الاستعارة والذاكرة والخيال: دراسة في الأسس العصبية للإدراك اللغوي


حين يُفكّر الدماغ بالاستعارة: رحلة في الأسس العصبية للغة والخيال

مقدمة

تمثل العلاقة بين الاستعارة والذاكرة والخيال واحدة من أكثر الظواهر المعرفية تعقيداً في الدراسات العصبية المعاصرة. هذه الثلاثية المترابطة لا تشكل مجرد أدوات لغوية أو بلاغية، بل تمثل آليات إدراكية أساسية تحكم طريقة معالجة الدماغ البشري للمعلومات وبناء التصورات المفاهيمية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأسس العصبية لهذه الآليات الثلاث، وكشف التفاعلات البنيوية بينها، وتوضيح كيفية تشكيلها للبنى المعرفية واللغوية التي تحدد فهمنا للعالم وتفاعلنا معه.

الاستعارة: البنية المفاهيمية والإسقاط الإدراكي

تجاوزت الدراسات اللسانية المعاصرة النظرة التقليدية للاستعارة باعتبارها مجرد زخرف بلاغي أو انحراف عن الاستخدام الحرفي للغة، لتؤسس فهماً جديداً يضعها في صميم العمليات الإدراكية البشرية.

الاستعارة، وفق هذا المنظور، تُعرَّف بأنها عملية دمج منظَّمة لتصورين مفاهيميين ينتميان إلى حقلين دلاليين متمايزين ومتضادين، لكن يربط بينهما نظام بنيوي خفي يسمح بالإسقاط المفاهيمي من أحدهما على الآخر.

 هذا التعريف يستدعي توضيح مصطلح "التضاد" الذي يختلف جوهرياً عن "التناقض" في المنطق الصوري. التناقض يمثل علاقة منطقية صارمة لا تقبل وسطاً ولا ثالث بينهما، كالعلاقة بين الحياة والموت، حيث لا يمكن للشيء أن يكون حياً وميتاً في آن واحد. أما التضاد فيمثل علاقة دلالية أكثر مرونة، تسمح بوجود قيم وسيطة أو حتى غياب الطرفين معاً، كالعلاقة بين الألوان المختلفة للوردة، فالوردة قد تكون حمراء أو سوداء أو بيضاء، أو حتى ألواناً أخرى لا علاقة لها بهذا التضاد الظاهري.

وفي هذا السياق طوّر اللغويان جورج لايكوف ومارك جونسون في ثمانينيات القرن العشرين نظرية الاستعارة المفاهيمية التي أحدثت ثورة في فهم العلاقة بين اللغة والإدراك. تقوم هذه النظرية على مبدأ أساسي يميز بين نوعين من الحقول المفاهيمية: المجال المصدر والمجال الهدف.

- المجال المصدر يمثل حقلاً مفاهيمياً محسوساً أو مُدرَكاً تجريبياً، يتكون من خبرات حسية مباشرة ومركبات ملموسة يمكن إدراكها بالحواس. أما المجال الهدف فيمثل حقلاً مفاهيمياً مجرداً، يتكون من مفاهيم ذهنية لا يمكن إدراكها مباشرة بالحواس.

المبدأ الحاكم هنا هو أن المصدر يكون دائماً محسوساً أو ملموساً، بينما الهدف يكون دائماً مجرداً أو ذهنياً. هذا التمييز ليس اعتباطياً، بل يعكس حاجة الدماغ البشري إلى فهم المفاهيم المجردة من خلال إسقاط بنية المفاهيم المحسوسة عليها.

يقدم مثال "الحب سفر" نموذجاً توضيحياً لهذه الآلية الاستعارية. السفر، باعتباره مجالاً مصدراً، يتكون من مجموعة من العناصر المحسوسة والتجارب الملموسة: الانتقال المكاني من نقطة إلى أخرى، التكلفة المادية للتنقل والإقامة، تغيُّر المحيط الاجتماعي والأشخاص المصاحبين، الاغتراب الفيزيائي عن المألوف، بنية زمنية محددة بوضوح تتضمن بداية ونهاية، والتحول الثقافي الناتج عن التعرض لثقافات مختلفة.

 الحب، باعتباره مجالاً هدفاً مجرداً، يمتلك بنية موازية لكن على المستوى الذهني: الانتقال النفسي من حالة وجدانية إلى أخرى، التكلفة الانفعالية والمعنوية، الانعزال الوجداني عن المحيطين والانشغال بالمحبوب، الاغتراب الذهني عن الحالة السابقة، بنية زمنية مُدرَكة نفسياً، والتحول السلوكي والشخصي. العملية الاستعارية تتمثل في إسقاط بنيوي منظَّم من المجال المحسوس على المجال المجرد، مما يسمح للعقل البشري بفهم التجربة المجردة للحب من خلال البنية المحسوسة للسفر.

