كيف حوّلت الرأسمالية والتكنولوجيا العلاقة
العاطفية من التزامٍ إلى سلعة؟
مقدمة:
نعيش في عصر
التغيير والتحول، فكل شيء يقوم به الإنسان داخل هذا الوجود رهين، بالبنية الثقافية
والفكرية التي ينتمي إليها، ولعل العلاقات العاطفية في العصر الراهن تعرف هي
أيضا نوعا من التغيير، حيث أضحت هناك
مفارقة خطيرة، حيث أصبح الدخول فيها أسهل من أي وقت مضى، لكن صار استمرارها أصعب
من أي وقت مضى أيضًا
يلتقي الناس بسرعة، وينجذبون بسرعة، وينسحبون
بالسرعة ذاتها، في عالمٍ يفيض بخيارات
التواصل الدائم وصور الحب المثالية التي تبثّها الشاشات، يزداد الشعور بالوحدة
اتساعًا، وتغدو العلاقات أكثر هشاشة وأقل عمقًا وأقصر عمرًا. حيث أصبح التحدي ليس
إيجاد الحب إنما الحفاظ عليه، من أي فقدان من الواقع، الذي نعيشه اليوم.
أولًا: من "الكورتشيب" إلى
"السحب يمينًا": جيلان في مواجهة الحب
يميّز المتحدث بين تجربتين عاشهما في
حياته، تفصل بينهما عقود من التحوّل الاجتماعي. الجيل الأول، الذي عاصر بداياته في
تسعينيات القرن الماضي، كان يقوم على ما يُعرف غربيًا بـ"الكورتشيب" (Courtship):
مرحلة طويلة
نسبيًا من الإقناع وكسب الثقة، يبذل فيها الطرفان جهدًا حقيقيًا؛ فالشاب يسعى إلى
إثبات جدارته، ويهتم بمظهره وعمله ومستقبله، لأن "تكلفة" الحب في ذلك
الزمن كانت مرتفعة، وهذا الارتفاع في التكلفة هو ما كان يدفع الإنسان إلى النضج
والالتزام والنمو.
أما الجيل الثاني، الذي عايشه المتحدث
بعد انفصاله عن زوجته الأولى بعد سبعةٍ وعشرين عامًا من الزواج، فوجد نفسه في عالم
مختلف تمامًا؛ عالم تحكمه تطبيقات المواعدة وقواعد اجتماعية جديدة لم يألفها.
ويلاحظ أن المجتمعات الغربية، رغم كل ما يُقال عن انفتاحها، قد طوّرت لنفسها "قواعد"
واضحة لفهم هذا العالم الجديد والتحرك بداخله، بينما لا يزال المجتمع العربي
يستورد مظاهر هذا الانفتاح دون أن يمتلك فهمًا مماثلًا لقواعده، فيقع في حالة من
الضياع بين تأثير الدين والمجتمع والقانون، من غير بوصلة واضحة.
ثانيًا: اقتصاد العرض والطلب في سوق
العلاقات
من أجل فهم ما يحدث في سوق العلاقات
يمكن استعارة، الوضع من الزاوية الاقتصادية،
من خلال قانون العرض والطلب، فحين كانت فرص اللقاء محدودة، وكان
الوصول إلى شريك يتطلب مجهودًا اجتماعيًا حقيقيًا (تقديم الطلب، الانتظار،
الالتزام بمعايير معينة)، كانت "قيمة" العلاقة مرتفعة تلقائيًا، تمامًا
كما كانت تكلفة الحصول على خط هاتف أرضي في مصر تستوجب طلبًا وانتظارًا ودفعًا.
أما اليوم، فقد انفتح "العرض"
على مصراعيه عبر تطبيقات المواعدة، فتضاءلت قيمة "المنتج" - أي
العلاقة نفسها - إلى حدٍّ كبير، وأصبح الحصول عليها شبه مجاني.
هذا التضخّم في العرض، لا يفسّر فقط
ارتفاع معدلات الانفصال، بل يفسّر أيضًا ظاهرة متنامية في المجتمعات العربية وهي
تزايد عدد الشباب والفتيات الذين لا يتزوجون؛ إذ لم يعد الشاب مضطرًا للالتزام
بزواج ما دامت أمامه "خيارات مجانية" لا تحتاج التزامًا. وهنا
يصبح غياب الزواج نتيجة مباشرة لانخفاض تكلفة العلاقة العابرة، لا لعزوف
حقيقي عن الرغبة في الارتباط.
