الجيل القلق: كيف دمرت وسائل التواصل الاجتماعي طفولة أبنائنا

 



يمكننا القول إن نصف أطفالنا اليوم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم، وبمجرد أن تمنح طفلك هاتفًا ذكيًا وحسابًا على إنستغرام أو تيك توك أو سناب شات، فإن ذلك يمثل نهاية ما كنا نعتبره طفولة طبيعية. لقد ابتكرنا آلات تستخدم تقنيات التعزيز لتحقيق أقصى قدر من السيطرة على انتباه أطفالنا، حيث تتسابق المنصات الرقمية نحو التحكم في أدمغة وعقول أطفالنا، في محاولة لجذب الانتباه قصير المدى، وهو ما يعادل تمامًا الإدمان.

ظهور الأزمة:

من أهم من تحدث عن هذا الأمر عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايت، مؤلف كتاب "الجيل القلق"، حيث لاحظ تحولًا غريبًا في الحرم الجامعي حوالي عام 2014. ظهر نوع جديد من الأخلاق مدفوعًا بالقلق والهشاشة بين الطلاب، وعندما بدأ في جمع الأدلة، اكتشف أن المشكلة ليست محلية في أمريكا، إنما هي ظاهرة عالمية جديدة،  حيث تظهر البيانات أن معدلات الاضطرابات الداخلية، وبالأخص القلق والاكتئاب، ظلت مستقرة نسبيًا من أواخر التسعينيات حتى عام 2010 أو 2011 في الولايات المتحدة والدول الناطقة بالإنجليزية الأخرى. ثم حدث تحول مفاجئ حوالي عامي 2012 و2013، حيث ارتفعت المعدلات بشكل حاد للفتيات، مع منحنى أكثر تدرجًا للفتيان.

لم تكن هذه مجرد بيانات ذاتية عن الاكتئاب والقلق، بل امتدت لتشمل حالات إيذاء النفس، وهو مقياس سلوكي مباشر أكثر موثوقية. شوهدت نفس الأنماط في كندا والمملكة المتحدة وأستراليا وأوروبا الشمالية، مما يشير إلى أن شيئًا كبيرًا كان يحدث للأطفال في جميع أنحاء العالم الغربي.

التوقيت الذي ظهرت فيه هذه الأزمة: 

يتزامن ظهور هذه الأزمة مع فترة محورية في التاريخ التكنولوجي، في عام 2010، كان لدى معظم المراهقين هواتف بسيطة أو هواتف قابلة للطي. كان الآيفون موجودًا لكنه لم يكن شائعًا، ثم جاءت الكاميرا الأمامية مع آيفون 4 في 2010، وأصبح إنستغرام شديد الشعبية في 2012من هذا المنطلق تحولت الحياة الاجتماعية للمراهقين بشكل جذري من استخدام الهاتف للاتصال بصديق وترتيب لقاء بعد الظهر، إلى قضاء اليوم كله في التمرير والتعليق والنشر. الفترة من 2010 إلى 2015 شهدت إعادة توصيل كاملة للطفولة.

الفتيات الأكثر عرضة:

التأثير الأشد كان على الفتيات، وخاصة في سن ما قبل المراهقة (10-14 عامًا). تشير البيانات إلى زيادات تتراوح بين 50% و100% في مقاييس الاضطرابات النفسية بشكل عام، لكن بالنسبة للفتيات قبل سن المراهقة، تصل الزيادات أحيانًا إلى 200%. وبالنسبة لإيذاء النفس لدى الفتيات بين 10 و14 عامًا، كانت الزيادة تتجاوز 200% في زيارات المستشفيات.

هناك عدة عوامل تفسر هذه القابلية المتزايدة لدى الفتيات. تميل الفتيات بشكل أكبر نحو المشاعر السلبية عمومًا، وهن أكثر قبولًا للتأثر بالآخرين، مما يعني أن الإجماع الاجتماعي قد يكون أكثر أهمية بالنسبة لهن. كما يبدو أنهن يختبرن التهديد أو الألم بكثافة عاطفية أكبر، وهو ما يبدأ حقًا مع بداية سن البلوغ.