هذا الإسقاط ليس عشوائياً أو سطحياً، بل يعتمد على تطابقات بنيوية عميقة بين الحقلين، حيث كل عنصر محسوس في السفر يقابله عنصر مجرد في الحب، لكن الفارق الجوهري أن عناصر السفر يمكن رؤيتها ولمسها والتحقق منها حسياً، بينما عناصر الحب تبقى في المجال الذهني الداخلي.

الخيال: الآلية المعرفية والتجريد المفاهيمي

الخيال البشري يمثل قدرة معرفية استثنائية تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، لكن هذه القدرة رغم اتساعها اللامحدود تعمل وفق قيد معرفي محدد وواضح. الخيال لا يُفعَّل بكامل طاقته إلا في سياق المفاهيم المجردة، أي تلك المفاهيم التي لا ترتبط بمصداق تجريبي محدد أو حدث معيَّن.

هذا القيد المعرفي يكشف عن طبيعة الخيال الجوهرية: فهو لا يتعامل مع الجزئيات الملموسة بل مع الكليات المجردة، ولا يشتغل على المعلومات المحددة بل على الفضاءات المفاهيمية المفتوحة. عندما نتحدث عن مفهوم "الحب" كمفهوم كلي مجرد، ينطلق الخيال في فضاء واسع غير محدود، يتصور أشكالاً مختلفة وتجليات متنوعة لهذا المفهوم. لكن عندما نتحدث عن "قصة قيس وليلى" كمصداق تجريبي محدد، فإننا نتعامل مع معلومة لها حدود واضحة وتركيبات معينة وقصة محددة، وهنا لا يجد الخيال نفس المساحة للانطلاق، بل نكون في مجال التذكر والاسترجاع أكثر من التخيل والإبداع.

يمكن تصنيف التجريد المفاهيمي إلى مستويين متمايزين من حيث العمق والتخصص. المستوى الأول هو التجريد البسيط، ويشمل المفاهيم الكلية المتداولة ثقافياً بشكل واسع، تلك المفاهيم التي تشكل جزءاً من الوعي الجمعي ويفهمها معظم أفراد المجتمع دون حاجة إلى تدريب فلسفي أو تخصصي. أمثلة هذا المستوى تشمل مفاهيم كالحب والعدالة والخير والشر والحرية والظلم، وهي مفاهيم يستطيع كل إنسان تقريباً أن يتصورها ويفكر فيها ويتخيل تجلياتها المختلفة.

 المستوى الثاني هو التجريد العميق، ويشمل المفاهيم الفلسفية والميتافيزيقية المتخصصة التي تتطلب تفكيراً عميقاً وتدريباً فكرياً خاصاً. أمثلة هذا المستوى تشمل مفاهيم كالجوهر والقِدَم والكينونة والماهية والوجود المطلق، وهي مفاهيم لا يألفها إلا المتخصصون في الفلسفة أو اللاهوت أو الميتافيزيقا.

القاعدة العامة هنا واضحة: كلما ازداد مستوى التجريد المفاهيمي وأوغل الإنسان في التجريد، اتسع مجال الفعالية الخيالية وازدادت قدرة الذهن على التصور والتخيل. هذا التناسب الطردي بين عمق التجريد واتساع الخيال يكشف عن العلاقة الوثيقة بين القدرة على التجريد والقدرة على التخيل، فكلاهما يتطلب تحرراً من قيود المحسوس والملموس والانطلاق نحو عوالم المفاهيم الذهنية الخالصة.

الأساس العصبي: منطقة الحُصين والذاكرة

شكَّلت الحالة السريرية لهنري موليسون في عام 1953 نقطة تحول جوهرية في علم الأعصاب الإدراكي، وفتحت أبواباً واسعة لفهم الأسس العصبية للذاكرة والخيال. كان موليسون يعاني من صرع شديد ومستعصٍ جعل حياته لا تُطاق، فأجرى له الجراح ويليام سكوفيل عملية جراحية استئصل فيها أجزاء من الفص الصدغي الأنسي، بما في ذلك منطقة الحُصين في كلا نصفي الدماغ.  نجحت العملية في القضاء على الصرع.

