ميزان المتعة والألم: كيف يسيطر الدوبامين على قراراتنا؟
الدوبامين ليس مجرد مادة كيميائية عابرة في الدماغ، بل هو أساس بقائنا. إنه الإشارة التي تخبرنا أن هناك شيئاً يستحق الاقتراب منه واستكشافه والسعي إليه. بدونه، تختفي الرغبة في العمل من أجل تلبية احتياجاتنا الأساسية، وهو ما تكشفه تجربة علمية مذهلة: فئران هُندست أدمغتها بحيث تخلو من الدوبامين، إذا وُضع الطعام في أفواهها أكلته واستمتعت به، لكن إذا وُضع على بعد خطوة واحدة فقط، ماتت جوعاً. هذا يبيّن أن الدوبامين ليس مسؤولاً عن المتعة بقدر ما هو مسؤول عن الدافع لبذل الجهد من أجل الحصول عليها؛ فهو يمنحنا التحفيز، ويشارك في الحركة الجسدية (إذ ينتج مرض باركنسون عن نقصه)، ويقيّم مدى أهمية الأشياء لبقائنا. وأكبر مفهوم خاطئ شائع هو الحديث عن "الإدمان على الدوبامين"، بينما الحقيقة أن الدوبامين ليس جيداً ولا سيئاً في ذاته، بل مجرد إشارة تخبرنا بمدى فائدة شيء ما.
توازن دقيق: حين تكون المتعة والألم وجهين لعملة واحدة
من أهم
اكتشافات علم الأعصاب في العقود الأخيرة أن المتعة والألم يُعالَجان في المناطق
نفسها من الدماغ، ويعملان كطرفي ميزان يسعى دائماً إلى التوازن. حين نحصل على
متعة، يميل الميزان أولاً نحو جهتها، ثم يعوّض الدماغ بالميل نحو الألم لاستعادة
الاتزان. ويمكن ملاحظة هذه الآلية بوضوح عند شرب الكحول: يطلق الدوبامين أولاً في
مسار المكافأة، ثم يحاول الدماغ استعادة توازنه بتقليل مستقبلات الدوبامين، وقد
يتجاوز نقطة التوازن فيميل الميزان نحو الألم، فيظهر الصداع وأعراض الانسحاب.
ولماذا
يتجاوز الدماغ نقطة التوازن بدل أن يتوقف عندها؟ من منظور تطوري، هذه الآلية كانت
مثالية في عالم الندرة والخطر الدائم؛ فهي تضمن ألا نكون راضين أبداً بما لدينا،
وأن نظل دائماً في حالة سعي، لأن الإنسان في حالته الطبيعية كان يحتاج إلى مجهود
كبير لتحقيق مكافأة بسيطة، كصيد غزال أو جمع ثمار، وحين يشعر بنقص المتعة بعد
الحصول عليها يتحفز للبحث عن المزيد، وهذا في عالم الندرة يعني الخروج للصيد من
جديد. لكن المشكلة أن العالم الحديث انقلب: نحن مصممون بيولوجياً لبذل جهد كبير
مقابل مكافأة صغيرة، بينما يقدم لنا هذا العالم مكافآت ضخمة مقابل جهد ضئيل جداً،
عبر السكر وألعاب الفيديو والمواد الإباحية ووسائل التواصل الاجتماعي والمخدرات،
وكلها تطلق كميات هائلة من الدوبامين بسرعة كبيرة. ومع الاستمرار في استهلاكها
بكثافة على مدى أيام وأسابيع وشهور، يتراكم الألم على جانبه من الميزان وتنتقل
نقطة السعادة الطبيعية نحوه، فنحتاج جرعات أقوى لمجرد الشعور بالطبيعي، ونعيش في
حالة انسحاب دائم حين نتوقف عن الاستخدام، تتجلى في القلق والتهيج والأرق
والاكتئاب والرغبة الملحة. ويضاف إلى ذلك عامل وراثي مهم، إذ يتراوح الخطر الوراثي
للإدمان بين خمسين وستين بالمئة، فمن كان له والد أو جد بيولوجي يعاني الإدمان
يكون أكثر عرضة له. كما أن لكل شخص "مخدره المفضل": ما يطلق كميات كبيرة
من الدوبامين في دماغ شخص قد لا يفعل الشيء نفسه في دماغ آخر، وكلما زاد الدوبامين
المُطلق وزادت سرعة إطلاقه، زاد احتمال الإدمان على تلك المادة بعينها لدى ذلك
الفرد.
