبه، بل لأن غاية هذا النمط أن يغذي
نفسه باستمرار، وهذا ما يفسر كثيرًا من السلوك على منصات التواصل الاجتماعي، إذ
يبحث صاحبه عمّن يتفاعل معه بما يمنحه هذا الشعور المضخّم، سعيًا وراء ما يمكن
تسميته «الدوبامين الرخيص».
وما
يعزز هذا الواقع أن الشركات الرقمية تستثمر في واقعنا وأفكارنا وأفق انتظارانا،
خصوصا الجانب الذهني المرتبط بالخوف والقلق والغضب لأنها أكثر المشاعر المستفزة
عاطفيا، وتجلب الكثير من التفاعل وردود الأفعال، فيتحول هذا التركيز إلى تصور شامل
للعالم، ويصبح الشعور المرتبط بحادثة بعينها ملتقطًا لكل ما لا صلة له بها في
الأصل، حتى يصعب الانفكاك عنه إلا بجهد إدراكي كبير، شبيه بتفكيك جبل من الأحجار
المتراكمة حجرًا حجرًا. وهذا بالضبط ما يقوم به المعالج النفسي حين يحاول
تفكيك هذه الارتباطات المتشابكة.
تدريب
على تفكيك الأفكار: من وحي الأدب
إذا كانت المشكلة، كما تقدّم، ليست في ذات الموقف ولا في ذات الشخص،
بل في هذا الازدحام غير المفكَّك من الأفكار المرتبطة بالشعور، فإن العلاج يكون
بتفكيك هذه الأفكار وتحليلها، تمامًا كما يُحلَّل نص روائي. ومن هنا تأتي فائدة
قراءة الروايات الأدبية والتدرب على تفكيك أفكارها، فذلك يكسب القارئ ملَكة نقدية
تفيده لاحقًا في مقاربة النص الأهم في حياته، وهو نص حياته وأحداثها. مثلا حينما يقرأ
الإنسان رواية كـ«الجريمة والعقاب» ، فإنه غالبًا ما يظل محايدًا تجاه
بطلها راسكولنيكوف، وإن تأثر به عاطفيًا في بعض المواضع، لأنه يمارس عليه،
دون قصد، عملية تفكيك وتحليل: لماذا فعل كذا؟ ولماذا قال كذا؟ ولماذا لم يذهب إلى
كذا؟ وهذا التدريب المتكرر يعوّد الذهن على نمط تفكير نقدي.
حين يتدرب الذهن على هذا النحو، يصبح ما
يقوله الآخرون بمثابة نص يُقرأ ويُحلَّل، لا موضوعًا يتصل مباشرة بالذات ويهزّها.[3]
وبذلك يتحول كلام الغير إلى موضوع خارجي منفصل عن الشعور والأفكار، وهذه الطريقة
تعلّم صاحبها أمرين أساسيين: أولهما تحييد الشعور، بحيث لا ينتقل كل ما
يُقال إلى داخل الوجود الذهني، بل يبقى في حيّز الوجود الواقعي وحده؛ وثانيهما
تأخير الحكم، أي عدم الاستعجال في إصدار حكم قاطع، وهو ما يكشف الرابط بين
الفكرة والشعور ويُزعزع قوة التواصل بينهما، فلا يتخذ الدماغ قرارًا سريعًا يفضي
إلى تضخم الشعور.
وتجدر
الإشارة هنا إلى تشوه إدراكي آخر يقع فيه بعضهم، وهو الشخصنة بالمعنى الإدراكي
- لا بمعناها المنطقي المتصل بمخاطبة الآخر - أي أن يوجّه الإنسان اللوم
إلى ذاته ويحمّلها مسؤولية كل ما يقع من مكروه، حتى وإن لم يكن هو السبب الحقيقي
فيه. ومتى عرف أحدهم هذا التشوه في غيره، تسلط عليه من خلاله، وهذا هو جوهر ما
يمكن تسميته بالتسلط على الإدراك.
