أصل اللغة البشرية: رحلة في أعماق التاريخ والعلم

 



مقدمة

لا يزال أصل الكلام البشري ولغة البشر لغزاً محيراً وسراً يُقارن في زمننا هذا بأسرار عالمنا الرئيسية كنشوء الكون وظهور الحياة على الأرض واكتساب الإنسان للعقل. يمكن مقارنة عدد نظريات أصل اللغة بعدد نظريات ولادة الحياة. وفي الربع الأخير من القرن الماضي، أدى تطور علوم الآثار والوراثة والأنثروبولوجيا إلى ظهور تصورات نظرية وأفكار واحتمالات وفرضيات ومقاربات جديدة لأصل الكلام..

حيث تنقسم النظريات الحالية المتعلقة بأصل اللغة إلى ثلاث مجموعات رئيسية، تفسر كل منها على طريقتها المسألة الرئيسية لأصل اللغة والكلام:

المجموعة الأولى: نظرية الطفرة الوحيدة

ترى المجموعة الأولى من العلماء أن عملية التطور (النشوء والارتقاء) عند الإنسان شهدت إما طفرة وحيدة وإما تحولات راديكالية سريعة في تطور المجال المعرفي عند البشر. بعد ذلك صار الإنسان يستعمل في تواصله أصواتاً ومفاهيم ترمز إلى ما يحيط به. في إطار هذا التصور النظري يعمل اللغوي المتخصص بعلم اللسانيات والفيلسوف نعوم تشومسكي.

المجموعة الثانية: نظرية التطور التدريجي

بالعكس من ذلك، ترى المجموعة الثانية أن خاصيات التواصل الصوتي والإيمائي عند الحيوانات راحت تتطور بالتدريج وتتراكب فيما بينها عند أسلاف الإنسان. ونتيجة العديد من الطفرات وتطور أدوات العمل والتغيرات في بنية الدماغ والحنجرة وعضلات الجهاز التنفسي، وكذلك بفضل الاصطفاء الطبيعي، تحولت لغة الحيوانات إلى كلام واضح عند الإنسان. يستند علماء هذه المجموعة إلى أعمال تشارلز داروين، أما عالم البيولوجيا التطورية الأمريكي ويليام فيتش فهو أحد العاملين على تبسيط هذه الفكرة وترويجها.

المجموعة الثالثة: النظرية التوفيقية

تحاول المجموعة الثالثة الجمع بين النظريتين السابقتين. فيرى أنصارها أن تحولات راديكالية في تطور المجال المعرفي، وكذلك طفرات وحيدة، قد لعبت دورها في ظهور الكلام عند البشر، لكن أسلافنا اقتربوا من هذه التحولات على نحو تطوري بطيء مروراً بالعديد من المراحل. يؤيد وجهة النظر هذه الاختصاصي في العلوم الاستعرافية (علوم الإدراك) ميرلين دونالد وعالم الاجتماع نيكلاي روزوف.

التحديات الأساسية في دراسة أصل اللغة

غياب الشواهد المباشرة:

 عندما نناقش مشكلة أصل اللغة، فإننا نعود بنظرنا إلى ذاك الزمن الموغل في القدم الذي لم تبقَ منه عملياً أية شواهد على أقل تقدير - لم تبقَ منه شواهد مباشرة تحديداً. نحن نناقش أصل الإنسان، بما في ذلك أصل اللغة، بناءً على معطيات غير مباشرة حصراً.

التطور العلمي الحديث: منذ وقت قريب، ولحسن الحظ، صار علم الوراثة يتطور بنجاح، وبفضل التقنيات صار يتطور علم الآثار وعلم الأحافير (البالينتولوجيا) وعلوم أخرى مشابهة. وفي النتيجة صار يظهر طبعاً كثير من المعلومات الجديدة، ومع ذلك ليست كافية لوضع نظرية قاعدية متناسقة.