المدمنون لا يحاولون إيذاء أنفسهم:
هذه
الاستعارة، استعارة الميزان، تولّد تعاطفاً عميقاً مع المدمنين لأنها تكشف أن
الأمر خارج عن سيطرتهم إلى حد بعيد؛ فحين يميل الميزان نحو الألم، تطغى الرغبة
الجامحة في استعادة التوازن على أي تفكير عقلاني في العواقب. والفكرة السائدة بأن
المدمنين يحاولون إيذاء أنفسهم فكرة خاطئة تماماً؛ فهم في الحقيقة يحاولون التعامل
مع الألم، تماماً كما يفعل كل واحد منا بطريقته، إلا أن الطريقة التي يختارونها
تتحول إلى وسيلة مدمرة للذات تولّد مزيداً من الألم، فتنشأ دوامة هبوطية. كما أن
الاستعارة تفترض أن الجميع ينطلقون من نقطة توازن، وهذا ليس صحيحاً بالضرورة، فبعض
الناس يبدأون من خط أساس أكثر اكتئاباً أو قلقاً أو توتراً مزمناً بسبب تجارب
حياتية معينة، والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة أكثر عرضة لتطوير
الإدمان، ربما لأنهم يلجؤون إلى المادة كنوع من التطبيب الذاتي، رغم أن ذلك على
المدى الطويل يزيد المشكلات النفسية سوءاً بسبب طريقة تكيّف الدماغ.
وتوضح
تجارب على القوارض دور الصدمة والضغط النفسي كمحفزات للانتكاس: تدمن القوارض
بسهولة على الكوكايين وتضغط على الرافعة حتى الإنهاك، ثم يتوقف السلوك تدريجياً
بعد إزالة المخدر، لكن حين تُعرَّض لصدمة كهربائية مؤلمة تعادل ضغطاً حياتياً
شديداً، فإن أول ما تفعله هو الركض نحو الرافعة من جديد. هذا يعلّمنا أن الدماغ،
بمجرد أن يكتشف مخدراً يُطلق كميات كبيرة من الدوبامين، يحتفظ بهذه المعرفة حتى
بعد التوقف، وأن التعرض لضغط شديد لاحقاً يجعله يدفعنا فوراً نحو ذلك المصدر
لتخفيف الضغط. ولهذا فإن من يكتشف "مخدره المفضل" في سن مبكرة، سواء كان
طعاماً أو إباحية أو أي وسيلة راحة لحظية، غالباً ما يظل هذا الخيار حاضراً طوال
حياته، ويصبح محفزاً محتملاً للانتكاس كلما تعرّض لضغط لاحقاً. ومن هنا تأتي أهمية
إدارة المحفزات اليومية، وهو ما يلخصه اختصار "HALT" المعروف
في أوساط مدمني الكحول المجهولين: الجوع، الغضب، الوحدة، والتعب؛ فهذه الضغوط
اليومية البسيطة التي يختبرها الجميع يمكن أن تحفز الرغبة في العودة إلى
الاستخدام، ولذلك يُنصح من هم في مرحلة التعافي باليقظة الدائمة تجاه هذه الحالات
الأربع.