تحويل
الآخرين إلى مادة معرفية للفهم وليس الحكم
بطريقة
عملية وبراغماتية، يمكن للإنسان أن يحوّل كل شخص أمامه إلى موضوع للبحث والتأمل،
بدلًا من الانفعال المباشر معه، فيتعامل مع كلامه كما يتعامل مع نص أدبي يستمتع
بتحليله دون أن ينفعل به. وحين يُدرَّب الذهن على هذا النحو، فإن الصعوبة التي
تواجه الإنسان لاحقًا لا تكون في استشعار الأذى، بل في تحليل ما قيل وفهم دوافعه. وهذا
لا يعني عزلة تامة عن التأثر، فلا يسلم أحد من ذلك مهما بلغت أدواته، لكن الفارق
أن الأثر يصبح خفيفًا وعابرًا لا يطول أمده، بخلاف من يظل أسير الشعور نفسه شهورًا
طويلة.
كيف
نتعامل مع انتقادات ولوم الأخيرين لنا بعقلانية بدل الاستنفار: من الانفعال إلى
العقل
من
المهم أن تدرك أن إنجازاتك سلاحٌ مشروع، وأن التحدث عنها حقٌّ لك لا ينبغي أن تخجل
منه أو تخشى فهم الآخرين المغلوط له. حين يتهمك أحدهم بالتفاخر، لا تكترث لذلك؛
فهو نفسه، بمجرد أن يتحول في نظرك إلى "مادة" تُدرَس لا خصم
يُواجَه.
وهنا
فرقٌ جوهري يستحق التوقف عنده: أن يكذب عليك شخصٌ وأنت صادقٌ فيما تقول، خيرٌ من
أن يكذب عليك وأنت كاذبٌ أو متسترٌ على ما فيك من خير. فحين يأتي من يشوّهك
ويتّهمك بما لم تفعله، بينما أنت صادقٌ فيما تفعل وتقول، فالمكسب هنا لك: أنت
الصادق، وهو الكاذب. أما لو كنت أنت من يخفي ما فيك من خير خشية الاتهام،
فستكون الخسارة مضاعفة.
هؤلاء
الناس أسلوبهم لا يحتوي على الحوار إنما هو نوع من التسلط الذي يريدون فرضه عليك
فحسب، وبما أنه لن يرضى عنك في الحالتين،
فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تظل صادقًا، وأن تحوّل هذا الموقف إلى دافعٍ
لتكثيف عملك وتجديد إنجازاتك باستمرار، بدل أن يستنزفك في معركة دفاعية لا طائل
منها. ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الناس لا يلتفتون أصلًا لما يقوله عنهم
الآخرون، لأنهم ببساطة انشغلوا بأنفسهم لا بغيرهم. وهذا الانشغال بالذات هو ما
يجعل الإنسان في تجدد مستمر: فما يفتخر به اليوم لن يفتخر به بعد سنة، لأنه
استمر في العمل والاجتهاد والدراسة.
الخطوة
الأولى: أن تتفهّم غيرك
أول
خطوة تساعدك في حسن التواصل دائما، خين أن تتقبل من هم أمامك كما هم إذا كانت لك
الفرصة للتواصل معهم بشكل جيد، بها ونعمة، لكن إذا لم تستطع، فإن الانسحاب بشكل
مهذب ولبق سوف يكون خير أسلوب للنجاح في هذه العملية:
ثم
حينما تريد خلق تصور حاول أن تعيده عدة مرات على المستوى الذهني وتقلبه من زوايا
مختلفة ومتنوعة، و أن تأخذ الموقف
الواحد وتضع له عشرين افتراضًا مختلفًا، وكأنك تكتب رواية بفصول متعددة، تحاول
أن تصنع كل السيناريوهات التي الممكنة في الحياة والنجاح بها ومن خلالها.... هذا
التمرين يجعلك تتفهم الآخر، ويخفف من حدة النقاشات الاجتماعية التي أصبحنا فيها،
بصراحة، قساة جدًا مع بعضنا.
أقوى
شيء يجعل الأخرين يغيرون نظرتهم لأفكارهم هو رد فعلك تجاههم، إذا كنت قادرا على
التواصل بشكل يحتوي على الكثير من الانضباط والتحكم في النفس، فإنه سوف يكون
أسلوبا جيدا للنجاح والاستمرارية في بناء علاقات إيجابية، لكن بمجرد أن ترفع صوتك
وتدخل في مشادات كلامية، فإن كل طرف سوف ينغمس في ذاته ويحاول الدفاع عن نفسه
وتصوراته، تجاه المحيط والعالم الذي يحيط به والعلاقات التي يبنيها. حيث يحوّل
الآخر من حالة الانفعال إلى الواقع العقلي قدر المستطاع - أي أنك "تهدّئ"
انفعاله. فبعض الناس يقولون فيك ما لا يُقال، لكنك إن حاورتهم بهدوء، فلن
ينتهي الحوار إلا وهم يعتذرون منك، بل ربما يستحيون منك، وقد يقتربون منك أكثر
في المرات القادمة.