 لهذا نحن مضطرون حتى اليوم أن نعمل في ميدان الفرضيات فقط. وفي المحاولات التي تُبذل الآن لوضع الفرضيات تُستعمل أيضاً معطيات علماء الآثار وعلماء الفيزيولوجيا العصبية وعلم الوراثة، أي العلوم التي تواصل تطورها بشكل حثيث. ورغم كل ذلك يبقى السؤال مطروحاً: متى لُفظت أول كلمة؟ متى وكيف؟ يبقى هذا السؤال مفتوحاً بغض النظر عن الكم الهائل من المعارف التي راكمناها، وهنا تكمن الصعوبة الرئيسية.

القدرات التواصلية عند الحيوانات:

تجارب الحيتان القاتلة:

أظهرت تجارب علمية قدرات تواصلية مذهلة لدى بعض الحيوانات. في إحدى التجارب، كان اثنان من الحيتان القاتلة مفصولين بجدار صم غير شفاف. كان يجب على كل منهما في سياق التجربة أن يضغط في تسلسل معين على دواسة كي يحصل على الطعام. أحدهما فهم كيف ينبغي القيام بذلك على وجه صحيح، وعندئذ أخبر الحوت الآخر بواسطة أصوات معينة ماذا ينبغي أن يفعله. لم يكن أحدهما يرى الآخر، ولكنهما كانا يسمعان الأصوات. ولم يكن على الحوتين مجرد الإجابة عن سؤال بنعم أو لا، بل كان يجب أن يحافظا على التسلسل - أحدهما كان ينقل للآخر معلومة صوتية، وكان الآخر يفهمها وعلى الفور يقوم بنفس الشيء.

رغم هذه القدرات المذهلة، يبقى هناك فرق جوهري بين تواصل الحيوانات ولغة الإنسان: يتجلى في محدودية التواصل عند الحيوانات محدود بالحاجة البيولوجية. الحيتان القاتلة تتواصل في بعض حالات عندما تشعر بالخطر أو عندما تحاول الحصول على الطعام. نقل المعلومات عندها يجري عند محاولة الحصول على الطعام أو في حالات الخطر.

قدرة الإنسان على التجريد

 في حين أن الإنسان قادر على الحديث فيما لا يتعلق بحاجاته الفيزيولوجية، ويمكنه الكلام عن أشياء مجردة، والأهم أنه يستطيع الكلام عن أمور لا معنى لها من وجهة نظر البقاء البيولوجي كتابة الشعر مثلاً، أو الأفكار الفلسفية، أو الفلسفة وغير ذلك. بينما ما من حيوان واحد يمتلك مثل هذه الخصائص، بغض النظر عن قدراته - التواصل محدود بالحاجة البيولوجية.

فإذا كانت هناك قدرة معرفية ما يمكن الكشف عنها في ظروف التجربة، فعندئذ سيرسم الفيل بالفرشاة وسيبدأ الحوت القاتل القيام بأشياء ما غير عادية في ظروف التجربة، وكل شيء مقابل مكافأة - مقابل مكافأة حصراً. وعندما لا ينال شمبانزي المكافأة، قد ينهال بالشتائم على الإنسان، كما حدث مع الشمبانزي الشهيرة "واشو" التي شتمت العالم المشرف على التجربة ووصفته بكلمات بذيئة تُترجم بصيغ مختلفة، كان أفضعها "قذر مرحاض سيء"، هكذا وصفت الشمبانزية عالمة المختبر التي لم تعطها موزة. فعلت ذلك لأنها لم تنل المكافأة.

العوامل المؤثرة في القدرة اللغوية:

بنية الدماغ: يتوقف الحد المعرفي بالدرجة الأولى على بنية الدماغ كما يقول علماء الأعصاب.

الجهاز الصوتي: يتوقف أيضاً على درجة هبوط الحنجرة كما يقول علماء الفيزيولوجيا. يجب أن تكون الحنجرة هابطة متدلية لكي يستطيع الكائن النطق والكلام.