من البقاء إلى الإدمان: كيف تم اختطاف مسار المكافأة
كان
الدوبامين في الأصل وسيلة لمساعدتنا على إيجاد ما نحتاجه للبقاء، من طعام ومأوى
وشريك، وهي ما نسميه المكافآت الطبيعية. لكن اليوم، اختُطف مسار المكافأة نفسه
بواسطة مكافآت اصطناعية يخلط دماغنا بينها وبين ضروريات البقاء، وهذا يفسر استعداد
بعض الأشخاص المدمنين إدماناً شديداً، دون وعي منهم، لفقدان أحبائهم ومنازلهم
ووظائفهم في سعيهم وراء مخدرهم المفضل. والمخدرات الاصطناعية قوية بشكل مربك
للدماغ لأنها تطلق كميات هائلة من الدوبامين دفعة واحدة، خلافاً للمكافأة الطبيعية
التي تتطلب جهداً مسبقاً طويلاً مقابل كمية ضئيلة منه. ويمكن ملاحظة أثر الضغط
النفسي في السلوك اليومي: حين يمر شخص بضغط أو تحدٍّ مهني، ينهار نظامه الغذائي
غالباً، ويميل إلى أشياء ضارة، ويتوقف عن ممارسة الرياضة، فتتشكل دوامة هبوطية
صغيرة تماماً كما يوحي ميزان الدوبامين.
أما
دور الصدمة في الإدمان فهو معقد وليس حتمياً؛ فبينما تشكل الصدمات الشديدة في
الطفولة المبكرة عاملاً ضخماً لدى بعض المرضى، هناك كثيرون نشأوا في بيئات آمنة
وسعيدة، بآباء رائعين وشبكات اجتماعية داعمة وعمل محبب، ومع ذلك أصبحوا مدمنين،
لأننا مبرمجون تطورياً على استهلاك أكبر قدر ممكن من أي شيء يطلق الدوبامين، بينما
نعيش اليوم في عالم وفير بالمواد والسلوكيات المعزِّزة بشكل غير مسبوق. وثمة خطر
آخر يكمن في الإفراط في البحث عن الصدمة كتفسير وحيد، إذ يمكن لهذا البحث المفرط
أن يؤدي أحياناً إلى تصنيع صدمة لا وجود لها فعلياً، نظراً لإمكانية خلق ذكريات
مزيفة. كذلك فإن التوقيت مهم: فمعالجة الصدمة العاطفية المعقدة لا يمكن أن تتم
بنجاح بينما الشخص لا يزال غارقاً في إدمانه، بل يحتاج أولاً إلى الخروج من دوامته
والدخول في درجة من التعافي قبل التعامل مع تلك التجارب المبكرة المؤلمة.
الإدمان كطيف واسع، لا حالة استثنائية
من
المفيد التفكير في الإدمان بوصفه اضطراباً طيفياً، يمتد من الخفيف إلى الشديد، بل
وتسبقه حالة أولية من الاستهلاك الزائد القهري تشمل الغالبية العظمى منا، إذ
تقدَّر نسبة من يعانون درجة ما من هذا الاستهلاك المفرط بين تسعين وخمسة وتسعين
بالمئة. والمشكلة أنه لا يوجد تشخيص فيزيولوجي عصبي دقيق للإدمان، بل مجرد آليات
ملاحظة خارجية، فالتعريف السريري العام هو الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك
رغم إلحاق الضرر بالذات أو بالآخرين، وهذا الضرر نسبي يتراوح بين الخفيف والشديد.
ومعظم المدمنين لا يرون أنفسهم كذلك، لأننا لسنا جيدين في ربط السبب بالنتيجة في
هذه السلوكيات، ولذلك غالباً ما لا يدرك الشخص حجم الضرر إلا بعد توقفه عن
الاستخدام لفترة. وتتبع قصة الإدمان الكلاسيكية نمطاً معروفاً: يبدأ الاستخدام
بقليل ثم يتوسع، ويُبنى التحمل تدريجياً عبر التكيف العصبي الذي يدفع جانب الألم
من الميزان إلى الأسفل، فتصبح الحاجة لجرعات أقوى ملحّة للحصول على التأثير نفسه،
وتنشأ حياة مزدوجة يكذب فيها الشخص بشأن استخدامه ويخفيه. وتدريجياً يضيق التركيز،
وتفقد الأشياء التي كانت تمنحه المتعة سابقاً بريقها، ويصبح الشيء الإدماني
الوحيد، سلوكياً كان أو كيميائياً، محور اليوم بأكمله: الحصول عليه، استخدامه،
وإخفاء أثره.