كما يرى غرايس أن المحادثة ليست
تبادلاً عشوائياً للجمل، بل نشاطٌ مشترك يفترض فيه كل طرف أن الآخر يريد التعاون
على بلوغ غرض الحوار. ولهذا صاغ «مبدأ التعاون»: أن تسهم في الحديث بما
يلزم في موضعه، وفق الغرض المتفق عليه. ويتفرع عنه أربع قواعد: الكمّ (قل ما يلزم فقط)، والكيف (لا
تقل ما تعتقده كاذباً)، والعلاقة (التزم بالصلة بالموضوع)، والطريقة (كن واضحاً
ومرتباً). وأهمية تصوره أن الناس كثيراً ما يخرقون هذه القواعد ظاهرياً
ومع ذلك يتفاهمون، لأن السامع يفترض أن وراء الخرق مقصداً، فيبحث عنه ويستنتجه،
وهذا ما سماه «الاستلزام الحواري». فمن قال «الجو بارد هنا» قد يقصد طلب
إغلاق النافذة، ومن أجاب بغير ما سُئل قد يقصد الرفض أو الحرج. وبذلك يصبح
الفهم عملاً تأويلياً قائماً على حسن الظن، لا على الألفاظ وحدها، وهو ما يجعل
النظرية أساساً نافعاً لكل حوار يريد أن يكون فهماً لا خصومة.
فخ
الدفاع عن النفس:
لكن
هناك أمرًا مهمًا يجب التنبه له: حين تبدأ في مناقشة الأفكار التي بداخلك، وتلك
التي تتلقّفها من الآخر، ستجد نفسك أمام محاولة دائمة - وهذا ما انتهت إليه
المدارس الإدراكية بعمومها - للدفاع عن نفسك. فحين تتعرض لاتهامات، ستبدأ، بطريقة
لا واعية، بالدفاع عنها. هذا أمرٌ طبيعي في بدايته، لكن الخطأ هو الاستمرار في
الدفاع عن النفس. فبمجرد أن تلاحظ أنك بدأت تدافع، عليك أن تقول لنفسك
"توقف"
وهذا الأمر
يحتاج استحضار ما انتهت إليه نظرية عالم النفس الأمريكي ديفيد بيرنز (Burns)،
أستاذ جامعة ستانفورد، وهو الحوار بطريقة التساؤل لا التبرير. فبدل أن تقول
"لا، أنا لستُ كذلك" (وهذا تبرير)، تقول: "لماذا تراني
كذلك؟"، وكأنك تجعله يفكك فكرته بنفسه عبر أسئلتك. هذه التساؤلات
هي ما يُهدّئه فعليًا؛ لأنها تنقله من الانفعال إلى العقل، إذ سيبدأ في
الإجابة عليها بعقله لا بانفعاله، فيصبح هو المطالَب بالإثبات لا أنت بالتبرير.
لهذا يفشل
أسلوب التبرير: حين يقول لك أحدهم «أنت أناني»، فرد الفعل
الغريزي هو «لا، أنا لست كذلك». والمشكلة أن هذا الرد يحوّل الحوار إلى معركة على
الحقيقة، فيقع كل طرف في وضع الهجوم أو الدفاع:
·
المتهِم يشعر
أن اتهامه رُدّ وأنه لم يُسمع، فيشتد تمسكه به ويجمع الأدلة.
·
المتهَم ينشغل
بحماية صورته، فيتوقف عن الإصغاء لما وراء الاتهام.
كيف
يغيّر السؤال مسار الحوار؟
حين
تقول «لماذا تراني كذلك؟» أو «ما الذي جعلك تشعر بهذا؟»، يحدث أمران:
1. ينتقل الطرف الآخر من الانفعال إلى التفكير: فالإجابة عن سؤال تحتاج إلى استحضار
وقائع وترتيب أفكار، وهذا نشاط عقلي يخفف حدة الغضب تلقائياً.
