إدموند هوسرل والفينومينولوجيا: في مسألة المعرفة وحدود الوعي
تمهيد:
لماذا هوسرل؟
في
عالم الفلسفة الغربية خلال القرن العشرين، لا يكاد اسمٌ يُضاهي إدموند هوسرل
في الأثر والعمق؛ فهو المؤسّس الحقيقي لأحد أعظم التيارات الفلسفية في العصر
الحديث، ألا وهو الفينومينولوجيا. ومع ذلك،
كثيراً ما يُتناول هذا التيار من خلال ورثته وامتداداته - كهيغل في
"فينومينولوجيا الروح"، وهايدغر في فينومينولوجيته الوجودية التي تطوّرت
عن هوسرل مباشرة، ومردّ ذلك ببساطة إلى صعوبة هوسرل: صعوبة في التفكير، وصعوبة في
الصياغة، وصعوبة في الاستيعاب.
وقد
آثر هوسرل نفسه أن يُقدِّم لأفكاره الأساسية في سلسلة من خمس محاضرات عام 1907،
جُمعت لاحقاً في كتاب بعنوان "فكرة الفينومينولوجيا"،
الذي يُعدّ أوفق مدخل لمن يريد أن يفهم جوهر هذا المشروع الفلسفي الكبير قبل
التوسّع في تفاصيله وتحوّلاته عبر العقود.
أولاً: المشكلة - أزمة المعرفة
ليست
مشكلة جديدة... لكنها أعمق مما ظنّ الفلاسفة
ينطلق هوسرل من مشكلة المعرفة، وهي مشكلة بقدر ما هي قديمة، إلا أن هوسرل يرى أن أحداً لم يُدرك عمقها الحقيقي بعد. فقد تناول الفلاسفة عبر التاريخ مسألة صحّة المعرفة وموثوقيتها: أفلاطون دعا إلى تجاوز المظاهر الحسية للبلوغ إلى "المُثُل" أو الأفكار الخالدة القابعة وراء الأشياء، وميّز بين المعرفة الحقيقية والـدوكسا (الرأي أو الظنّ) في أسطورته الشهيرة عن الكهف. وجاء ديكارت ليشكّك في المعطيات الحسية كلياً، ويطلب إعادة بناء المعرفة على أسس عقلية ضرورية. وذهب كانط أبعد من ذلك حين أكد محدودية العقل البشري ذاته، وطالب بنقد هذا العقل قبل أن نسأل عمّا يستطيع معرفته. غير أن هوسرل يقول: ثمة سؤال جوهري لم يطرحه أحدٌ من هؤلاء، سؤالٌ هو في الحقيقة أقدم من سؤال "هل معرفتي صحيحة؟"، وأكثر جذرية منه: ما الذي يجعلني أجزم أن ما أسعى إلى معرفته موجودٌ فعلاً خارج عقلي؟
الوهم
الصامت في صميم كل معرفة:
دعونا
نتوقّف عند هذا السؤال بالتأمل المطلوب. في اللحظة التي تقرؤون فيها هذه الكلمات
على شاشة ما، أنتم لا تشكّون لحظةً في وجود تلك الشاشة مستقلةً عنكم، قائمةً
بذاتها في الفضاء المادي خارج وعيكم. ومعنى "الاستقلال" هنا هو أن هذا
الجهاز لا يحتاجكم لكي يوجد؛ إنه موجودٌ سواء أدركتموه أم لا. هذه القناعة
"طبيعية" بقدر ما هي فطرية.
لكن
هوسرل يطرح السؤال الصادم: ما الذي يُخبرك بأن هذا الجهاز موجودٌ خارجك؟
الجواب الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: "أنا أراه وأحسّه!" لكن
هذه الرؤية وهذا الإحساس - أين يقعان؟ إنهما يقعان في وعيك أنت، لا في مكانٍ آخر.
كل ما
تدركه، تدركه في وعيك، حتى الأشياء "الخارجية" لا تعرفها إلا من خلال
تمثّلاتك الداخلية عنها. والدليل الفاضح على هذا: حين تحلم، تُدرك أشياء بنفس
الطريقة، ترى وتسمع وتلمس وتشمّ، ولا يختلف تجريبك للأشياء في الحلم عن تجريبك لها
في ما تسميه "الواقع"، لكن أشياء الحلم لا وجود لها خارج وعيك.