لأن الفتيات أكثر اهتمامًا بالناس والعلاقات الاجتماعية: لديهن خريطة ذهنية أكثر تفصيلًا للعلاقات الاجتماعية، ويهتممن بمن قال ماذا عن من وكيف عرفت أنه يعتقد ذلك. هذا الاتصال الاجتماعي الأكبر يجعلهن أكثر تأثرًا بما يرينه على وسائل التواصل الاجتماعي.

سلوك إيذاء النفس، الذي كان نادرًا للغاية بين الفتيات في سن 10 و11 و12 عامًا قبل 2012، انتشر كعدوى اجتماعية عبر هذه الشبكات المترابطة. المنحنى الحاد في البيانات يعكس هذا الانتشار السريع للسلوك المتطرف.

العالم الإلكتروني كساحة للقسوة:

العدوان الذكوري كان دائمًا مدعومًا في نهاية المطاف بالتهديد الجسدي، لكن هذا لا ينطبق على الإنترنت،  بالنسبة للفتيات، يتعلق الأمر بالتدمير السمعي وإلحاق الضرر بالعلاقات. والآن يمكن القيام بذلك بشكل مجهول ودون عواقب.

ما تفقده الطفولة:

بعيدًا عن التأثيرات المباشرة لوسائل التواصل الاجتماعي، هناك مشكلة أعمق تتعلق بما لا يفعله الأطفال أثناء انغماسهم في شاشاتهم. نحن كائنات ثديية، وجميع الثدييات تلعب عندما تكون صغيرة. اللعب يشمل أشياء محفوفة بالمخاطر، التعلم للقفز والتسلق، ألعاب المطاردة بين المفترس والفريسة. لهذا يجب أن نتفاعل مع العالم المادي والاجتماعي مرارًا وتكرارًا، عشرات الآلاف من المرات في بيئة منخفضة المخاطر حيث نمارس الهروب من "القرش"، وإذا أمسكنا، نضحك ثم نعيد المحاولة. في القيام بذلك، يقوم الدماغ بتوصيل نفسه. الدماغ يصل بالفعل إلى 90% من حجمه الكامل بحلول سن السادسة، لذا الأمر لا يتعلق بالنمو بعد ذلك، بل بتقليم الخلايا العصبية التي لا تُستخدم وتعزيز الدوائر التي تُستخدم.

يجب أن يحدث اللعب على مدى فترة طويلة من الزمن، لعب جسدي واجتماعي، بالإضافة إلى احتياجات أخرى كالنوم والحب والطعام. عندما يقضي الأطفال وقتهم محدقين في الشاشات بدلاً من اللعب والاستكشاف والتفاعل مع العالم الحقيقي، فإنهم يفقدون التجارب الحاسمة التي يحتاجها الدماغ للتطور بشكل صحيح.

الرسالة الواضحة: 

بمجرد أن نفهم ما يحدث في هذه العوالم الإلكترونية، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح واضحًا أنها ببساطة ليست للأطفال. هذه أنشطة للبالغين.  و إذا كانت عقولنا تشبه نموذج اللغة الكبير، فما الذي نضعه فيها؟ هل نضع أفلامًا وكتبًا وتلفزيونًا جيدًا، أم نضع مقاطع مدتها 10 ثوانٍ من أشخاص يتعرضون للركل؟ هذه خسارة هائلة لأي مجتمع.

لهذا فإن الطريق للأمام يتطلب منا إعادة التفكير في كيفية تربية أطفالنا في العصر الرقمي، وحمايتهم من التقنيات التي لم تُصمم مع مراعاة نموهم الصحي، والسماح لهم بالعودة إلى ما يحتاجون إليه حقًا: طفولة حقيقية مليئة باللعب والاستكشاف والتواصل الإنساني الحقيقي.