العوامل الوراثية: يتوقف كذلك على طفرة جينية كما يقول علماء الجينات. لا شك أن الأمر يتوقف على كل هذه الجوانب مجتمعة. لا يمكن ذكر عامل واحد من شأنه أن يحدد قدرة الشمبانزي على استذكار إشارات ورموز دالة على كلمات.

بالإضافة إلى ذلك، يجب في المقام الأول أن نأخذ بالحسبان مستوى تطور الدماغ بوصفه جزءاً رئيسياً من الكائن يوجه منظومته بالكامل، وبعد ذلك فقط يجب أن نأخذ بالحسبان عوامل من قبيل تموضع الحنجرة. كل شيء هنا يتوقف كذلك على فيزيولوجيا جسمنا وعضويتنا وعلى عمل دماغنا.

تأثير الثقافة على تطور الدماغ:

كبح التطور البيولوجي في مرحلة معينة من التطور، تكبح الثقافة بحدة تطور الدماغ من ناحية البنية. بالضبط، الذكاء يكف عن أن يكون عاملاً هاماً للبقاء على قيد الحياة - لم يعد ضرورياً من أجل البقاء، لأننا نستعمل تقنيات مختلفة حتى دون فهم لمبادئ عملها.

مبدأ الاقتصاد البيولوجي: وهذا يعني، كما يقول علماء، إذا كان بالإمكان العيش بدماغ أكثر بساطة فنحن سنكتفي به - الدماغ يفقد الميل نحو التطور المستمر. هناك العديد من أسباب أُميتنا الوظيفية (بعبارة مجازية) أو جهلنا الوظيفي.

التفاعل بين البيئة والإنسان: الثقافة والوسط الاجتماعي المحيط أيضاً يؤثران على سلوكنا، على توجيه طبعنا الجيني الوراثي. ولذلك فإن كل الأمور هنا مترابطة، ولا يمكن النظر إلى الإنسان خارج بيئته، ولا يجوز بحال من الأحوال وضع الوسط المحيط والإنسان أحدهما في مواجهة الآخر. إن الإنسان ككائن حي بيولوجي يأخذ من هذا الوسط ما ييسر له المحافظة على ذاته.

نظرية التكرار الجيني الحيوي:

قانون إرنست هيكل ينص تصور إرنست هيكل النظري على أن تطور الفرد (نمو الفرد) يكرر تطور النوع - وهو ما يُسمى بالقانون الجيني الحيوي.

تطبيق النظرية على القردة: إذا كان القرد المعاصر قادراً من حيث الإمكانات المعرفية بلوغ مستوى تطور طفل بعمر سنتين ونصف السنة، فهل يعني أنه (أي القرد) يتخلف عن الإنسان بما يعادل فترة زمنية معينة، وأنه سيلحق بنا بعد بضع مئات الآلاف من السنوات؟ القردة تتخلف عنا بضعة ملايين من السنين، لا مجرد آلاف السنوات. ولذلك، ولكي تقطع طريق التطور الذي مر به الإنسان، يجب أن تمتلك الاحتياطية الجينية نفسها (الجينوم نفسه) الذي كان عند الإنسان في المرحلة الباكرة من صيرورته، وعندئذ يمكن القول إن تطور القردة سيحصل.

ذلك يحدث في حال تكررت شروط التطور ذاتها وطريق الطفرات التدريجية ذاته، عندئذ يمكن أن يؤدي هذا إلى ظهور الكلام عند القردة. ولكن لا نستطيع ضمان عدم الإخلال بأي من هذه الشروط. إذاً، وبكل بساطة ووضوح، لا معنى للافتراض أن القردة ستنطق حتى لو وُجد لديها دماغ متطور وبنية جسدية متطورة كتلك التي عند الإنسان - إما تطابق عوامل كثيرة مرة واحدة وإما لا مناص من تدخل بشري جيني.