إذن،
ما نُسمّيه "المعرفة الموضوعية" يرتكز في الأصل على افتراض
ضمني لا يمكن إثباته، وهو أن ما يوجد في وعينا يُقابله شيءٌ موجودٌ مستقل خارج
هذا الوعي. وهذا الافتراض ليس حقيقةً بديهية بل هو موقفٌ وتوجّهٌ، ومن هنا
جاء مصطلح "الموقف الطبيعي" أو التوجّه الطبيعي (l'attitude
naturelle) عند هوسرل.
ثانياً: المفاهيم المفتاحية في فلسفة هوسرل
1. الموقف
الطبيعي
(L'attitude naturelle)
الموقف
الطبيعي هو ذلك الموقف المشترك بين سائر البشر في علاقتهم بالعالم، القائم على
افتراض تلقائي وصامت بأن ما يُدرَك موجودٌ بذاته خارج الإدراك. يستخدم هوسرل كلمة
"موقف" أو "توجّه" عن قصد، لأن التوجّه هو ضربٌ خاص من
الانتساب إلى الأشياء، إنه نمطٌ ممكن من بين أنماط ممكنة أخرى. والقول بأن
لدينا "موقفاً" إزاء العالم يعني أن هذا الموقف ليس الموقف الوحيد
الممكن، وأنه قابلٌ للمساءلة والتعليق.
2. الموضوعية (L'objectivité)
يحمل
مصطلح "الموضوعية" في الفلسفة الهوسرلية معنىً تقنياً دقيقاً يختلف عن
المعنى الشائع. فالموضوعية لا تعني الحياد أو النزاهة الفكرية، بل تعني
حرفياً:
وجود الشيء باعتباره موضوعاً مستقلاً عن الوعي.
وكلمة
"objectif" و"objet" (موضوعي
وموضوع) تنبعان من الجذر ذاته، وهو ما يكشف أن "الموضوع" في جوهره هو ما
يُعرَّف بالوجود المستقل. وما يقوله هوسرل هو أن هذا الاستقلال ليس حقيقةً
مُثبتة بل افتراضٌ مُقنَّع.
3. التعالي (La transcendance)
يستعمل
هوسرل مصطلح "التعالي" - الذي استعاره سارتر لاحقاً - ليصف
الموضوع المفترَض خارج الوعي. والتعالي هنا لا علاقة له بمعناه الديني المتعلق
بتجربة المطلق، بل يعود إلى أصله اللاتيني transcendere أي
"ما يأتي من فوق الوعي وخارجه". والتصوّر الكلاسيكي للمعرفة
قائمٌ على هذه الفكرة: العالم موجودٌ هناك، والوعي يتّجه نحوه، فيدخل الموضوع إلى
الوعي ويُهضم فيه. المعرفة إذن هي استيعاب الخارج وتحويله إلى محتوى داخلي.
وهذا بالضبط هو ما يرفضه هوسرل.
4. المَعيش (Le vécu)
من
أدقّ المفاهيم الهوسرلية وأكثرها خصوصية مصطلح المَعيش أو ما يُعاش في
الوعي (le
vécu de conscience). وينبغي الانتباه إلى أن هذا المصطلح لا يعني "التجربة
الحياتية" بالمعنى اليومي، ولا يعني الحنكة المكتسبة من ممارسة الأمور.
المَعيش هو ببساطة: كل ما يجري داخل الوعي. الإحساس البصري
مَعيش، والصوت الذي تسمعه مَعيش، والعاطفة التي تجيش مَعيش، والفكرة التي تتبلور
مَعيش، والذكرى التي تنتاب مَعيش.
لنُجسِّد هذا بمثال: إذا وقف أحدنا أمام باب ونظر إليه، فهو لا يُدرك مجرد صورة بصرية هندسية للباب. بل يُدرك ألوانه وحواشيه وخدوشه، ويُفكّر في طلائه المتآكل، ويتساءل عمّا أُلصق عليه، ويتأمل مقبضه، وتنتابه كل الأيدي التي لمسته... هذا كلّه هو المَعيش. وما يقوله هوسرل هو أن الإحساس البصري البسيط لا يختلف من حيث طبيعته عن كل هذا الزخم الذهني المصاحب له؛ كلٌّ منهما هو محتوى وعي، لا غير.