لكنها أحدثت تأثيراً جانبياً لم يكن متوقعاً: فقد موليسون القدرة التامة على تكوين ذكريات جديدة، حيث أصبح موليسون عاجزاً عن الاحتفاظ بأي معلومة جديدة لأكثر من بضع دقائق، فإذا التقى بشخص وتحدث معه ثم غادر الشخص الغرفة لدقيقة واحدة وعاد، لا يتذكره موليسون على الإطلاق ويتعامل معه كشخص يلتقيه لأول مرة.

 المثال الأوضح لمعاناته كان في المواقف اليومية البسيطة: يتصل به صديق ويخبره أنه واقف عند باب المنزل، يتعرف موليسون على صديقه لأن ذاكرته القديمة سليمة، يقوم ليلبس ملابسه للخروج، لكن بمجرد أن ينتهي من اللبس ينسى تماماً السبب، يعود ليجلس، يتصل الصديق مجدداً، وتتكرر الدورة نفسها مراراً. هذه الحالة كشفت أن منطقة الحُصين الدماغية ليست مسؤولة فقط عن تخزين الذكريات، بل هي مسؤولة أيضاً عن نقل الذكريات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى.

الفص الصدغي الأوسط الذي استُؤصل من دماغ موليسون يعمل بوصفه جسراً عصبياً حيوياً بين الخبرات الحسية الآتية من العالم الخارجي والذاكرة الدائمة. المعلومات الحسية عندما تدخل الدماغ لا تنتقل مباشرة إلى الذاكرة طويلة المدى، بل تمر أولاً عبر هذه المنطقة الوسيطة حيث تخضع لعملية تصفية وتبلور ومعالجة.

 هذه المرحلة الوسيطة في غاية الأهمية، فهي التي تحدد ما سيُخزَّن بشكل دائم وما سيُنسى. بعد المعالجة، تنتقل المعلومات المصفاة إلى مناطق التخزين الدائم في الدماغ. غياب هذا الجسر العصبي، كما حدث مع موليسون، يعني أن الخبرات الجديدة تدخل الوعي لحظياً لكنها لا تستطيع العبور إلى الذاكرة الدائمة، فتختفي خلال دقائق ولا يبقى منها أثر. هذا يضع الشخص في وضع مأساوي: يعيش في حاضر دائم لا ماضي قريب له، كل لحظة منفصلة عما قبلها، كل تجربة معزولة عن سياقها الزمني، وكل محاولة للتعلم من التجربة تذهب هباءً لأن التجربة نفسها لا تُسجَّل في سجل الذاكرة.

استمرت الدراسات العصبية في متابعة حالة موليسون وحالات مشابهة لها على مدى عقود، حتى توصل العلماء في عام 2007 إلى اكتشاف مذهل غيَّر فهمنا لوظائف منطقة الحُصين. اتضح أن هذه المنطقة ليست مسؤولة فقط عن الذاكرة، بل هي مسؤولة أيضاً عن وظيفة معرفية أخرى لا تقل أهمية: الخيال. منطقة الحُصين الدماغية، إذاً، هي المقر العصبي المشترك لكل من الذاكرة والخيال، وهذا الاكتشاف يفسر الترابط الوثيق بينهما.

لأن الذاكرة والخيال يستقطبهما نفس الحيز الدماغي، ويستخدمان نفس البنية العصبية، ويتشاركان في نفس الآليات المعرفية. هذا الاشتراك العصبي له تداعيات عميقة، أهمها أن عمل الذاكرة أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بعمل الخيال، بحيث يصعب الفصل بينهما في كثير من الحالات. هذا الارتباط ينتج عنه ظواهر معرفية معقدة، أبرزها ما يُعرف بالذاكرة المزيفة والذاكرة البناءة.

الذاكرة المزيفة: التداخل بين التذكر والتخيل

الذاكرة المزيفة ظاهرة معرفية تنتج عن التداخل العصبي بين آليات الذاكرة وآليات الخيال في منطقة الحُصين.

عندما نحاول استرجاع حدث ماضي، لنفترض أنه يتكون من عشر معلومات أو عناصر أساسية، فإن ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن هذه العناصر العشرة الأصلية تتحول إلى ثلاثين عنصراً في الذاكرة المستَرجَعة. هذه الزيادة العشرينية ليست مجرد خطأ عشوائي أو تشويه بسيط، بل هي نتيجة عملية معقدة من الدمج والبناء.