ثالثًا: الرأسمالية وتطبيقات المواعدة:
من يربح من الوحدة؟
إن تطبيقات المواعدة، من الناحية
التجارية البحتة، لا تُبنى على هدف "مساعدتك في العثور على شريك
حياة"، بل على نموذج ربحي يقوم على إبقائك مشتركًا وباحثًا إلى أطول
فترة ممكنة. فكلما طالت رحلتك في "المواعدة" دون استقرار، زادت
أرباح التطبيق من الاشتراكات، وزادت أرباح المطاعم من كثرة "المواعيد"،
بل إن منظّمي حفلات الزفاف أنفسهم يستفيدون من تكرار الزواج والطلاق أكثر مما
يستفيدون من زواج واحد ناجح ومستمر.
هذه
العملية تشبه ما تفعله الشركات حين تسوّق منتجًا مصنّعًا (كالمشروبات الغازية) بديلًا عن
عادة تقليدية بسيطة ومجانية (كشاي العصر المصنوع في البيت)، عبر الإعلانات والقصص
والأفلام التي تصنع لدينا شعورًا بأن "الخيار الآخر" دائمًا أفضل.
وبالمثل، فإن الترويج المستمر لفكرة أن هناك دومًا "شريكًا أفضل"
في مكانٍ ما يجعل الإنسان عالقًا في حالة بحثٍ دائم، غير قادر على الاستقرار مع
خيارٍ واحد ولو كان جيدًا.
رابعًا: عقدة "الآخر
الأفضل": حين نستورد نموذج الحب
يمكن القول أن جزء كبير من أزمة
العلاقات في العالم العربي اليوم ناتج عمّا يسمى بـ"عقدة الاستيراد"،
أي الاعتقاد الضمني بأن النموذج الغربي في العلاقات هو الأرقى والأجدر بالتقليد،
فتُستنسخ مظاهره - من ثقافة "المواعدة العابرة" إلى نموذج
الاستقلالية المطلقة للمرأة عن الرجل - دون استيعاب السياق الذي أنتج هذا النموذج
أصلًا، ودون امتلاك القواعد الاجتماعية التي يضبط بها الغرب نفسه هذا الانفتاح.
خامسًا: النبوءة المتحققة ذاتيًا
وأثرها على مصير العلاقة
"النبوءة المتحققة ذاتيًا"
(Self-Fulfilling Prophecy)،
ويوضّحه بمثال دقيق: حين تدخل المرأة (أو الرجل) العلاقة وهي مقتنعة سلفًا بأنها
لن تعتمد على الطرف الآخر ولن "تمنحه" اهتمامًا عاطفيًا حقيقيًا، فإنها
تصنع بذلك الظروف نفسها التي تؤدي إلى انهيار العلاقة لاحقًا؛ إذ ينتهي الأمر
بالطرف الآخر إلى الانسحاب، لا لأن العلاقة كانت محكومًا عليها بالفشل من البداية،
بل لأن غياب العطاء العاطفي المتبادل هو ما دفعها إلى الفشل فعليًا.
وينسحب المبدأ ذاته على الرجل الذي
يدخل العلاقة بذهنية الحماية القانونية والمادية بدل الالتزام العاطفي، إذ يعامل
الطرف الآخر معاملة مؤقتة بمنطق "سننفصل في النهاية على أي حال"،
فيتحوّل هذا الافتراض إلى سببٍ فعلي للانفصال، لا نتيجة له.
سادسًا: التربية المزدوجة: من التحريم
إلى الحيرة
يتطرّق المتحدث إلى جذر ثقافي أعمق،
متعلق بأسلوب تربية الفتاة في كثير من البيئات العربية؛ إذ يُنشَّأ الأبناء،
وبخاصة الإناث، على تحريمٍ صارم لكل ما يتعلق بالحب والرغبة والانجذاب العاطفي،
بدافع حماية "سمعة" الفتاة، لتُفاجَأ بعد الزواج بأن الأمور
ذاتها التي كانت محرّمة ومُدانة أصبحت فجأة مقبولة ومطلوبة مع الزوج، من غير أي
تهيئة نفسية أو معرفية سابقة. وهذا يحصل طبعا بسبب غياب ثقافة عاطفية
وتواصلية وتحليلية شاملة، لا تقتصر على الجانب الجنسي فحسب، بل تمتد إلى القدرة
على فهم الذات والتعبير عن الاحتياجات العاطفية والتواصل الصحي مع الشريك، وهي
مهارات لا تُكتسب فجأة بمجرد توقيع عقد الزواج.