ثالثاً: لا هو السولبسيزم ولا هو التجريبية المثالية
خطأ
رائج في فهم هوسرل
قد
يبادر القارئ إلى القول: "هذه هي نظرية السولبسيزم! القول بأن لا شيء خارج
وعيي!" وهذا فهم خاطئ لموقف هوسرل. (Solipsisme) لأن من اللاتينية solus بمعنى
وحيد - يُقرِّر أن الواقع الوحيد هو الواقع الذاتي الداخلي، وأنه لا وجود لشيء
خارج الوعي.
وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف بركلي (Berkeley) حين
زعم أن الواقع لا يعدو كونه إدراكاً ذاتياً، وأن الله وحده هو مصدر هذه الإدراكات.
وهذا ما تُصوّره الثقافة الشعبية في فكرة "المصفوفة" أو "الدماغ
في أنبوبة".
لكن
هوسرل يقول شيئاً مختلفاً تماماً: لا أقول إن العالم الخارجي غير موجود، ولا أقول
إنه موجود، أقول ببساطة: لا أستطيع أن أقول شيئاً في ذلك. لأن
الحكم على وجود العالم أو عدم وجوده يتطلّب منّي أن أتجاوز وعيي لأتحقّق، وهذا
بالضبط ما لا أستطيع فعله. كل ما أعرفه عن العالم يأتيني عبر وعيي، إذن لا سبيل
لي إلى التثبّت مما هو خارج هذا الوعي. الوعي دائرة مغلقة على نفسها، ومنها لا
يُفرّ.
رابعاً: الفينومينولوجيا - العودة إلى الظاهرة
الفينومينون:
ما يظهر للوعي
من هذا
المنطلق يُعرِّف هوسرل مشروعه. الفينومينولوجيا (Phénoménologie) من
الكلمة اليونانية phainomenon أي "ما يظهر" أو "ما
يتجلّى"، ومن logos أي
الخطاب والعلم. إذن
الفينومينولوجيا هي علم ما يظهر للوعي. والعالم في هذا
التصوّر ليس شيئاً يقف خارج الوعي وينتظر أن يُعرف؛ العالم هو الظاهرة، أي مجموع
ما يتجلّى لوعينا، لا شيء أقل ولا شيء أكثر.
فمنذ
غاليليو صاغ العلمُ العالمَ باعتباره واقعاً موضوعياً مستقلاً قابلاً للقياس
والرياضة، وكأن الطبيعة كتابٌ مكتوب بلغة الرياضيات - وهذا
لم يعكس الواقع بل جرَّد الواقع وحوّله إلى نموذج مجرد. والغرور العلمي في
بناء نظريات شاملة عن "العالم في ذاته" يقوم على افتراض لا
يُسنده دليل: أن ثمة عالماً في ذاته يمكن الوصول إليه. ما تُطالب به
الفينومينولوجيا عند هوسرل هو الدقة والأمانة المعرفية: لا
تتحدّث إلا عمّا تعرفه فعلاً، ولا تعرف فعلاً إلا الظاهرة، أي المَعيش.
وهذه هي العبارة الشهيرة التي تختصر المنهج الهوسرلي: "العودة إلى الأشياء ذاتها" (Retour aux choses-mêmes). وما "الأشياء ذاتها" هنا إلا المَعيش والظاهرة، لا الأشياء كما نتخيّل أنها تقع خارجنا.
خامساً: المنهج الفينومينولوجي - إيقاف الحكم
خطوة
أبعد: تعليق الافتراضات
بعد
تشخيص المشكلة يمضي هوسرل إلى صياغة منهجه. فإذا كانت الفينومينولوجيا تقول إنه لا
يوجد إلا الظاهرة، فالخطوة الأولى في المنهج الفينومينولوجي هي إقصاء كل ما لا
يُعدّ ظاهرة.
وما ليس ظاهرة هو تحديداً: العالم
بوصفه واقعاً موضوعياً مستقلاً، أي العالم كما يتمثّله الموقف الطبيعي.