وتُعد
الأجهزة الرقمية مثالاً حياً على هذا التصميم المتعمد للإدمان؛ فهي أدوات قوية
لكنها في الوقت نفسه مخدرات قوية جداً، تضيء مسار المكافأة نفسه الذي تضيئه
المخدرات والكحول، وقد صُممت المنصات لتبقينا نتصفح ونضغط لفترة أطول بكثير مما
نخطط له أو حتى مما هو ممتع فعلاً. ومن أنجع الطرق لتقييم علاقتنا بأي سلوك رقمي
هو تجربة قطعه لفترة كافية لاختبار الانسحاب المحتمل، وإعادة ضبط مسارات المكافأة،
ثم إعادة التقييم، وذلك لأننا حين نكون داخل السلوك نجيد ترشيده لأنفسنا بحجج مثل
الحاجة إليه للعمل أو للتواصل مع الأصدقاء أو للتعلّم، وقد تكون هذه الحجج صحيحة
في البداية لكنها لا تبقى كذلك بالضرورة. وغالباً ما تكون العلامات الأكثر دقة على
دخول الاستهلاك في نطاق الإدمان علامات نفسية خفية: الاكتئاب، القلق، قلة التركيز،
الأرق، والتململ، وهي إشارات مبكرة نادراً ما نلتقطها بسبب صعوبة ربط السبب
بالنتيجة.
وإدمان
العمل مثال آخر يحظى بتقدير اجتماعي معاكس تماماً؛ فمن يعمل ثماني عشرة ساعة
يومياً بلا نوم يُصفَّق له، رغم أن النظرة الموضوعية إلى هذا السلوك، كما لو نظر
إليه مراقب محايد من الخارج، تكشف بوضوح وجود مشكلة. وليست كل أنواع العمل متساوية
في قوتها التعزيزية؛ فأعمال الياقات البيضاء المرتبطة بخيارات الأسهم والمكافآت
المالية، وكذلك البعد الاجتماعي المرتبط بوسائل التواصل، تجعل العمل أكثر تعزيزاً
وأقرب إلى الإدمان.
سهولة الوصول: البوابة الأولى للإدمان
من
أكبر عوامل خطر الإدمان على أي مادة أو سلوك سهولة الوصول إليه؛ فمن نشأ في حي
تُباع فيه المخدرات في كل زاوية أكثر عرضة لتجربتها، ومن يستطيع الوصول إلى عمله
على مدار الساعة أكثر عرضة لتعريض دماغه له أكثر، وبالتالي أكثر عرضة للإدمان عليه
إن توفرت فيه العناصر المعززة الأخرى. وهذه الإمكانية الدائمة للوصول تفسر جزئياً
سبب ترك كثيرين لوظائفهم في حالتين متناقضتين: الأولى حين تصبح الوظيفة رتيبة بعد
أن كانت مصدراً للدوبامين، فيبحث الشخص عن الجدة والإثارة في مكان آخر، وهو ما
يفسر تغيّر متوسط عمر الشركات من نحو خمسين عاماً قبل خمسة عقود إلى خمسة عشر
عاماً اليوم؛ والثانية حين تكون الوظيفة نفسها مستنزفة للروح، فينتظر الشخص نهاية
اليوم فقط ليعود إلى بيته ويخدّر نفسه من ضغوطها. وحتى الأطباء والمحامون، رغم
رضاهم المهني الظاهري، يسجلون معدلات إدمان كحول مماثلة، بسبب ثقافة "العمل
الجاد واللعب الجاد" التي تجعل الميزان يتأرجح باستمرار بين المتعة والألم.