2. يعرض الاتهام نفسه على الفحص: حين يشرح أسبابه قد يكتشف بنفسه أن
حكمه عمّم من موقف واحد، أو ضخّم، أو افترض نية لم يتأكد منها. وهذه أخطاء معرفية
عرّف بها بيرنز في كتبه، مثل قراءة الأفكار والتعميم والتصنيف. وأن يكتشف الإنسان
خطأه بنفسه أقوى أثراً من أن تخبره أنت به.
شروط
نجاح الأسلوب التواصلي:
- الصدق شرط أساسي. يؤكد
بيرنز أن الاستفسار يجب أن يكون رغبة حقيقية في الفهم، لا حيلة لإحراج الطرف
الآخر. فإن استخدمتَه فخّاً، سيشعر بذلك ويزداد انفعاله.
- صياغة السؤال مهمة. "لماذا
تراني كذلك؟ " قد تُسمع أحياناً بنبرة تحدٍّ أو استنكار، خاصة عند بدء
الحوار. صيغ مثل «هل يمكنك أن تخبرني أكثر؟» أو "ما الذي أزعجك
بالتحديد؟" أنعم أثراً، وتصلح أكثر في اللحظات الحادة.
- يبدأ الاستفسار بعد نزع السلاح. من
الأسرار الخمسة عند بيرنز أن تبحث أولاً عن جزء صحيح في كلام محدثك، ولو كان
صغيراً، وتعترف به. ثم تسأل. فالسؤال بعد الإقرار بالحق أنجح من السؤال
المجرد.
- الهدف ليس أن يصبح الطرف الآخر مطالَباً بالإثبات. هذه العبارة في نصك صحيحة من حيث الأثر، لكن لو اتخذتها هدفاً معلناً صار الحوار لعبة انتصار مقنّعة. الأولى أن تكون الغاية الفهم، وأن يأتي انتقال عبء الإثبات نتيجة طبيعية.
والمقصود
من هذا ليس أن ينتصر أحدكما على الآخر، فالقضية ليست انتصارًا وهزيمة، بل خلق تفاعلية
بينكما، بحيث تناقشون الفكرة بوصفها فكرة، لا بوصف أحدكما متسلطًا على الآخر.
وأقصى ما يمكن أن ينتج عن هذا هو أنك لم تقتنع بكلامه ولم يقتنع بكلامك - وهذا
كافٍ. ومع هذه التساؤلات، ستلاحظ أن لغة محاورك، وهو ما يُعنى به علم اللغة
التداولية، تنتقل تدريجيًا من مخاطبتك أنت شخصيًا إلى الحديث عن الموضوع
نفسه؛ سيبدأ يتحدث عن "الأعراف" و"العادات"
و"الأدلة" بدل أن يخاطبك أنت. عندها تكون قد نجحت في المهمة
الأهم: تحويل الموقف من
"حال" إلى "حال" آخر - وهي فكرة الصيرورة.
فكرة
الصيرورة: أنت لست صفةً ثابتة:
الصيرورة
هي، ربما، "أمّ المعارك" بين المدارس الفكرية الحديثة - وهي
معركة كبرى أدّت، على سبيل المثال، إلى منع نعوم تشومسكي من دخول فرنسا
لعشرين عامًا. وخلاصة الفكرة أن حتى ما تراه سيئًا في نفسك هو حالٌ لا صفة.
فحين تسأل أحدهم "كيف حالك؟" فيجيبك "مبسوط"،
ثم يقول لك بعد ن-صف ساعة "لا والله، زعلان" - فالحال متغيّر دائمًا،
وهو "منصوب" لا ثابت، بخلاف "التابع" الذي لا فاعلية له.
هذا
يعني أن أسوأ ما تشعر به لا يعدو أن يكون حالًا سينتقل إلى حال آخر - وهو ما يؤكده
بيرنز وباندورا وجون سيرل وغيرهم. ومن هنا تأتي أهمية تغذية أنماط التفكير
بأنماط مستحدثة باستمرار؛ فالنمط الذي كان يفيدك قبل سنة قد لا يصلح الآن، بل
قد يكون هو سبب "بلائك" اليوم، فيجب تغييره. حتى العلماء أنفسهم،
في أي تخصص، تجد لهم أقوالًا ومذاهب متغيرة بمرور الزمن، وهذا ليس تناقضًا، بل هو
الصيرورة ذاتها.