كما أن العناصر الزائدة تنقسم إلى فئتين:

الفئة الأولى تتكون من معلومات حدثت فعلاً للشخص، لكن في قصة أو حدث آخر مختلف تماماً. ما يحدث هو أن الذاكرة تدمج عناصر من أحداث مختلفة لأنها تشترك في بنية مشابهة أو تنتمي إلى نفس الحقل الدلالي. مثلاً، العنصران السادس والسابع في القصة الأولى قد يكونان في الواقع من القصة الثانية، لكنهما يتشابهان بنيوياً مع العنصرين الثالث والرابع في القصة الأولى، فيحدث دمج بينهما في حقل واحد. هذا يشبه تماماً وجبات طعام مختلفة تشترك في بعض المكونات، فالوجبة الأولى قد تحتوي على ستة مكونات والوجبة الثانية على عشرة مكونات، لكن المكون السادس والسابع في الأولى هو نفسه المكون الثالث والرابع في الثانية لأنهما ينتميان لنفس الفئة الغذائية، كالنشويات مثلاً.

الفئة الثانية من العناصر الزائدة تتكون من إضافات خيالية محضة، أي عناصر لم تحدث في أي قصة حقيقية، بل أنتجها الخيال لملء الفراغات أو لإكمال البنية السردية للحدث المستَرجَع.

هنا تبدأ الاستعارة دورها الحاسم في هذه العملية المعقدة. الاستعارة، كما أوضحنا سابقاً، هي دمج لتصورين من حقلين مختلفين يربط بينهما بنية خفية مشتركة. في سياق الذاكرة المزيفة، الاستعارة تعمل كآلية توظيف للمجال الخيالي باستخدام المعلومات المخزنة في الذاكرة.

إذا كانت الذاكرة تمثل معلومات جاهزة عن أحداث وقعت فعلاً، وإذا كان الخيال يمثل فضاءً معرفياً ومجالاً إمكانياً مفتوحاً، فإن الاستعارة هي الآلية التي توظف هذا الفضاء الخيالي لربط المعلومات الذاكراتية بطريقة جديدة قد لا تطابق الواقع التاريخي للأحداث. هذا التوظيف الاستعاري للذاكرة والخيال ليس عملية سلبية أو خللاً معرفياً بالضرورة، بل هو جزء أساسي من طريقة عمل الدماغ البشري في فهم التجارب وبناء المعنى. لكن هذه الآلية نفسها يمكن أن تؤدي إلى تشوهات خطيرة في الذاكرة، خاصة في السياقات القانونية أو الشهادات التاريخية، حيث الدقة في التذكر أمر حاسم.[1]

توطيد الذاكرة والتصفية البنيوية:

قدّم روبرت سابولسكي، رئيس قسم علم الأعصاب في جامعة ستانفورد والمتخصص في الأنثروبولوجيا العصبية، إسهامات جوهرية في فهم عملية توطيد الذاكرة. سابولسكي، الذي أمضى أربعين عاماً في دراسة الدماغ البشري واستقر لسنوات طويلة في كينيا لدراسة السلوك البشري الأولي، طوّر نموذجاً لفهم كيفية انتقال المعلومات من الخبرة الحسية المباشرة إلى الذاكرة الدائمة. وفق هذا النموذج، يمتلك كل إنسان مكانين أساسيين لتخزين الذاكرة، كل منهما يؤدي وظيفة مختلفة في العملية المعرفية.

المكان الأول هو التخزين المؤقت، وهو المسؤول عن استقبال الخبرات المباشرة التي نمر بها في حياتنا اليومية، كل التفاصيل الحسية والانفعالية والمعرفية للتجربة تُسجَّل هنا بشكل أولي. المكان الثاني هو التخزين الدائم، وهو المسؤول عن حفظ خلاصة هذه الخبرات وليس تفاصيلها الكاملة، المعلومات الحسية تمر عبر المنطقة الوسيطة في الفص الصدغي الأوسط، حيث تخضع لعملية تصفية دقيقة ومعالجة انتقائية، وما ينتقل في النهاية إلى الذاكرة الدائمة هو فقط خلاصة التجربة وليس كل تفاصيلها. هذه الآلية تمثل ميزة تطورية عظيمة، فهي تحمي الذاكرة من الامتلاء الكامل بتفاصيل لا حصر لها، وتسمح للدماغ بالاحتفاظ بالمعلومات الأساسية والمعنى الجوهري للتجارب دون أن يغرق في بحر من التفاصيل غير الضرورية.