ويجدر التذكير هنا بأن التعريف البيولوجي للإجهاد هو أي انحراف عن الحياد، فكل مرة
يضطر فيها الدماغ للعمل لاستعادة التوازن، تُثار استجابة الإجهاد لدينا، ما يجعل
تلك التطرفات المتكررة بين المتعة والألم مرهقة في ذاتها.
وتختلف
المواد والسلوكيات اختلافاً كبيراً في قوة تأثيرها على الدوبامين؛ ففي دراسة على
الفئران، تبيّن أن الجنس يرفع إطلاق الدوبامين بنسبة مئة بالمئة، بينما ترفعه
الأمفيتامينات بنسبة ألف بالمئة، أي أن ضربة واحدة من غليون الميث تعادل عشر مرات
تأثير هزة الجماع. وتؤكد صور الرنين المغناطيسي هذا التفاوت بصرياً: فلدى الأشخاص
الأصحاء غير المدمنين نجد نشاطاً كثيفاً في انتقال الدوبامين داخل النواة المتكئة،
بينما يكاد هذا النشاط يختفي لدى من استخدموا الكوكايين أو الميثامفيتامين أو
الكحول أو الهيروين بطرق إدمانية، وهو ما يعني أنهم في حالة عجز مزمن من
الدوبامين، لأن الدماغ يحاول التعويض عن الفائض المتكرر بخفض إنتاجه ونقله إلى ما
دون خط الأساس. وتمتد هذه الحالة الحادة عادة أسبوعين على الأقل، تتحسن بعدها
الأعراض تدريجياً مع بدء تجدد انتقال الدوبامين، وعادة ما يصل الشخص عند بلوغه
الشهر الأول إلى نقطة يبدأ فيها فعلاً بالخروج من دائرة الرغبة الملحة ورؤية بصيص
أمل في حياة خالية من المخدر. وتنبيهاً لخطورة الأمر، فإن نحو ربع مرضى باركنسون
الذين يُعطَون الدوبامين علاجاً لحركتهم يطوّرون إدماناً جديداً، كإدمان التسوق أو
الجنس، لأن الآلية نفسها تتكرر: تحفيز مسار المكافأة بدوبامين خارجي يدفع الدماغ
إلى خفض إنتاجه الطبيعي أكثر فأكثر.
الضغط المتعمد على جانب الألم: الحل المعاكس
يكاد
يكون العيش في توازن مثالي في عالمنا اليوم مستحيلاً، وربما يكون الحل مفارقة: أن
نضغط عمداً على جانب الألم من الميزان، عبر التمرين الرياضي أو حمام الماء البارد
أو الصيام المتقطع، فترتد الآلية التعويضية نفسها في الاتجاه المعاكس، وتقفز نحو
جانب المتعة، فنحصل على الدوبامين بشكل غير مباشر عبر الدفع المسبق. وتؤكد
الدراسات أن مستويات الدوبامين ترتفع تدريجياً خلال النصف الأخير من التمرين،
وتبقى مرتفعة لساعات بعد توقفه قبل أن تعود إلى خط الأساس دون الدخول في حالة نقص
حاد، ما يجعل هذه الطريقة أقل عرضة بكثير لظاهرة الرغبة القهرية للإفراط، لأن
التكلفة المقدَّمة، أي بذل الجهد وتحمل الألم أولاً، تحمي من الإدمان عليها. وهذا
يفسر جزئياً ازدياد المشاركة في سباقات الماراثون الفائقة بنسبة تفوق الألف
وستمائة بالمئة بين 1996 و2008، وتوقع نمو سوق حمامات الثلج من ثلاثمئة وخمسين
مليون دولار عام 2024 إلى قرابة نصف مليار بحلول 2030، وارتفاع المشاركة في سباقات
العقبات نحو سبعة أضعاف بين 2010 و2017، وكأن هناك حركة مضادة في المجتمع نحو
مطاردة الألم بحثاً عن الدوبامين الصعب. غير أن هذا التوجه الإيجابي يحمل تحذيراً
أيضاً، لأننا بارعون في تحويل أي شيء نفعله إلى "مخدر" جديد، عبر
التكنولوجيا وطرق قياس الأداء ولوحات المتصدرين والمقارنات الاجتماعية، فنحوّل
نشاطاً كان في طبيعته شبه منيع ضد الإدمان إلى سلوك إدماني آخر.