 كيف تسرق الشاشات مستقبل أطفالنا: 

تخيل طفولة بلا طفولة:

للذين تجاوزوا الخامسة والثلاثين، دعونا نعود بالذاكرة إلى طفولتنا، تذكروا كل اللحظات الممتعة، أفضل ما في تلك الأيام. الآن تخيلوا أن نصف هذه اللحظات قد اختفى. نصف أطفالنا اليوم يقضون أكثر من ثماني ساعات يوميًا أمام شاشات الترفيه، ونصفهم يقولون إنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم. فكيف تبدو طفولتهم؟ تخيلوا أن أشعة الشمس التي استمتعتم بها قد تقلصت بنسبة خمسين بالمئة. الضحك مع الأصدقاء الذي عشتموه ملايين المرات، احذفوا ثلثيه لأن الأطفال لم يعودوا مع بعضهم كثيرًا. إنهم وحيدون، يتبادلون الميمز عبر الشاشات. قد يضحكون، لكنهم لا يضحكون معًا.

قوة التزامن الاجتماعي: 

نحن كبشر نوع فائق الاجتماعية، لدينا القدرة المذهلة على أن نكون كالنحل، واحد للجميع والجميع لواحد. الحركة المتزامنة مع الآخرين تضعنا في هذه الحالة، كذلك الضحك معًا وتناول الطعام معًا، هذه الأنشطة الثلاثة تمتلك قوى سحرية اجتماعية تربطنا بالآخرينلكن تخيلو، طفولة بلا حركة متزامنة مع أحد، لا ألعاب القفز بالحبل، لا الأناشيد الجماعية، لا تناول الطعام مع الأصدقاء لأنهم يلتقون عبر الإنترنت فقط. النتيجة؟ وحدة عميقة. قد يكون الطفل متصلًا بمئتي شخص، لكن العلاقات سطحية، والجميع قابل للاستبدال.

اختفاء عناصر الطفولة الأساسية:

هل قرأتم الكتب في طفولتكم؟ احذفوا سبعين بالمئة منها. هل كانت لديكم هوايات؟ احذفوا معظمها. لا يوجد وقت بعد الآن. كمية المحتوى الوارد الذي يجب الرد عليه ومعرفته تفوق ما يمكن لأي شخص فعله في يوم واحد. بمجرد أن تعطي طفلك هاتفًا ذكيًا وإنستغرام أو تيك توك أو سناب شات، تنتهي ما كنا نعتبره طفولة طبيعية. تبدأ طفولة قائمة على الهاتف، وهذه الطفولة تحجب كل شيء آخر تقريبًا، بما في ذلك النوم.

الفرق بين التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي

يقول البعض إن هذا مثل التلفزيون تمامًا، مجرد ذعر أخلاقي، لكن التلفزيون كان وسيلة فعالة لعرض القصص. شاهدنا عشرات الآلاف منها، وحتى لو كانت بعضها سخيفة، كانت تستمر عشرين دقيقة متواصلة. كان الجميع يشاهدها، يمكنكم التحدث عنها. كنتم تشاهدونها مع أخواتكم أو أصدقائكم، فكانت أكثر اجتماعية. ولم يكن هناك تدريب سلوكي، لم تفعلوا شيئًا تحصلون عليه تعزيزًا فوريًا بسببه.

ماذا يحدث عندما ينتقل الأمر إلى الهاتف الذكي؟ أولًا، إنها شاشة صغيرة تتحكمون بها. الآن أنتم تشاهدون وحدكم، لستم مع أخواتكم أو أصدقائكم. كما أن المحتوى يصبح أقصر وأقصر. 