إن
الموقف الطبيعي - كما أشرنا - هو وهمنا البدهي بأن الموضوعات توجد باستقلالية عن
وعينا. والفينومينولوجيا لا تنفي هذا ولا تؤكده، بل تُعلِّقه. وهذا
التعليق هو ما سمّاه هوسرل لاحقاً بالـEpoché (إيبوخه) وهي كلمة يونانية معناها "وقف
الحكم والامتناع عن الجزم"، استعارها من الفلاسفة الشكّاكين. الإيبوخيه
لا تعني رفض العالم، بل تعني إضعاف ثقتنا اليقينية غير المُمحَّصة في
الافتراض الصامت بأن وراء تجربتنا واقعاً مستقلاً، حتى نتمكن من دراسة الوعي من
الداخل بكل نزاهة.
الفينومينولوجيا:
العودة إلى الأشياء ذاتها
أولاً:
الموضوعية وهمٌ ميتافيزيقي
حين
نتحدث عن العالم الخارجي، نفترض عادةً — دون أن ندرك ذلك — أن ثمة واقعاً موضوعياً
يقبع خلف الظواهر التي تعرض نفسها على وعينا. هذا الافتراض هو ما تسميه الفلسفة الموضوعية: تصوُّر
العالم بوصفه حقيقة متعالية تتوارى خلف ما نراه ونسمعه ونحس به.
وقد
اقترب كانط من اختراق هذا الوهم حين ميّز بين عالمَين: عالم الظواهر — ما
يبدو لنا — وعالم الشيء في ذاته — ما هو عليه
الواقع مستقلاً عن إدراكنا له. بل إن كانط كان يعتزم تسمية أحد فصول نقد العقل
الخالص بـ"الفينومينولوجيا"، قبل أن يستقر على تسميته
"الجماليات الترانسندنتالية". غير أن كانط ارتكب، رغم كل ذلك، خطأً
جوهرياً: إذ أبقى على افتراض وجود "الشيء في ذاته" خلف الظواهر —
أي أبقى على حضور العالم الموضوعي، مكتفياً بالقول إنه غير قابل للمعرفة.
وهنا يأتي هوسرل ليقول: كانط لم يذهب بعيداً بما يكفي. أو بعبارة أدق: ذهب بعيداً في اتجاه خاطئ لأنه لم يذهب بعيداً بما يكفي في تعليق افتراضاته. فالقول بأن الشيء في ذاته غير قابل للمعرفة هو قول ضمني بأنه موجود. وهذا وجود لا دليل عليه.
المنهج الفينومينولوجي — خطوتان نحو الجوهر
الخطوة
الأولى: الإيبوخيه — تعليق الحكم
الخطوة
الأولى في المنهج الفينومينولوجي عند هوسرل هي ما يسميه بالمصطلح اليوناني إيبوخيه
(épochè)،
أي التعليق أو الإرجاء. والتعليق هنا يعني بالضبط ما تعنيه الكلمة: لن نقول
شيئاً، لأننا لا نعلم شيئاً. لا
نقول إن العالم الموضوعي موجود. ولا نقول إنه غير موجود. نُحيِّده. نضعه بين
قوسين. نخرجه من الدائرة.
كما
يقول هوسرل:
"وضع الموضوعيات خارج الدائرة". هذه
ليست شكّاً من باب العدمية أو اليأس المعرفي إنها إجراء منهجي دقيق، يهدف إلى
تنقية الإدراك من كل ما لا يُعطى مباشرةً في التجربة.
الخطوة
الثانية: الردّ — ماذا يتبقى؟
بعد
تعليق افتراض الوجود الموضوعي، يطرح هوسرل السؤال الجوهري: ماذا
يتبقى؟
ما
يتبقى هو ما يسميه هوسرل "الرؤية الخالصة" أو "المعطى
المطلق" — إدراك
لا يستورد شيئاً من الخارج، لا يستدعي أي افتراض عن واقع يتوارى خلفه، بل يكتفي
بما يُقدِّم نفسه للوعي مباشرةً. والرؤية هنا ليست رؤية بصرية فحسب — إنها كل ما
تراه الوعي، كل ما يُعاش ويُختبر داخل الوعي.