استعادة الحضور في اللحظة
جزء
أساسي من المشكلة أننا ننظم حياتنا بأكملها حول المكافآت المستقبلية، فنسقط أنفسنا
دوماً نحو اللحظة الجيدة القادمة، ونفوّت العملية ذاتها، وننشغل برغبة غريبة في أن
ينتهي كل ما نقوم به لنصل إلى لحظة الراحة أو التحفيز التالية. وتغيير هذا المنظور
ممكن حين نتخيل، ولو للحظة، أن هذه اللحظة الحالية هي كل ما لدينا، فيصبح الحضور
الكامل فيها أمراً لا بد منه بدل انتظار ما بعدها. وهذا قريب مما تعنيه دعوة
"كن هنا الآن" في التأمل، والتي كثيراً ما يُساء فهمها؛ فهي لا تعني
الشعور بالراحة الدائمة، بل تعني أن نكون هنا حتى ونحن غير مرتاحين، وأن نتصالح مع
فقدان السيطرة على متعتنا أو ألمنا أو مستوى راحتنا، منفتحين على أي شيء يأتي، دون
محاولة الهروب منه، بل بمواجهته واحتضان عدم الراحة ذاته.
المسؤولية الشخصية كأساس للتعافي
عند
الحديث عن المسؤولية الشخصية، ينقسم الناس على طيف واسع؛ ففي أحد طرفيه من يتلهفون
لتحمل المسؤولية باعتبارها دليل قوة، وفي الطرف الآخر من ينزعجون من مجرد ذكرها
ويستجيبون بالدفاع والغضب وعبارات من نوع "نعم، لكن ماذا عن فلان الذي فعل بي
كذا". ويقدم برنامج الاثني عشر خطوة لمدمني الكحول المجهولين نهجاً متوازناً
لهذه القضية، يبدأ بالتحقق الكامل من صحة شعور الشخص بكونه ضحية إن كان قد تعرض
فعلاً للظلم أو الصدمة أو نشأ في ظروف صعبة لم يخترها، خصوصاً في طفولته. لكن
الخطوة الرابعة من البرنامج تدفع أبعد من ذلك، إذ تطلب من الشخص، بعد تدوين من
أساء إليه وماذا فعل بالضبط وقضاء وقت في استيعاب الاستياء، أن يسأل نفسه: هل
ساهمتُ أنا في هذه المشكلة؟ وهل كان بإمكاني أن أتصرف بشكل مختلف؟ فالطفل الذي عاش
ظروفاً مروعة لا يمكن أن يُحمَّل مسؤولية ذلك، لكن البالغ الذي كان ذلك الطفل،
والذي قد يستمر في إلحاق بعض الضرر الذي عاناه بالآخرين، يمكنه الآن أن يبدأ بتحمل
مسؤولية أفعاله. ومشكلة بعض أنواع العلاج النفسي أنها تتوقف عند التحقق من مشاعر
الضحية ومعالجة الصدمة، دون الانتقال إلى فحص ما إذا كان الشخص يساهم في استمرار
مشكلته، حتى لو كانت المساهمة الوحيدة هي الاستمرار في الاجترار حول الاستياء نفسه
حتى يصبح "مكاناً آمناً" يصعب مغادرته.
ومن
الملاحظات اللافتة أن الأشخاص ذوي تقدير الذات المنخفض هم الأصعب في تحمل
المسؤولية، فتنشأ حلقة مفرغة: من لا يتحمل المسؤولية يكون أكثر عرضة لارتكاب
الأخطاء ووقوع أشياء سيئة له، ما يزيد تدهور تقديره لذاته، فيصعب عليه تحمل
المسؤولية أكثر فأكثر. وقد يتطور هذا إلى شكل معكوس من النرجسية، كما في حالة مريض
وصف نفسه بأنه "قطعة القمامة التي يدور حولها الكون"، إذ لم يكن الأنجح،
بل الأنجح في أن يكون الأقل نجاحاً، فأصبحت هذه الهوية راسخة يحافظ عليها بخلق
مواقف تديمها.