لكن هذه الآلية الانتقائية تطرح سؤالاً معرفياً في غاية الأهمية: ما الذي يحدد أي جزء من التجربة سيُختار للتخزين الدائم وأي جزء سيُصفى ويُنسى؟

إذا افترضنا أن حدثاً معيناً يتكون من مئة عنصر أو معلومة، فلماذا يُختار سبعون عنصراً منها للتخزين بينما تُستبعد الثلاثون الأخرى؟ هذا يعني أن جزءاً من التركيب الصوري الكلي للحدث، أي جزءاً من الصورة الذهنية الشاملة التي تمثل الحدث، سيختفي ولن يُخزَّن، وبالتالي لن يكون متاحاً للاسترجاع في المستقبل.

هذا الاختيار الانتقائي ليس عشوائياً أو اعتباطياً، بل يخضع لمعايير بنيوية دقيقة. من المنظور اللساني، يمكن إرجاع هذه الانتقائية إلى النمط البنيوي اللغوي الذي يحكم تنظيم المعلومات في الذهن[2]. النمط اللغوي البنيوي يعمل كمرشح معرفي، يسحب إليه ما يناسبه من المعلومات ويتوافق مع بنيته، وينفي عنه ما لا يناسبه أو يتعارض معه. وبالتالي فإن هذه الآلية الانتقائية تعني أن ما يُخزَّن في الذاكرة الدائمة ليس نسخة موضوعية ومحايدة من الواقع، بل هو واقع مُفلتَر عبر البنية اللغوية والمفاهيمية للفرد.

هذا الاكتشاف يقودنا إلى إدراك مشكلة معرفية عميقة: إذا كان النمط البنيوي اللغوي هو الذي يحدد ما يُخزَّن وما يُنسى، وإذا كان هذا النمط يسحب إليه ما يناسبه وينفي ما لا يناسبه، فإن تغيير ما استقر في الذاكرة يصبح أمراً بالغ الصعوبة. النمط المستقر يعمل كبنية حاكمة تفرض نفسها على التجارب الجديدة، فتؤوَّل التجارب الجديدة بما يتوافق مع النمط القديم،[3] وتُستبعَد المعلومات التي تتحدى هذا النمط أو تتعارض معه. المشكلة تتفاقم عندما يكون النمط المستقر نفسه خاطئاً أو مضراً أو سلبياً. إذا كان الشخص قد طوّر نمطاً بنيوياً سلبياً في فهم نفسه أو فهم العالم أو العلاقات الاجتماعية، فإن هذا النمط

الذاكرة والاستعارة والخيال: رحلة في العقل البشري

يطرح السؤال الذي يشغل بال الكثيرين حول كيفية عمل الذاكرة وتشكيل الصور الذهنية تساؤلات عميقة حول طبيعة الإدراك البشري. فالصورة الذهنية نفسها تثير الحيرة، إذ كيف تتركب في أذهاننا؟ وهل هذه العملية جبرية أم اختيارية؟ قد يكون هناك اختلال في كيمياء الدماغ يجعل بعض الأفكار تأتي بشكل قهري، وهنا يأتي دور المضادات الطبية لتحييد هذه الأفكار مؤقتاً، ريثما يتم تعديل الجانب المعرفي والمفاهيمي لدى الشخص، ثم يبدأ الطبيب بتقليل الجرعات تدريجياً حتى يعود المريض إلى حالته الطبيعية.

تستحق هذه الفكرة تأملاً عميقاً، خاصة عندما نربطها بالتطبيقات العملية في مجالات أدبية مثل الشعر. فالشعر بوصفه مادة جمالية غنية، يمثل ميداناً خصباً لتطبيق النظريات المعرفية والعصبية. سواء كان الشعر قديماً أو حديثاً، فإن دراسته من منظور عصبي تفتح آفاقاً جديدة للفهم. وهذه الدروس التطبيقية لن تكون نافعة إلا لمن فكر فيها كثيراً وتأملها بعمق وناقشها مع الآخرين، لأنها تفسر أموراً كثيرة في حياتنا اليومية.

في كثير من الحالات، لا نحتاج إلى معالجة الشيء بقدر ما نحتاج إلى فهمه. فعندما يتصرف أخ أو قريب بطريقة معينة، قد يكون الأهم هو فهم دوافعه وليس محاولة تغييره مباشرة. أحياناً يمكن تأجيل فكرة معينة، تماماً كما يفعل بعض الآباء عندما يدركون أن أبناءهم سيفهمون أموراً معينة في المستقبل. فكرة التأجيل هذه تصبح أداة مهمة عندما نفهم الآليات العصبية للذاكرة والإدراك.[4]