سابعًا: الفرق بين الطرفين ليس في
الطبيعة بل في التجربة
توجد الكثير من الأبحاث العملية، التي تُستخدم
لتبرير أنماط سلوكية معيّنة، لأنها تُموَّل من جهات ذات مصلحة تجارية أو
أيديولوجية، وأن السؤال الأهم عند سماع أي "حقيقة علمية" رائجة هو: من
المستفيد من ترويج هذه الفكرة؟
وبالتالي فإن الفارق الحقيقي بين الرجل والمرأة في العلاقات
ليس فارقًا بيولوجيًا حتميًا، بل هو نتاج تراكم خبرات وتجارب شخصية، وتأثير بيئة
الطفولة والتنشئة، إلى جانب سياق ثقافي عربي يميل إلى "تضييق" الخناق
على الفتاة أكثر من الفتى، انطلاقًا من فكرة أن "البضاعة تبور لو
استُخدمت"، وهو تصوّر يرى فيه المتحدث أحد أخطر الموروثات المؤثرة سلبًا على
نضج المرأة العاطفي بعد الزواج.
ثامنًا: الأنوثة كقيمة واهبة للحياة
رغم النقد الذي يوجّهه المتحدث للنموذج
الغربي في تعامله مع العلاقات، فإنه يشيد بما يصفه بخصوصية المرأة العربية حين
تعيش أنوثتها بثقة واطمئنان، معتبرًا أن الأنوثة - بما تحمله من رعاية وحنان -
قادرة على "بث الحياة" في العلاقة وفي البيت، تمامًا كما تفعل الأمومة
مع الأبناء. ويرى أن كثيرًا من الخطاب الغربي المعاصر، حين يدفع المرأة إلى بناء
استقلالية كاملة تُقصي حاجتها الفطرية للعطاء العاطفي والرعاية المتبادلة،
يفقدها في الواقع أحد أهم مصادر قوتها في العلاقة، لا يمنحها إياها.
مهارات
العلاقات: بين الحرية والمسؤولية، وبين الحب الجسدي والحب الروحي
العلاقات
مهارة تحتاج تدريباً
ئأي
خلاف بين زوجين، أو أي توتر عاطفي، يمكن حله بالجلوس والتحاور، وشرح كل طرف
لمشاعره، ثم البحث معاً في مصدر هذا الشعور. فهل هو ناتج عن تصرف الطرف الآخر
فعلياً، أم أن قناعات وخبرات الطفولة تُضخّم الأمر؟ فمثلاً، قد يكتشف أحد الطرفين
أن غضبه من طريقة رد شريكه كان في الحقيقة غضباً قديماً من الأب، لا من الشريك
نفسه.
ولتوضيح
أن المهارات العاطفية تحتاج تدريباً كأي مهارة أخرى، يُستخدم مثال رياضة رفع
الأثقال: من يرفع اليوم 70-80 كيلوغراماً لم يصل لهذا المستوى من أول يوم، بل بدأ
بـ30-35 كيلوغراماً وتدرّج. وكل قدرة في الحياة، سواء رياضية أو عاطفية، تحتاج إلى
تمرين وتدرّج، بينما نحن -كأهل- لا نعلّم أبناءنا شيئاً في هذا الجانب.
تربية
الأبناء على مهارات الحب:
يُروى
مثال شخصي: الأب يسمح لنفسه بمناقشة ابنته البالغة (31 عاماً) في تفاصيل علاقتها
العاطفية، يسألها عن رأيها، ويُنبّهها إن كان تصرف ما "من منظور رضا
الله" غير صحيح، ويطلب منها أن تُطلعه على مواقفها لتُقيَّم معاً. والسبب في ذلك أن الحرص الزائد -بحجة "حماية" الفتاة بحبسها
في البيت ومنعها من الاختلاط- يتعارض مع نجاحها في الحياة العملية والفنية، التي
تتطلب الظهور والتواصل مع الناس. فالعالم تغيّر، ويجب تحضير الأبناء لمواجهته، لا
عزلهم عنه. وبالمثل، يجب تحضير البنات ليكون زواجهنّ سعيداً عاطفياً وجنسياً
وعقلياً، حتى لا يبحث الزوج عن هذا الإشباع خارج بيته.
الحرية
بالجهل:
النقطة
الجوهرية هنا: المجتمعات العربية أخذت من الغرب مظاهر الحرية (كالمواعدة،
والانفتاح، والتعبير العالي عن الرأي) لكنها لم تأخذ معها المبادئ والقيود التي
تحكم هذه الحرية في مجتمعاتها الأصل. فالغرب، رغم انفتاحه، له "مبادئ حرية"
تحكم متى تكون الحرية خطأً. أما نحن، فأخذنا "الحرية" دون "التعليم"
المصاحب لها، فأصبحنا "نُجرّب ونعكّ" بلا ضابط.