الروايات الشخصية وفخ الهوية الثابتة
الطريقة
التي نروي بها قصصنا مهمة وليست تافهة، وهناك روايات أكثر صحة من غيرها؛ فرواية
الضحية التي تديم الضحية تشبه في خطورتها رواية "رحلة البطل" التي تديم
البطولة، والمشكلة تكمن في التمسك المفرط بأي هوية أو رواية ثابتة، لأن ذلك يتحول
إلى فخ يحصر الشخص في صورة معينة يشعر بأنه ملزم بالحفاظ عليها. فمن يحمل رواية
بطولية، كأن يكون قد وُلد في ظروف صعبة وواجه تحديات وحقق نجاحاً لافتاً، يجد نفسه
مضطراً لأن يظل ذلك البطل باستمرار، وهذا مرهق، وقد يخلق تنافراً داخلياً حين
يلتقي الناس بصورة عنه لا تعكس تماماً معرفته بنفسه، وهو ما يشبه أحياناً
"متلازمة المحتال". ومن طرق التصالح مع هذا الوضع أن يدرك الشخص أنه
أصبح رمزاً يسقط عليه الآخرون تجاربهم الإيجابية، خاصة في عصر تتزايد فيه العزلة
ويعيش كثيرون بمفردهم، فيصبح صوت أو وجه شخص يتابعونه بانتظام حاضراً في حياتهم
اليومية وكأنهم يعرفونه فعلاً، دون أن يعني ذلك ضرورة التماهي الكامل مع تلك
الصورة المسقطة.
الاعتماد المتبادل: حين تكون المساعدة ضاراً
يشير
مفهوم الاعتماد المتبادل إلى الطرق التي يمكن أن يمكّن بها أحد أحباء المدمن
إدمانه أو يزيده سوءاً دون وعي أو قصد. فالإدمان غالباً ما يكون مشكلة في نظام
الأسرة بأكمله، إذ يؤثر إدمان الشخص على الجميع من حوله، وفي محاولة التكيف
والتعويض قد تنتهي العائلات إلى أنماط غير متكيفة يصعب عليها رؤية كيفية الخروج
منها، لأنها بمعنى ما تصبح معتمدة على الشخص المدمن نفسه وتستخدمه لتنظيم مشاعرها.
ومن الأمثلة الشائعة أن يستمر الوالدان في إعطاء المال لابنهما البالغ رغم علمهما
بأنه يذهب في معظمه للمخدرات، تحت ضغط تهديدات عاطفية من نوع أنه سيحصل عليه من
الشارع بأي طريقة وقد يموت، فتصبح هذه أشبه بأخذ رهائن عاطفية. وحتى دون هذا
الوضوح، تنشأ علاقة متشابكة ومعقدة بين المدمن والمعتمد المتبادل، حيث يصبح دفع
الشخص للانخراط في إدمانه سيناريو متوقعاً وربما مرغوباً على مستوى ما، لأن الطرف
الآخر يحصل على دور الشهيد أو المنقذ، أو على الأقل على القدرة على التنبؤ بسلوك
من يحب.