تجارب معهد ماساتشوستس التكنولوجي

في أيلول من عام 2014، نشرت مجلة "بي إن إيه إس" العلمية مقالة عن عمل باحثين من معهد ماساتشوستس التكنولوجي. أجرى العلماء تبديلين على جين فوكس بي 2 عند فأر بحيث جعلوا هذا الجين بشرياً.

نتائج التجربة

أثرت العملية راديكالياً على هذه القوارض:

  • لم تتعلم الكلام
  • صارت أكثر ذكاءً من مثيلاتها
  • أسرع في اتخاذ القرارات
  • تجنبت الأخطاء في تنفيذ المهمات

التأثيرات على مستوى الدماغ: تبين للعلماء أن "أنسنة" هذا الجين أثرت بقوة على مستوى نشاط الجينات الأخرى عند الفئران:

  • غيّر الجين البشري مستوى الدوبامين
  • الدوبامين بدوره زاد لدونة المشابك العصبية
  • افترض العلماء أنه تسنى لهم بدرجة ما من خلال هذه التجارب محاكاة تطور دماغ الإنسان نحو ظهور الكلام

نظرية التطور التدريجي للغة

موقف ستيفن بينكر: تطور اللغة وتطور الدماغ عملية مديدة وبطيئة جداً. أما التطور الانفجاري للدماغ، فلم يبدأ - كما يرى الباحثون - إلا عندما نطق الإنسان، لأن الفصين الجبهيين صار يتطوران بسرعة تفوق 70 مرة سرعة تطور الأجزاء الأخرى كافة، وذلك تحديداً بعد أن نطق الإنسان، بعد أن أخذ يتكلم.

وبالتالي عندما حصل الإنسان على وسيلة اهتداء كهذه في مجاله التواصلي المعرفي، بدأ التطور الانفجاري إذا جاز التعبير، كانت الطفرات طبعاً تتراكم بالتدريج، ولكن جيناً واحداً بالفعل يمكنه أن يغير شيئاً ما وربما في زمن قصير جداً.

بعد ذلك فإن آليات ما تغدو فطرية على سبيل المثال آليات تكوين المعنى، لأن الإنسان الآن يولد دون ما حاجة إلى إنشاء هذه الآلية من جديد، فهو بات قادراً على الربط بين المواد - بين التراكيب الصوتية ومفاهيم ما - وهذا في صلب برنامجه الجيني.

نعوم تشومسكي والقدرات الفطرية

القدرات اللغوية الفطرية: نعوم تشومسكي على حق جزئياً عندما يتحدث عن القدرات اللغوية الفطرية - لا عن القدرات الفطرية فيما يخص لغة ما محددة. فهو يتحدث تحديداً عن فطرية الآليات اللغوية، خاصة عن وجود أجزاء معينة من الدماغ مسؤولة عن هذه الآليات.

اكتشافات القرن التاسع عشر

في القرن التاسع عشر:

  • اكتشف الجراح بول بروكا مراكز النطق في الدماغ
  • كشف كارل فيرنيكي مناطق الدماغ المسؤولة عن فهم الكلام

طبعاً هذه المناطق متخصصة، لكنها متصلة مع غيرها من قطاعات الدماغ. ولكي تتم هذه الصلة، كان من الضروري حدوث تطور تراكمي تدريجي من التغيرات.

الفرق بين تشكل اللغة وإتقانها

لم يكن هيجل مصيباً فيما يخص ظهور اللغة سريعاً، لأن تشكُّل اللغة وإتقان لغة جاهزة أمران مختلفان تماماً. يتقن اللغة الجاهزة إنسان آخر مختلف جينياً وثقافياً.

ظاهرة أطفال ماوغلي

إذا كان الكلام واللغة شيئاً ما فطرياً، فلماذا هناك مرحلة معينة حيث ينبغي أن تفعِّل هذه الآلية فعلها؟ فإن لم تتفعل في مرحلة معينة، لن يكون بالإمكان بعد ذلك تعليم الشخص الكلام.