الذاكرة وآلية عملها

تعمل الذاكرة بطريقة انتقائية مثيرة للاهتمام. من بين مئة موقف قد نمر به، تستخلص الذاكرة حوالي سبعين منها لتشكيل خلاصة تجاربنا، بينما يُنفى الباقي. هذه الخلاصة تصبح الركيزة التي نعتمد عليها في اتخاذ قراراتنا وتشكيل أنماط تفكيرنا. لكن ماذا يحدث عندما تواجهنا حادثة معينة تجعلنا نتساءل عن صحة هذه الخلاصة؟ عندما لا تنجح الخلاصة المخزنة في التعامل مع موقف جديد، نضطر للرجوع إلى الذاكرة وإعادة تركيب المشهد الكامل واستخلاص خلاصة جديدة.

يثير هذا الأمر تساؤلاً مهماً: هل المعلومات المنفية موجودة فعلاً في الذاكرة؟

 الدراسات العلمية تشير إلى أن ما يُنفى يكون منفياً حقاً. لكن المشكلة ليست في وجود المعلومات بقدر ما هي في قدرتنا على استخدامها. الأمر يشبه محرك البحث جوجل، حيث تظهر نتائج عديدة موزعة على صفحات كثيرة، لكن قلة من الناس يتجاوزون الصفحة الأولى. في الصفحات المتأخرة، قد نجد أبحاثاً علمية قيمة أو منتديات قديمة بها معلومات مفيدة، لكنها موجودة بعيداً عن متناول اليد.

لكن البيئة تلعب دوراً حاسماً في تنشيط المعلومات المخزنة. فعندما يواجه الشخص سؤالاً معيناً في اختبار، قد تنشط معلومات كان يظن أنه نسيها. وعندما يحضر مناسبة اجتماعية ويدور حديث عن موضوع ما، قد يتذكر فجأة تفاصيل كان يعتقد أنها اختفت من ذاكرته. أحياناً، عند السؤال عن مسألة لم نتطرق لها منذ سنوات، نشعر وكأننا نسحب المعلومة سحباً من أعماق الذاكرة، تماماً كما نسمع كلمة مرت علينا لكننا لا نتذكر معناها بسهولة، فنضطر لاستحضارها بجهد.

المسارات العصبية والجسم الثفني

المعلومات تُخزن في منطقة من الدماغ تُسمى الجسم الثفني، وهي تشبه في عملها شبكة الري في المزارع. عندما يتدفق الماء بعمق في قناة معينة، تتوسع التربة وتصبح القناة أكبر. كذلك الأمر في الدماغ، حيث تؤدي المعلومات التي نكررها باستمرار إلى تكوين حزم من الألياف العصبية تصبح كالطرق الواسعة المعبدة، بينما المعلومات التي نستخدمها نادراً تبقى كطرق ضيقة أو حتى مردومة.

يقول بعض علماء الأعصاب إن تغيير المسارات العصبية يحتاج إلى أربعة عشر يوماً، بينما يرى آخرون أن الأمر يستغرق واحداً وعشرين يوماً. الهدف من هذه المدة هو تصغير المسارات العصبية الكبيرة المحفورة بعمق وجعلها أصغر، وذلك بالتوقف عن استخدامها. لكن بعض الباحثين المتخصصين في الجينات العصبية، مثل الدكتورة التي تدير مركزاً بحثياً في جامعة لندن، يعتقدون أن التغيير يمكن أن يحدث في ثلاثة أيام فقط من خلال برنامج عصبي مكثف.

تذهب الباحثة ليزا باريت، وهي رئيسة مركز هارفارد للدراسات النفسية العصبية، إلى أبعد من ذلك، حيث تؤكد أن كل شيء في الدماغ قابل للتغيير، حتى ما نسميه "البصمة" أو الردود اللاشعورية. لا يوجد شيء ثابت تماماً، حتى الاستجابات التي تبدو تلقائية مثل احمرار الوجه عند سماع اسم شخص معين، أو الحزن المفاجئ، أو الرغبة في البكاء. كل هذه الاستجابات قابلة للتعديل من خلال تغيير البيئة الإدراكية.[5]

الذاكرة الزائفة وتداخل الحقول المعرفية

الذاكرة الزائفة ظاهرة معقدة درسها الباحث سابلوسكي بعمق. هذا النوع من الذاكرة لا يعني بالضرورة الكذب، بل يعني أن الدماغ يخلط بين معلومات صحيحة ومعلومات من حقول معرفية أخرى مشابهة. فقد يروي شخص حدثاً وقع له ويذكر تفاصيل دقيقة، بعضها صحيح وبعضها الآخر غير دقيق، لكنه لا يكذب عمداً. المشكلة تكمن في أن صورة معينة أو شخصاً معيناً راسخ بقوة في ذهنه، لدرجة أنه يجد هذا الشخص حاضراً في تفاصيل كل ما يرويه، حتى لو لم يكن موجوداً فعلياً.