وتوجد
تجارب حياتية تكشف أن ما نظنه مساعدة قد يكون ضاراً؛ فحين تُسحب المساعدة كلياً،
يتحسن الشخص أحياناً بعد سنوات من المعاناة تحت مظلتها. وهذا يتصل بفكرة الباحث
كاي إريكسون في دراسته للمجتمعات البيوريتانية، إذ لاحظ أن أي مجموعة بشرية تحمل
تسلسلاً هرمياً ثابتاً يضم دائماً من هو في الأعلى ومن هو في الأسفل، وحين يتوقف
شخص عن احتلال دور معين، كدور البطل المنقذ، يفسح المجال لشخص آخر ليتوقف عن دور
الضحية المريضة. والمساعدة الصحيحة تكمن في إيجاد التعاطف مع المدمن دون القيام
بأي شيء يديم سلوكه أو يمكّنه، لأن العواقب الحقيقية السلبية في الحياة، كفقدان
الوظيفة أو الشريك أو الحرية، هي غالباً ما يدفع الأشخاص الذين يعانون إدماناً
شديداً إلى التعافي الفعلي، وإن كانت هذه المسألة أكثر تعقيداً حين يتعلق الأمر
بمن هم عرضة لخطر الموت في الشارع، إذ لا تصلح هذه القاعدة لكل الحالات على
السواء. وتلخص هذه الفكرة مقولة قديمة مفادها أن التغيير يحدث حين يصبح ألم البقاء
على الحال أكبر من ألم التغيير نفسه.
إدمان الإباحية: الوباء الصامت
يُعد
إدمان الإباحية من أكثر الإدمانات انتشاراً وصمتاً وخجلاً في العالم الحديث؛ إذ
ليس من غير المألوف أن يزور مريض العيادة معتقداً أن مشكلته شيء آخر تماماً، ولا
يعترف إلا بعد الزيارة الثالثة أو الرابعة بأن سبب زيارته الحقيقي هو إدمان
الإباحية، نظراً للخجل الشديد المحيط بالموضوع. وغالباً ما يرتبط هذا الإدمان
بالاستمناء القهري، وأحياناً بالبحث الفعلي عن شركاء عبر تطبيقات المواعدة التي
تسبب الإدمان بشدة أيضاً، ذلك أن النشوة الجنسية تطلق الدوبامين في مسار المكافأة،
لكن المسألة لا تقتصر على لحظة النشوة نفسها بل تمتد إلى كل الطقوس والتراكم
والبحث المصاحب لها. ويمكن أن تدمن النساء الإباحية أيضاً كالرجال، وإن كان الرجال
يفوقونهن بنسبة عشرة إلى واحد في الخبرة السريرية، إلا أن النساء أكثر عرضة بكثير
لإدمان الحب، أي الوقوع القهري المرضي في علاقات مثيرة لكنها غير صحية، ثم الخروج
منها للبحث عن شريك جديد؛ وفي جوهر هذه الإدمانات، ليس الأمر متعلقاً بالجنس بقدر
ما هو متعلق بالحاجة إلى التعلق البشري وتهدئة الذات والهروب من المعاناة اليومية.
ويثير
هذا الموضوع قلقاً خاصاً بشأن الأطفال، الذين أصبح بإمكانهم اليوم الوصول إلى
محتوى جنسي صريح لم يكن متاحاً لأجيال سابقة، فقد يصادف طفل عمره خمس سنوات، عبر
جهاز لوحي، محتوى من هذا النوع عن طريق الخطأ. وتتعدد أضرار هذا الإدمان: فهو
أولاً إدمان بحد ذاته يدفع نحو حلقة قهرية متكررة تستهلك جزءاً كبيراً من اليوم
وتترك شعوراً بالإنهاك؛ وهو ثانياً يشوّه مفهوم الشخص عن الجنس ذاته، إذ إن من
يتعلم الجنس أساساً عبر الإباحية يكوّن صورة مشوهة عنه وعن كيفية بناء العلاقات
الحميمة الحقيقية. ويرى بعضهم أن الإباحية تقلل الدافعية للانخراط في الحياة، من
السعي وراء عمل وبناء مهنة إلى الذهاب إلى صالة رياضية، بالقياس نفسه الذي رأيناه
في تجربة الفئران التي تفقد الدافع للأكل حين يُزال الدوبامين من أدمغتها، وهذا
يقدم عدسة لفهم ظاهرة أوسع تتعلق بانعزال كثير من الرجال، الذين يشكلون نحو تسعين
بالمئة ممن يراجعون العيادات بسبب هذا الإدمان.