يُشار
أيضاً إلى تجربة السعودية كمثال إيجابي على "الحرية بمسؤولية": فمنع
الحكومة للخمر مثلاً لا يعني إلغاء حرية الاختيار الدينية، بل ترك الاختيار للفرد
أمام الله لا أمام القانون، وهو فرق جوهري بين "لا إكراه في الدين" وبين
القسر الحكومي.
التعامل
مع الانفتاح الرقمي والتكنولوجي: لا يمكن مقاومة الواقع
"بيرفكتس":
سبعة عناصر للعلاقة العاطفية، والحب شيء آخر
يُقدَّم
نموذج لتحليل العلاقات العاطفية تحت مسمى "PERFECTS"، وهو
اختصار لسبعة عناصر يبحث عنها الناس في العلاقة العاطفية "الدنيوية"
(الجسدية/المادية):
- P –
Partnership الشراكة
- A –
Passion الشغف/الجنس
- R –
Romance الرومانسية
- F –
Friendship الصداقة
- C – Companionship
الرفقة، أي الحضور المشترك حتى بصمت
- T –
Tenderness الحنان
والتفاهم
- S –
Support الدعم المتبادل
النقطة
الجوهرية:
الحب لا يوجد ضمن هذه القائمة. الحب -بحسب هذا
الطرح- سابق للعلاقة ولاحق لها، لأنه ينتمي إلى "عالم الأرواح" لا
"عالم الأجساد والمادة". أما العناصر السبعة فهي أهداف دنيوية تخص
العالم المادي المتغيّر.
الحب
كعلاقة روحية سابقة للوجود المادي
يُطرح
تصوّر روحاني (مستمد من الفكر الصوفي والفكر المسيحي) مفاده أن الأرواح ترتبط
ببعضها من "أصل" واحد هو الله، وأن كل مظاهر الحب في الحياة المادية
(تجاه الزوجة، الابنة، الصديق، حتى الحيوان أو السيارة) هي تعبير واحد عن
"طبيعة الحب" نفسها، تتلبّس أشكالاً مختلفة. وبما أن عالم الأرواح لا
يعرف الزمان أو التغيّر، فإن فهم هذا البُعد الروحي للحب يُسهّل التعامل مع
الانفصال أو التغيّر في العلاقات المادية، لأن الحب الحقيقي (الروحي) لا يتأثر
بتغيّر الظروف الدنيوية.
تجربة
شخصية: الانفصال والتعامل معه
يشارك
المتحدث تجربته الشخصية بانفصاله (منذ أربعة أشهر عند الحديث) عن شريكته
"هنا"، مع وصف علاقة عن بعد بينهما (هو في دبي، وهي في إنجلترا) اتّسمت
بالصعوبة اللوجستية أكثر من كونها علاقة "فاشلة" أو "سيئة".
المشاعر
بعد الانفصال
يصف
مجموعة من المشاعر التي تعقب الانفصال، وجميعها – كما يقول – مشاعر "من
العالم المادي" لا من عالم الحب: الندم، الشوق، الحزن، الشك في النفس، القلق
من المستقبل، وقد يصل الأمر عند بعض الناس إلى الغضب أو حتى العنف، وهو ما يُوصَف
بأنه "أقل درجات الرجولة".
إعادة
تعريف الخسارة والكسب
يُقدَّم
منظور مختلف: لا وجود لمفهوم "إيجابي" و"سلبي" مطلق، فكل
تجربة تحمل نفعاً وضرراً في آنٍ واحد. وكما أن "عقد الحياة" يبدأ
بالولادة وينتهي بالموت، فإن "عقد الحب" يحمل في داخله إمكانية الفقد
منذ بدايته؛ فمن يقبل الحب يجب أن يقبل احتمال الخسارة، لأن التجربة نفسها (حتى مع
انتهائها) أفضل من عدم عيشها إطلاقاً.
ولا
داعي لأن تنتهي العلاقة بالقطيعة أو العداء؛ يمكن أن تتحول العلاقة من رومانسية
إلى صداقة أو نوع آخر من الروابط الإنسانية، تماماً كما يتطور حب الأب لابنته مع
نموّها من طفلة إلى شخصية مستقلة.
سبب
فشل العلاقات: الاختيار الخاطئ، لا العلاقة نفسها
يُطرح
مبدأ محوري:
معظم العلاقات الفاشلة لم تفشل لأن فيها خطأً جوهرياً، بل لأن
الاختيار من البداية كان خاطئاً، وهذا
الاختيار الخاطئ ناتج عن قناعات الشخص وقدراته ومعتقداته.