ميكانيكية الإدمان: ماكينة القمار الحديثة

يظهر فيديو، تشاهدونه لثماني أو تسع ثوانٍ، ثم تصبحون خبراء في قول "هذا ليس الأكثر إثارة، دعني أحاول مرة أخرى". مثل ماكينة القمار تمامًا. تقومون بسلوك وتحصلون على مكافأة، لكنه جدول تعزيز نسبي متغير. أحيانًا تمررون الشاشة ولا يكون أفضل، لكن أحيانًا يكون كذلك. هذا الشعور بماكينة القمارفي الواقع، صُمم على غرار ماكينة القمار. السحب للأسفل الذي يرتد صُمم حرفيًا على غرار ماكينة القمار. وطالما أنه يتضمن دفعات صغيرة من الدوبامين استجابة للقيام بسلوك ما، فأنتم تنخرطون في سيكولوجية الإدمانلأن وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو والفيديوهات القصيرة كلها تعتمد على إعطاء الأطفال دوبامين سريعًا. وإذا لم تعطهم دوبامين سريعًا، سيذهبون إلى أحد منافسيك. لهذا نسميه سباق نحو القاع، سباق نحو قاع جذع الدماغ.

 إنها لعبة سخيفة وتمثل خبث الشركات ومكرها ورغبتها في تحصيل الربح والأموال مهما كانت النتائج سلبية ومؤثر على الأطفال المراهقين، لم يعد الإعلام المحلي القائم على الفكر والثقافة قادرا على تقديم جرعة إيجابية من الحلول والنقاشات والمقترحات التي يمكن أن تساعد في تغيير هذا الوضع الذي نعيشه الأن.

ذكاء اصطناعي يتعلم كيف يدمنكم

الأمر أسوأ مما يبدو،  أنظمة الذكاء الاصطناعي تراقب ذلك التركيز الانتباهي وتحسّن قبضة الانتباه قصير المدى. إنها تتعلم بالتعلم المعزز كيف تفعل ذلك، مما يجعلها أفضل في ذلك من أي مدرب سلوكي بشري. لقد ابتكرنا آلات تستخدم تقنية التعزيز لتحسين قبضة تقنية التعزيز،  إنه أسوأ من ماكينات القمارلكن الأسوأ أن هذا يحدث بشكل منفصل لكل شخص،  سيصبح الأمر أكثر سوءًا في العام أو العامين القادمين لأن اللقاء الأول مع الذكاء الاصطناعي كان خوارزميات تختار المحتوى، لكن ذلك المحتوى صُنع بواسطة البشر. الآن مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، الخوارزمية ستتمكن من توليد أي فيديو قصير، أي صورة، أي محتوى يشركك أكثر. إنها المرآة النرجسية المطلقة، بداية المصفوفة حيث الجميع في كبسولته متصل بآلة.

تدمير القدرة على الانتباه:

الدمار الأكبر ليس فقط المرض العقلي والاكتئاب والقلق وإيذاء النفس والانتحار التي تزداد بين الفتيات، بل تدمير القدرة على الانتباه. علينا تطوير الوظيفة التنفيذية، القدرة على وضع هدف لأنفسنا: أريد أن أفعل X، وبالتالي يجب أن أفعل الخطوات A وB وC وD. لكن إذا علقنا عند A طوال الوقت لأن A مثيرة جدًا وتشدنا، لن نصل أبدًا إلى B وC وD أو X، ولن نتطور إلى بالغين. لن نصبح بالغين أكفاء، قابلين للتوظيف، أشخاصًا يود أحدهم الزواج بهم أو توظيفهم.

ومن أجل فهم هذه المسألة يجب أن نفرق بين  الدوبامين السريع والدوبامين البطيء. الدوبامين السريع هو أن تفعل شيئًا وتحصل على مكافأة سريعة، وهذا ما يحصل مع ألعاب الفيديو والتمرير. لكن الدوبامين البطيء هو أن تسعى لتحقيق هدف على مدى أسابيع أو أشهر، وكلما أحرزت تقدمًا تشعر بالرضا. مثل التودد لشخص ما، التخطيط طويل المدى بخطوات متعددة، هذا ما تحتاجه لتصبح بالغًا.