قد يكون لهذا الأمر أسباب نفسية، كأن يريد الشخص رفع مكانته أمام الآخرين. مثلاً، قد يحضر أحدهم ندوة ثم يدعي أن شخصية مهمة كانت تتابعه عبر البث المباشر، وذلك لإظهار أهميته. لكن من الناحية العصبية، يحدث هذا بسبب ترسخ عميق لحقل معرفي معين في الذهن، سواء كان هذا الحقل مرتبطاً بشخص أو بموضوع، مما يجعل الدماغ يُدخل عناصر من هذا الحقل في أي سياق مشابه.

الاستعارة كأداة معرفية

كتاب "الاستعارة والتأويل" يمثل مرجعاً مهماً في هذا المجال، وهو مجموعة أبحاث محكمة أُهديت للدكتور محمد الولي، الذي يُعتبر من الرواد في دراسة الاستعارة. درس الولي الاستعارة في أطروحته للدكتوراه من اليونان إلى اليوم ، وقدم إسهامات بارزة في فهم كيفية عمل الاستعارة في الذهن البشري. الكتاب يحتوي على أبحاث محكمة، مما يعني أن كل بحث مر بعملية تقييم من قبل مجموعة من الخبراء، مما يجعله مصدراً موثوقاً.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مجلة "فصول" العلمية المحكمة، التي خصصت عدداً كاملاً عام 2017 لموضوع "الإدراكيات"، وهو يقع في حوالي ثمانمئة صفحة من الأبحاث المتخصصة. هذه المراجع ضرورية لمن يريد التعمق في فهم العلاقة بين اللغة والإدراك والذاكرة.

الدماغ بين الحماية والانتقائية

أحد الجوانب المثيرة في عمل الدماغ هو أنه لا يسمح لنا بتخزين كل شيء أو فهم كل شيء دفعة واحدة. الدماغ يحمينا أحياناً بمنعنا من التركيز على معلومات معينة، وهذا ليس خللاً بل آلية دفاعية. فالتركيز على كل شيء في آن واحد قد يكون مضراً. أحياناً، يتعمد الدماغ إيقاظ ذكرى أليمة ليس لأذيتنا، بل لأنه يحتاج إلى التنشيط، وكأنه يقول: "من زمان ما استخدمت هذه المنطقة، دعني أنشطها".

هذا يشبه امتلاك أدوات قوية جداً لكن استخدامها في مهام بسيطة لا تتناسب معها. مثلاً، شخص حاصل على دكتوراه في الرياضيات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لكنه يُطلب منه تدريس جدول الضرب لأطفال الصف الأول. لديه أدوات قوية لكنه يضعها في شيء لا يستحقها. كذلك من يقرأ دوستويفسكي وتشيخوف والعلوم الإنسانية العميقة، ثم يذهب لجلسات سطحية، سيشعر بالحاجة لاستخدام هذه الأدوات المعرفية حتى في سياقات لا تستدعيها.

لهذا السبب، تُعتبر الكتابة من الحلول المهمة، وكذلك المشاركة في الحلقات العلمية والندوات. هذه المساحات تمثل كنزاً عظيماً ونعمة حقيقية، لأنها توفر بيئة لتوظيف المعرفة العميقة بشكل مناسب. الحلقات العلمية، مثل ما كان يُعرف بـ"أحاديث السمر"، حيث يجتمع الباحثون لمناقشة موضوع معين بعمق، تمثل فرصة ذهبية لتفريغ المعرفة المتراكمة واستثمارها بطريقة نافعة.

بين التخصص والموسوعية

يطرح البعض تساؤلاً مهماً حول التوازن بين التخصص العميق والمعرفة الموسوعية. البعض يفضل التركيز على تخصص واحد لتجنب التداخل المعرفي الذي قد يؤثر على الخيال والقدرة على الاكتشاف. هذا التوجه له وجاهته، لكن المسألة تعتمد على قدرات الشخص وأولوياته. المهم هو إتقان أصول التخصص أولاً قبل التوسع، خاصة في العلوم الإنسانية حيث تشكل المنطق والنحو والإبستمولوجيا الأساس الذي لا غنى عنه.