مثال:
قناعة "المرأة لا تحتاج رجلاً"
يُستخدم
مثال الفكر النسوي الغربي (كما يصفه) الذي يقول إن المرأة لا تحتاج رجلاً. حين
تدخل امرأة تحمل هذه القناعة في علاقة، يحدث أحد أمرين:
- إذا لم يكن الرجل "مثالياً"، تشعر
بأنها لا تحتاجه، فيصبح وجوده عبئاً.
- إذا كان الرجل يبحث فقط عن أن تحتاج إليه
المرأة، ووجد أنها لا تحتاجه أصلاً، يفقد إحساسه بدوره ورجولته.
ويُشدَّد
على أن الرجل والمرأة يكمّلان بعضهما (كطاقتين: ذكورية وأنثوية)، وأن الاعتماد
المتبادل الصحي ليس ضعفاً بل هو الطريقة التي "يكتمل" بها كل طرف.
مثال:
القناعات الموروثة من الطفولة
يُذكر
أيضاً مثال شخص نشأ في بيت يرى فيه العنف تجاه المرأة "طبيعياً"
(استناداً لفهم خاطئ لنصوص دينية)، فيدخل علاقاته بهذه القناعة. وبالمثل، فتاة
نشأت مع أب قاسٍ قد تربط "الحب" بـ"الشدة"، فتختار لاحقاً
شريكاً قاسياً لأن هذا هو تعريفها اللاواعي للحب.
النتيجة:
القناعات الموروثة من الطفولة تُوجّه الاختيار قبل أن تبدأ العلاقة أصلاً، وقد
تُوجّه التصرفات داخل العلاقة بطريقة يصعب تغييرها لاحقاً.
دور
الرجل: الهدوء والمسؤولية بدلاً من الاستبداد أو الاستسلام
يُقدَّم
تصوّر لـ"الرجولة الحقيقية" بعيداً عن نموذجين شائعين يُعتبران فاشلين:
1. الرجل المتسلط: الذي يتعامل
بالصراخ والعصبية.
2. الرجل المستسلم: الذي يتنازل عن
كل قرار خوفاً من غضب الشريكة.
النموذج
المُقترَح هو "الرجل المسؤول": فمثلما يكون في الشركة الشخص
"المسؤول عن الهدف" هو من يتخذ القرار النهائي (بعد الاستماع للجميع)،
فإن الرجل الذي يتحمل مسؤولية استقرار بيته هو من يحق له اتخاذ القرار الأخير،
بشرط أن يكون قد استمع بهدوء وفهم شعور شريكته أولاً.
يُشارَك
مثال شخصي: أن الرغبة الشديدة في إرضاء الشريكة قد تدفع الرجل للاستسلام لكل
رغباتها على حساب استقراره الشخصي (كثرة السفر والعمل الذي يُتعِبه لإرضائها)، وهو
ليس حلاً صحياً أيضاً.
الحل
المُقترَح للتواصل بين الشريكين
يُقترَح
أسلوبان عمليان للتواصل عند الخلاف:
1. أن يُعبّر أحد الطرفين بوضوح عن تأثير تصرف معيّن
عليه/عليها ("أنا أحزن عندما تفعل كذا، وأسعد عندما تفعل كذا")، مع طلب
مباشر بتغيير هذا التصرف.
2. أن يُسأل الطرف الآخر سؤالاً مفتوحاً دون إصدار
حكم مسبق: "أنا أشعر أنك غاضب/غاضبة مني، لماذا؟" والاستماع دون الدفاع
عن النفس، ثم البحث معاً في إمكانية التغيير.
خلاصة
يتلخّص
الطرح في: العلاقات مهارة تحتاج تدريباً وتعليماً مثل أي مهارة أخرى، ولا يمكن عزل
الأبناء أو الأنفس عن انفتاح العالم، بل يجب تحضيرهم لمواجهته بوعي. الحرية
الحقيقية لا تُفهم إلا مقترنة بالمسؤولية والاحترام، وأغلب أزمات المجتمعات
العربية اليوم ناتجة عن أخذ مظاهر الحرية الغربية دون التعليم والمبادئ التي
تقيّدها. وأخيراً، الحب -بمعناه الأعمق- ظاهرة روحية لا تتأثر بتقلبات العلاقات
المادية، بينما فشل العلاقات غالباً ما يعود إلى خطأ في الاختيار الأساسي، نتيجة
قناعات وجروح لم تُعالَج من الماضي.