في الألعاب الحقيقية، نصف الوقت تخسر. والفائدة من ذلك أنك تطور المرونة في مواجهة الخسارة، عليك أن تقبلها برشاقة، تتعلم منها، وتثابر. الخسارة مهمة بشكل لا يصدق، خاصة لأنك في الحياة ستخسر ألعابًا أكثر مما تربح. ميزة أخرى مهمة للألعاب هي إدارة القواعد والتفاوض عليها. في لعبة حقيقية، الجزء الأكثر قيمة غذائيًا هو القاعدة. "هذا خارج الحدود"، "لا، ليس كذلك"، "نعم، كان كذلك". تتجادلون حول ذلك، لكن الجميع يريد استمرار المتعة. نادرًا ما سيغضب أحد ويغادر. هناك ضغط كبير لحل الأمر بطريقة ما.

 الإدمان و تجزيء  الانتباه: 

ألعاب الفيديو أقل ضررًا للأولاد مما هي وسائل التواصل الاجتماعي للفتيات. أحيانًا هناك حتى علامات على فوائد معينة منها. لديها ميزة جيدة وهي أنها متزامنة، فالأولاد يضحكون معًا أثناء اللعب، وهذا أفضل بكثير مما تفعله الفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي.

المشكلة مع ألعاب الفيديو شيئان. أولًا، الإدمان: حوالي عشرة بالمئة من الأولاد يطورون ما يسمى "الاستخدام الإشكالي"، وهو استخدام قهري يتداخل مع جوانب أخرى من الحياة. نسبة من واحد إلى ثلاثة بالمئة يصبحون مثل المدمنين تمامًا، وفقدان حتى واحد إلى ثلاثة بالمئة من الأولاد كثير جدًا.

ثانيًا، تفتت الانتباه، فقدان القدرة على فعل أشياء لا تمتلئ بالدوبامين السريع،  حيث يتعرضون لموسم مفتوح من الشركات: شركات ألعاب الفيديو، الإباحية، السجائر الإلكترونية (النيكوتين والدوبامين الإدماني)، الماريجوانا، المقامرة الرياضية، الاستثمار المُلعَّب، العملات المشفرة. كلها مُلعَّبة، مما يجذب الأولاد بشكل خاص..

أزمة الذكور في المجتمع الحديث: 

يشير ريتشارد ريفز في كتابه عن الأولاد والرجال إلى تحول جوهري بدأ في السبعينيات، حيث انتقلت الاقتصادات من الاعتماد على العمل البدني والقوة الجسدية إلى اقتصاد الخدمات. هذا التحول أدى إلى تراجع الأدوار التقليدية للذكور، بينما شهدت الإناث صعودًا ملحوظًا. فبحلول عام 1980، أصبحت نصف الطلاب الجامعيين من الإناث، وارتفعت هذه النسبة إلى 60% في الوقت الراهن.

يلاحظ الباحثون أن الذكور يتجهون نحو الانسحاب من العالم الحقيقي والانغماس في العالم الافتراضي. فالألعاب الإلكترونية والإنترنت أصبحت أكثر جاذبية، مما أدى إلى تحويل الدوافع والطموحات الذكورية نحو إنجازات افتراضية لا تضيف قيمة حقيقية للحياة. هذا الانسحاب يتجلى في ارتفاع معدلات العزوبية، حيث تشير البيانات إلى أن 30% من اليابانيين والكوريين الجنوبيين تحت سن الثلاثين لم يسبق لهم الزواج.

الوعي الذاتي والقلق: العلاقة الجدلية

توصل علماء نظرية السمات الخمس الكبرى، وخاصة ماكري، إلى أن الوعي الذاتي المفرط والعصابية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لدرجة يصعب التمييز بينهما. القاعدة الأساسية هي: إذا ركزت على نفسك، فستعاني من القلق والتعاسة. هذا الوعي الذاتي المفرط يخلق حالة من عدم الراحة المستمرة.

الحل المقترح: التركيز على الآخرين: الحل لا يكمن في محاولة عدم التركيز على الذات فحسب، بل في توجيه الانتباه نحو شيء آخر. بالنسبة للذكور، يتمثل هذا في الخدمة المسؤولة للمستقبل والآخرين. هذا التوجه يوفر ما يُسمى بـ "الدفعة البطيئة للدوبامين"، وهي ليست سعادة عابرة، بل معنى مستدام. فالسعادة الهيدونية يمكن اختطافها بسهولة عبر التكنولوجيا، بينما المعنى أقل حدة لكنه أكثر استدامة.