ثمة بضعة أمثلة على أطفال ماوغلي تخلى عنهم أهلهم فترعرعوا بين الحيوانات (بين الوحوش). وعند استعادتهم إلى المجتمع البشري تعذر تعليمهم، فلم ينطقوا أبداً، وغالباً واظب أمثال هؤلاء على سلوك الحيوانات، وفي النتيجة ماتوا إما بسبب الاكتئاب أو غيره من العوامل.

التفسير الفسيولوجي العصبي

آليات فطرية لا لغة فطرية: بعض آليات إنتاج اللغة فطرية - بعضها وحسب. هذا لا يعني أن لغة ما محددة هي فطرية. مثلاً، الشخص لا يولد وينطق باللغة الروسية لأنه روسي جينياً - المسألة ليست هنا. لهذا تفسير فيزيولوجي عصبي: عندنا قطاعات مختلفة من القشرة الدماغية لها وقت معين للنضوج البيولوجي:

الفترة الحرجة للتعلم

لكل قطاع من الدماغ مرحلة نضوج، وتلك القطاعات المسؤولة عن إنتاج اللغة، وتلك القطاعات التي لم يُحل لغزها بعد، لها أيضاً زمن نضوج. وفي حال نضوجها تغدو بنية متكونة.

يمكن تعليم الإنسان اللغة أو الكلام بعد ست سنوات أيضاً، ولكن الأمر سيكون صعباً وصعباً جداً لأنه لم تتكون الآليات المعرفية الضرورية، فاستقرت بنية الدماغ. ولذلك لا يستطيع مثل هذا الشخص إتقان اللغة على أكمل وجه.

الحالات الموثقة: وفعلاً لم تكن ثمة حالة واحدة تشهد أن الأطفال أو الأشخاص الذين عُثر عليهم في الغابات قد نطقوا فيما بعد بلغة سليمة. يصف الإنجليز بضعة أمثلة ناجحة، ولكن كانت لها ظروفها الخاصة. ونجد في العلم توصيف ما لا يزيد عن 30 حالة تعاملت مع أطفال الماوغلي. ولذا فإن أسباب تعذر تعليم الكلام تتعلق بالفيزيولوجيا العصبية: نحن لا نستطيع الكلام إذا لم نقم بذلك في العمر المناسب.

التفاعل بين الطبيعة والثقافة

يقول عالم الفيزيولوجيا السوفيتي بيوتر أنوهين في محاضرة له: "أنا أعرف بدقة شاردة واحدة ماذا يجري في عصبونات الدماغ على المستوى الكهروكيميائي. يمكنني أن أذكر أية مواد وكيف تنتقل إلى عصبونات أخرى عن طريق المحاور العصبية، وبعد ذلك أصل إلى حد معين وأقول: أما التفكير أيها السادة فمثالي، أي أنني لا أستطيع التفسير كيف يتشكل التفكير".

"مثالي" بالمعنى الفلسفي - في أي معنى كان، حتى بالمعنى التجريبي الاختباري والمادي على وجه الخصوص لا يمكن تفسير الأمر.

خطورة المعرفة الكاملة

في الحقيقة، نحن سعداء جداً إذ لا نستطيع حتى الآن تفسير ذلك، لأننا إذا عرفنا ذلك سندمر أنفسنا فوراً.