بعد ضبط الأصول، يمكن التوسع حسب الجهد المبذول والوقت المتاح. لا توجد قاعدة ثابتة تصلح للجميع، لكن السؤال الجوهري هو: ما الذي تنازلت عنه لتحقيق ما حققته؟ الموسوعية تتطلب تضحيات، فقد يتنازل الشخص عن الأسرة أو الدكتوراه أو الأصدقاء أو الترفيه. لا يمكن الجمع بين كل شيء والتوقع بتحقيق نتائج استثنائية.

عبد الرحمن بدوي مثال بارز على الموسوعية المبنية على تخصص، فقد أنتج مئة وخمسين كتاباً تخصصياً، وكان يترجم من عشر لغات، لكنه خصص أربع ساعات فقط يومياً للعمل، والباقي لأمور ثانوية. هذا يوضح أن الموسوعية ممكنة لكنها تتطلب تأصيلاً قوياً وانضباطاً صارماً. كلما كان الشخص متأصلاً في تخصصه، كلما فهم المواد الجديدة بسرعة أكبر.

الخيال والمعرفة

أينشتاين أكد مراراً أهمية الخيال، قائلاً إن المعرفة محدودة لكن الخيال لا حدود له. استخدم الاستعارات والتشبيهات لشرح نظرية النسبية، مثل مثال الراكب في القطار. لكن خياله لم يكن عشوائياً بل مبنياً على أسس علمية صلبة. هنا يكمن التوازن: الخيال الخصب مهم، لكنه يحتاج إلى قاعدة معرفية صلبة ليكون منتجاً.

التحليل مفهوم استخدمته مدارس متعددة: النفسية واللغوية والاجتماعية والأنثروبولوجية. فهم الرابط بين هذه الاستخدامات يتطلب تأسيساً قوياً. بعد التأسيس، يمكن للشخص أن يتحدى نفسه بقراءة موضوع ما والكتابة عنه بعشر صفحات، وهو تمرين يجبره على استكشاف تخصصات أخرى ورؤية الروابط بينها.

النصيحة المهمة هي: إذا أردت شراء عشرة كتب، اشترِ سبعة نظرية وثلاثة تطبيقية، وليس العكس.

 المدرسة الأمريكية تركز على التجارب بشكل مبالغ فيه، بينما المدرسة الفرنسية والألمانية تتعمق في الأصول والأسس النظرية. هذا النهج الفرنكفوني أثبت فعاليته في بناء فهم عميق ومتين.

الختام: 

هذه الدروس في الذاكرة والإدراك والاستعارة تمثل أدوات جديدة في الواقع العربي. الطريقة العصبية لدراسة القضايا الإنسانية تفتح آفاقاً واسعة للفهم والتطبيق. المهم هو التأمل العميق والممارسة المستمرة، سواء من خلال القراءة أو الكتابة أو المشاركة في الحلقات العلمية. هذه المعرفة ليست نظرية فحسب، بل لها تطبيقات عملية في فهم أنفسنا والآخرين، وفي التعامل مع التحديات اليومية بحكمة وبصيرة.

 



[1] من هذا المنطلق تصبح الاستعارة جزء من البنية النفسية والعاطفية والوجدانية داخل الأبعاد الإنسانية، أصبحت الاستعارة ذات طابع نفسي وجودي ملازم للتجربة الإنسانية في شموليتها وكليتها.

[2] يعني بلغة توماس كون النموذج الارشادي الذي نختاره في تصورنا للحياة هو الذي يحدد معنى الحياة و الذكريات التي تبقى معنى والذكريات التي ننساها، إذا العمل البيولوجي العصبي، مرهون بالمسارات البنيوية التي تشكل تمثلاتنا للغة وشكلها في الذهن

[3] هذا الواقع يصنع التشوهات المعرفية التي تحصل لنا بسبب  التحيز في أحكامنا وقرارتنا وخياراتنا النفسية والمعرفية

[4] إدراك هذه الوقائع نفسيا يعطي الكثير من الراحة النفسية والقدرة على تقبل الأخرين بأخطائهم وأفكارهم وبعض الأحيان محاولة فهم الدوافع التي تجعل شخصا ما يتخذ قرارا أو خيارا كيفما كان شكله وفي أي مجال، لكن الأهم هو القدرة على الإستيعاب.

[5] الفكرة الأساسية عند هذه الباحثة أن المشاعر ليست شيء ثابت بل كل إنسان يصنع بصمته الخاص في تشكيل المشاعر سواء الإيجابية منها أو السلبية، وبالتالي لا توجد نماذج شمولية لتفسير المشاعر.

تعليقات