نموذج التربية المتوازن

الديناميكية الأسرية: في النموذج الأسري التقليدي، تقول الأم للطفل: "أنت رائع كما أنت"، بينما يقول الأب: "أنا معجب بك، لكن يمكنك أن تكون أفضل". هذان النهجان متكاملان: الأم توفر الأمان والقبول، والأب يحفز على الاستكشاف والتطور.

أهمية التحدي: ما نفعله بشكل خاطئ مع الشباب، وخاصة الذكور، هو أننا لا نطلب منهم ما يكفي، ولا نطالبهم أو حتى نفرض عليهم ما يكفي من التحديات. النتيجة الطبيعية هي التراجع نحو المتعة السطحية.

دور اللعب والمغامرة في النمو النفسي

أبحاث إلين سانسيدار: تشير الأبحاث النرويجية إلى أن اللعب المثير هو أقوى عامل مضاد للقلق لدى الأطفال. الأطفال يختارون أنشطة قد تؤدي إلى إصابتهم، مثل تسلق الأشجار إلى ارتفاعات مخيفة، أو ركوب الدراجات فوق المنحدرات.

أنواع الإثارة الستة حددت سانسيدار ستة أنواع من اللعب المثير:

1.   الأماكن المرتفعة

2.   السرعات العالية

3.   الأدوات الخطرة

4.   الاختباء والاختفاء

5.   اللعب العنيف والمصارعة

6.   التجارب التي تنطوي على خطر محتمل

اللعب المثير هو تخصص الآباء بشكل خاص. الذكريات الطفولية تشمل الأب وهو يتظاهر بأنه وحش ضخم يطارد الأطفال، مما يخلق مزيجًا من الخوف والضحك. هذا النوع من التعرض للخوف والمخاطر ضروري لنمو صحي، خاصة للأولاد الذين يحتاجون إلى مزيد من اللعب العنيف.

للآباء

1.   توفير فرص للعب المثير والتعرض للخوف والمخاطر المحسوبة

2.   اصطحاب الأطفال إلى أماكن المغامرة مثل مدن الملاهي

3.   تشجيع اللعب العنيف والمصارعة الآمنة

4.   تحدي الأطفال لتجاوز حدودهم بطرق آمنة

للمدارس

1.   إعادة النظر في سياسات استخدام الهواتف في المدارس

2.   توفير فرص أكثر للعب الحر والمغامرة

3.   تشجيع المنافسة الصحية والطموح

4.   عدم معاملة السلوك الذكوري الطبيعي كمرض نفسي

للشباب

1.   البحث عن المسؤولية القصوى بدلاً من الراحة

2.   ربط المسؤولية بالمغامرة والمعنى

3.   التركيز على خدمة الآخرين بدلاً من الوعي الذاتي المفرط

4.   تقليل الوقت المستغرق على الأجهزة الرقمية

خاتمة: 

في زحمة العصر الرقمي، يتراجع شبابنا خطوة تلو الأخرى نحو عوالم افتراضية توفر إنجازات وهمية وسعادة عابرة. الألعاب الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والترفيه اللامحدود، كلها تقدم وعودًا براقة بحياة سهلة بلا عناء. لكن وراء هذه الواجهة اللامعة، تتفاقم أزمة حقيقية: أزمة المعنى والمسؤولية

لطالما كان العمل الشاق جزءًا من الحياة الإنسانية، لكن منذ السبعينيات، شهدت المجتمعات تحولًا جذريًا. انتقلت الاقتصادات من الاعتماد على العمل البدني إلى اقتصاد الخدمات، مما أدى إلى تراجع الأدوار التقليدية للذكور. بحلول عام 1980، أصبحت نصف الطلاب الجامعيين من الإناث، وارتفعت النسبة إلى 60% اليوم.

 

 

تعليقات