وحين
نُزيح عن التجربة كل ما ليس التجربة ذاتها — أي الافتراض بأن خلفها موضوعاً
مستقلاً تُحيل إليه — يتبقى لنا الظاهرة الخالصة. والعودة إلى
الظاهرة الخالصة هي بالضبط ما عناه هوسرل بشعاره الشهير: "العودة
إلى الأشياء ذاتها."
هوسرل وديكارت — حيث يلتقيان وحيث يفترقان
تأثّر
هوسرل بديكارت تأثراً عميقاً، وليس من الصعب فهم وجه الشبه: كلاهما ينطلق من لحظة
شك جذري، من تعليق كل الافتراضات لبلوغ أساس متين لا يقبل الشك. إلا أن هوسرل رأى
أن ديكارت — رغم جرأته الفائقة — لم يكتمل مشروعه.
يقول
ديكارت: ثمة شيء واحد لا أستطيع الشك فيه مهما حاولت، وهو أنني أفكر. وهذا
ما أعطاه الجملة الأشهر في تاريخ الفلسفة: "أنا
أفكر، إذن أنا موجود." لكن
هوسرل يرفع يده معترضاً: ديكارت كان ينبغي له أن يقول "تفكير" فحسب —
لا "أنا أفكر". إذ حين أقول "أنا"،
فأنا أضيف إلى ظاهرة التفكير كياناً موضوعياً قائماً بذاته — الأنا المفكِّرة
كموضوع مستقل موجود. وهذه الإضافة هي بالضبط ما تحاول الفينومينولوجيا تجنّبه.
ديكارت
يقدّم هذا الاستنتاج كمنطق صارم: لا تفكير بلا مفكِّر، لا فعل بلا فاعل.
لكن هوسرل يرى في هذا الاستنتاج تهوّراً. إنه قفز من الظاهرة — التفكير كما يُعطى
مباشرةً — إلى افتراض — وجود ذات مفكِّرة كموضوع. وهذا الافتراض بعينه هو ما يجب
تعليقه.
ديكارت،
رغم أنه ذهب أبعد من أي فيلسوف قبله في مساءلة الافتراضات، بقي بقدمٍ واحدة في ما
يسميه هوسرل "الموقف
الطبيعي" — ذلك
الموقف الساذج الذي يُسلِّم بوجود عالم موضوعي دون مساءلة. لقد حوّل
ديكارت الوعيَ الذاتي إلى موضوع،
بينما الشيء الوحيد الذي يصح تسميته موضوعاً — بالمعنى الدقيق — هو الظاهرة
ذاتها، ما يُدرَك، لا الشيء الذي يُدرِك.
الظاهرة
أوسع مما نظن — الوعي القصدي
ثمة
خطأ شائع يجب تجنّبه هنا: الاعتقاد بأن الظاهرة تعني الإدراك الحسي فحسب، ما نراه
بأعيننا ونسمعه بآذاننا. لكن هوسرل يوسّع هذا المفهوم توسيعاً جذرياً.
الظاهرة
هي كل ما يشغل وعيك في لحظة بعينها. المشاعر المتشابكة مع الإدراك جزء من
الظاهرة. الأفكار التي تخطر ببالك جزء من الظاهرة. العلاقات التي تستنتجها،
والأحكام التي تُصدرها، والمقارنات التي تُجريها — كل هذا ظاهرة، لأن كل هذا يشغل
الوعي.
وهذا
يقودنا إلى مبدأ محوري في الفينومينولوجيا الهوسرلية: مبدأ التي تعني أن
الوعي دائماً وعيٌ بشيء ما، دائماً مُوجَّه نحو موضوع، لا يكون خالياً
أبداً. الوعي لا يجلس في الفراغ: إنه يتجه، يرصد، يُصوِّب.
وما هو
لافت في هذه النقطة أن الوعي لا يقتصر على استقبال المعطيات السطحية، بل يتجه في
الوقت ذاته نحو ما يقوله لنفسه عن تلك المعطيات. حين تنظر إلى الحاسوب أمامك، لا
يكتفي وعيك برؤيته بل يُشغِّل في الوقت نفسه افتراض أن هذا الحاسوب موجود مستقلاً
عن رؤيتك له. وهذا الافتراض — رغم أنه مجرد افتراض — هو جزء من الظاهرة. إنه يشغل
وعيك، وبالتالي ينتمي إلى مجال التجربة المعاشة.