·
داء
النسخ وأهمية الهوية الفردية:
من
زاوية أخرى، فإن المشكلة الحقيقية اليوم هي ما يمكن تسميته بـ"داء تكرار
النُّسخ": نفس الوجبات، نفس العطور، نفس التجارب، حتى نفس النكت. وهذا ما
أدى إلى الوقوع فيما يسميه مارتن هايدغر بـ"الملل الوجودي" -
أي أن الوجود نفسه أصبح مملًا، وليس الأشخاص هم من يخلقون هذا الملل. لذلك، فإن
إنشاء نظريتك الخاصة في التفكير - لا بمعنى فرض طريقة بعينها، بل بمعنى تكوين مبدأ
يميزك عن غيرك - هو ما يمنحك هويتك الفردية.
يعيش
الإنسان المعاصر في عالم تتكرر فيه النسخ: الوجبات نفسها والعطور نفسها والتجارب
نفسها، حتى النكات تتداولها الألسنة بصيغ متطابقة. ومع أن هذا التشابه يبدو
مريحاً، فإنه يترك في النفس فراغاً غامضاً لا نعرف له سبباً محدداً، فنلوم الأشخاص
من حولنا أو الأماكن التي نرتادها، مع أن الخلل ليس فيهم. وهنا يفيد تحليل مارتن
هايدغر للملل، فقد ميّز في محاضراته المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا بين
أشكال ثلاثة له: ملل من شيء بعينه كالانتظار في محطة، وملل مع شيء كسهرة لطيفة
نخرج منها بفراغ، وملل عميق لا سبب له، تفقد فيه الموجودات كلها جاذبيتها. والملل
العميق هو الأقرب إلى ما نصفه، لأنه لا يصدر عن شخص أو موضوع، بل عن علاقتنا
بالوجود نفسه.
ولتفسير
كيف نصل إلى هذه الحال، يقدّم هايدغر في الوجود والزمان مفهوم «الهُم» (das Man)، أي
ذلك «الناس» المجهول الذي نفعل ما «يُفعل» بحسب حكمه، ونستمتع بما «يُستمتع به»،
ونحكم بما «يُحكم». والهُم يعمل بالتسوية: يزيل كل حاد وفريد ليصير الجميع
متشابهين، ولا يقف وراءه شخص نلومه. وهذا هو جوهر «داء تكرار النسخ»: أن نعيش
بالإنابة عن قالب عام دون أن نشعر. وقد عمّقت هذا الميل ظروف عصرنا، فصناعة
الثقافة تسوّق لنا المتشابه على أنه اختيار شخصي، وخيارات التقنية المتاحة كلها
بلا احتكاك ولا غرابة تُضعف فينا ما يوقظ التفكير.
غير أن
الملل العميق ليس عند هايدغر لعنة تُحتمل، بل لحظة كاشفة. فحين تتوقف الأشياء عن
إشغالنا كما اعتدنا، تنكشف لنا إمكانات وجودنا الخاصة، ونتحرر لحظة من سلطة الهُم.
ومن هنا يأتي مفهوم الأصالة: أن نتملك وجودنا بدل أن نعيشه نسخةً مما يعيشه
الآخرون. وهذا ما يجعل تكوين مبدأ خاص في التفكير أمراً ذا معنى فلسفي حقيقي، شرط
أن نفهمه فهماً صحيحاً: فالفرادة ليست تمايزاً شكلياً نسعى إليه، فمن يختلف لمجرد
الاختلاف يقع في «موضة الاختلاف» التي حذّر منها كيركغارد، وإنما هي ثمرة طبيعية
لصدقنا مع أسئلتنا. والمطلوب ليس اختراع نسق جديد بالضرورة، بل ما دعا إليه كانط
حين قال «تجرأ على استخدام عقلك»: أن نفحص ما ورثناه ونسأل عما نسلّم به، حتى نصل
إلى طريقة نظر تعبّر عنا.
[1] هذا المبدأ يؤكد أن بناء المشاعر ليس موضوعي إنما
تراكمي، لأن بمجرد أن يلمس فيك شخص ما شعورا معين يستيقظ ذلك الشعور في كامل
الجسم، في معظم الذكريات التي نحملها حول أنفسنا والمحيط الذي نعيش فيه.