الخلاصة: تعقيد مسألة أصل اللغة

تكامل العوامل

تُظهر الأبحاث الحديثة أن أصل اللغة البشرية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة:

1.  التطور البيولوجي: التغيرات في بنية الدماغ، والحنجرة، والعمود الفقري

2.  الطفرات الجينية: التراكم التدريجي للطفرات مع احتمالية وجود طفرات حاسمة

3.   الاصطفاء الطبيعي: دور البيئة في توجيه التطور

4.  البعد الثقافي: تأثير الثقافة والمجتمع على تطور اللغة واستخدامها

الطبيعة التدريجية للتطور

الأدلة تشير إلى أن ظهور اللغة لم يكن حدثاً مفاجئاً ناتجاً عن طفرة وحيدة، بل كان عملية تدريجية امتدت على مدى ملايين السنين. هذه العملية تضمنت:

  • تراكم تغييرات فيزيولوجية متعددة
  • تطور الآليات العصبية المعقدة
  • نضوج القدرات المعرفية بالتدرج
  • تفاعل مستمر بين الجوانب البيولوجية والثقافية

التفرد البشري

رغم القدرات التواصلية المذهلة لدى بعض الحيوانات، يبقى الإنسان فريداً في قدرته على:

  • الكلام عن أمور مجردة لا علاقة لها بالحاجات البيولوجية المباشرة
  • إنتاج وفهم تراكيب لغوية غير محدودة
  • نقل المعرفة عبر الأجيال بطرق معقدة
  • استخدام اللغة للإبداع الفني والفلسفي

التطبيقات العملية

فهم أصل اللغة له أهمية تتجاوز الفضول العلمي:

  • في الطب: فهم اضطرابات اللغة والنطق بشكل أفضل
  • في التعليم: تطوير طرق أكثر فعالية لتعليم اللغات
  • في التكنولوجيا: تحسين أنظمة معالجة اللغة الطبيعية والذكاء الاصطناعي
  • في علم النفس: فهم العلاقة بين اللغة والفكر والهوية

البروفيسورة فيرا بشاينيكفا

البروفيسورة فيرا بشاينيكفا هي دكتورة في علوم اللغة وأخصائية في علم اللسانيات، وعضو مراسل في أكاديمية العلوم بالمدرسة العليا للاقتصاد. تتناول جميع النظريات والفرضيات والتصورات النظرية المتعلقة بأصل اللغة في إطار دورات متكاملة من المحاضرات في جامعة موسكو الرسمية للسانيات.

مناصبها ومسؤولياتها

  • أستاذة في قسم علم اللغة العام والمقارن
  • رئيسة تحرير حولية "الواقع اللغوي للإنسان والإثنية"
  • رئيسة تحرير مجلة "رش" الدولية
  • مديرة مختبر علم اللسانيات النفسي في جامعة موسكو الرسمية للسانيات

إنجازاتها العلمية

  • أكثر من 450 بحثاً علمياً
  • خمسة كتب علمية
  • 11 كتاباً مدرسياً
  • مساهمة في تحرير الكتب الخاصة بتاريخ أصل اللغة

المراجع والمصادر

يُعتبر كتاب "أصل اللغة: وقائع، أبحاث، فرضيات" لمؤلفته سفيتلانا برلاك من المراجع الهامة في هذا المجال، حيث يتضمن أمثلة عن تجارب علمية مثيرة ومعلومات قيمة حول قدرات التواصل عند الحيوانات والتطور اللغوي البشري.

ختاماً:

تبقى مسألة أصل اللغة البشرية واحدة من أعظم الألغاز العلمية التي تواجه البشرية. فهي تتطلب تضافر جهود علماء من تخصصات متنوعة وتطوير أدوات بحثية جديدة. وبينما قد لا نصل أبداً إلى إجابة نهائية حاسمة، فإن الرحلة نحو فهم كيف اكتسب الإنسان هذه القدرة الفريدة تمثل بحد ذاتها إنجازاً علمياً وفكرياً عظيماً. لأن  اللغة ليست مجرد أداة تواصل - إنها جوهر إنسانيتنا، وسيلتنا للتفكير المجرد، ووعاء ثقافتنا وحضارتنا. وفهم أصلها يعني فهم ما يجعلنا بشراً، وهو سعي يستحق كل الجهد العلمي المبذول

 

تعليقات