يكتب هوسرل بوضوح: "الإحالة إلى الموضوع المتعالي هي سمة داخلية للظاهرة." بمعنى: حتى الافتراضات الخاطئة، حتى التصورات غير الدقيقة — ما دامت تشغل الوعي فهي جزء من الظاهرة. الظاهرة لا تُحكم عليها بالصواب أو الخطأ: هي ببساطة ما يحدث في الوعي.
من الغرفة إلى الكون — درس كامو الفينومينولوجي
في
رواية الغريب لألبير كامو، يجلس مرسو في زنزانته ينتظر تنفيذ حكم
الإعدام. ولقتل الوقت، يُحاول تخيّل شقته — يستعيد تفاصيلها واحدة واحدة. في
البداية، لا يأخذ منه ذلك إلا ثوانٍ معدودة. ثم يأخذ منه دقائق. ثم ساعات. يصبح
منهمكاً في كل بروز على الجدران، كل درجة من درجات الألوان، كل سنتيمتر من الأثاث.
يذوب في تصوّره للمكان حتى يصبح المكانُ هو.
هذه
اللحظة في الرواية هي، دون قصد ربما من كامو، استعارة فينومينولوجية مثالية. أن
تقول لا يوجد سوى الظاهرة، لا يوجد سوى التجربة المعاشة، يعني أنه حين أُدرِك
شيئاً، لا أعود أنا الذي يُدرِك: أصبح ما أُدرِكه. تختفي الأنا كموضوع
مستقل، ولا يبقى إلا ما يظهر، ما يُعطى، ما يُعاش.
التعميمات والمفاهيم — ظواهر هي الأخرى
يذهب
هوسرل خطوة أبعد مما قد يتخيله المرء: فحتى التعميمات والمفاهيم المجردة تندرج
ضمن الظاهرة.
أرى
جسماً أحمر، فأستخلص منه مفهوم الحمرة، ثم منه مفهوم اللون الأشمل —
هذا الاستخلاص هو ظاهرة، لأنه يحدث في الوعي. العلاقات التي أُقيمها بين الأشياء،
الروابط التي أُلاحظها، المقارنات التي أُجريها — كل ذلك يبدو للوعي كرؤى خالصة،
وكل ذلك ينتمي إلى مجال التجربة المعاشة.
وهذا
يمتد بعيداً: أتأمل صورة قديمة لي، فتتكاثر في وعيي أفكار عن سرعة مرور الأيام،
وقصر الحياة. هذا التأمل — مهما بدا بعيداً عن الإدراك الحسي المباشر — ظاهرةٌ
أيضاً، لأنه حاضر في الوعي وفاعل فيه. أستمع إلى موسيقى، فأدرك أنني أسمع
لحناً لأن وعيي يحتفظ في الوقت نفسه بذكرى النغمات السابقة، ومن هنا يولد مفهوم الاستمرارية الزمنية. الظاهرة
جرفتني إلى ما هو أبعد من مجرد الإحساس، إلى التأمل والتفكير والاستنتاج.
يصوغ هوسرل هذا بدقة "كل تجربة فكرية، وكل تجربة بوجه عام، في لحظة تحققها، يمكن أن تصبح موضوع رؤية خالصة وإمساك مباشر، وفي هذه الرؤية هي معطى مطلق. إنها معطاة كوجود، ككيان محدد، يكون التشكيك في وجوده ضرباً من اللاعقل."
العلم
والحياة — الهوّة المتسعة
خلف
تعقيد الفينومينولوجيا الهوسرلية يكمن، مفارقةً لافتة، هاجس الملموس، قلقٌ
على الحياة اليومية المعاشة.
فقد
اختزل العلم الحديث العالمَ إلى تجريد بارد: معادلات رياضية، جسيمات دون ذرية،
قوانين فيزيائية تصف ما لا يُرى ولا يُلمس ولا يُحسّ.
العالم الذي يصفه العلم هو عالم مُقنَّن ومُحكَم، لكنه في الوقت ذاته عالم
تستعصي علينا معايشته ، لأنه انفصل عن الطريقة التي نعيش فيها فعلاً، عن
التجربة البشرية المباشرة في يومياتها.
ما
الذي يعنيه القول إن الشجرة التي أراها هي في الواقع مجموعة من الجزيئات والذرات
تتحرك وفق قوانين فيزيائية؟ ماذا يُبقي هذا الوصف من الشجرة التي أجلس تحت ظلها
وأسمع حفيف أوراقها؟ أيّ عالم نسكنه: عالم المعادلات، أم عالم اللحظات؟
ثمة
فجوة عميقة تتسع بيننا وبين العالم الذي نسكنه. العلم أعطانا سيطرة غير مسبوقة على
العالم — القدرة على تحويله وتطويعه وتكييفه لخدمة طموحاتنا المتنامية. لكن في
هذه السيطرة، أنستنا شيئاً جوهرياً: أننا لسنا أسياداً خارج العالم ننظر إليه من
بعيد، بل كائنات داخله، بل كائنات هي هذا العالم بمعنى ما.
إذن الفينومينولوجيا هي محاولة لردم هذه الفجوة: أن
نعود إلى التجربة المعاشة، إلى الشيء كما يبدو لنا لا كما تصفه النظريات، إلى
الوعي في لحظة اشتباكه الحي مع العالم.
خاتمة:
العالم بلا وعي، ووعي بلا عالم
تنتهي
الفينومينولوجيا الهوسرلية إلى مكان مفاجئ: لا هي تُلغي العالم، ولا هي تُلغي
الوعي بل تُعيد صياغة العلاقة بينهما
صياغةً جذرية. لا وعيَ خالصاً منفصلاً عن العالم ينظر إليه من وراء زجاج — الوعي
دائماً وعيٌ بشيء. ولا عالمَ موضوعياً قائماً بذاته في غياب الوعي الذي يُدركه — العالم
دائماً عالَمٌ لوعي ما.
هذه
ليست نسبية أخلاقية أو فوضى معرفية. إنها دعوة إلى الأمانة: أن نبدأ من حيث نحن
فعلاً، من التجربة المعاشة، من اللحظة الراهنة للوعي في اشتباكه المباشر مع
العالم. قبل كل نظرية، قبل كل افتراض، قبل كل "شيء في ذاته" يتوارى
خلف ما نرى — ثمة الظاهرة، ما يُعطى مباشرةً، المعطى المطلق الذي لا يحتاج إلى
تبرير لأنه الأساس الذي يحتاج إليه كل تبرير.
"خلف
تعقيد الفينومينولوجيا قلقٌ بسيط : أن
يعود الإنسان إلى عالمه المعاش، قبل أن يكون المرور بالعلم قد جعل هذا العالم
غريباً عليه. لأنه إذا كان العالم لا شيء بدوننا، فنحن لا شيء بدون العالم."
يحقّ
لنا في ختام هذه الجولة أن نعتبر هوسرل مُنجزاً ثورة كوبرنيكية في الفلسفة، تضاهي
في أهميتها ثورة كانط ذاتها. فكما أن كوبرنيكوس قلب الصورة الفلكية بالقول إن
الأرض تدور حول الشمس لا العكس، جاء هوسرل ليقلب الصورة المعرفية: ليس الوعي من
يدور حول العالم محاولاً الإمساك به، بل العالمُ - بكل ما فيه - ليس إلا ما يظهر
للوعي في أفق الوعي. هذا
التحوّل ليس مجرد تمرين أكاديمي؛ إنه يُقوِّض الأسس التي قامت عليها نظريات
المعرفة الكلاسيكية ويُعيد طرح السؤال الفلسفي الأول من جديد: ماذا
نعني حين نقول إننا نعرف؟
الجواب الهوسرلي البسيط العميق: نعني أن شيئاً ما تجلّى في وعينا. وكلّ
ما زاد على ذلك من القول بالعوالم
المستقلة والواقعيات الموضوعية - هو تجاوز غير مشروع لما يمنحه الوعي، تجاوزٌ
تتولّى الفينومينولوجيا كشفه وتعليقه ومساءلته.
