هل السعادة تأجيل للتعاسة أم تحقيق للذات؟ حين تصبح السعادة تأجيلاً للألم لا تحقيقاً للذات

 

السعادة بين تأجيل التعاسة وتحقيق الذات

مدخل: من غاية الإنسان إلى سؤال السعادة

لا مبالغة إذا قيل إن أرسطو هو أكثر المرجعيات حضورًا في العلوم الإنسانية، سواء في كثرة الاستشهاد به أو في غزارة إنتاجه التأسيسي. وقد بنى أرسطو فلسفته كلها على ركيزة واحدة: أن غاية الإنسان هي السعادة، خلافًا لأستاذه أفلاطون الذي رأى أن الغاية هي الفضيلة. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف سؤال السعادة عن التجدد في كل عصر. كما يروى عن نيتشه أنه حين اجتمع مع طلابه ليحدثهم عن السعادة، قال لهم: "لن أحدثكم عن السعادة مباشرةً، بل سأحدثكم عن التعاسة، لأن من خلالها نفهم السعادة ونصل إليها." وهذا المنطق يفتح أمامنا تفريقًا جوهريًا كثيرًا ما نغفل عنه: الفرق بين السعادة من جهة، وتأجيل التعاسة من جهة أخرى.

السعادة أم تأجيل التعاسة؟

الملاحظ في أغلب ما نفعله أننا نسعى إلى تأجيل التعاسة، لا إلى تحقيق السعادة في ذواتنا. ومثال ذلك اليومي ما ألِفناه حين يشعر أحدنا بالملل في البيت فيقول: "لنخرج، فالبيت ضيّق." كأن السعادة صارت مرادفة للخروج، وكأن التعاسة مربوطة بالمكان لا بالحالة الداخلية. وهذا بدوره يرسّخ عند الصغار والكبار مفهومًا تربويًا مضللًا مفاده أن السعادة = الخارج. وحين نعود إلى البيت، نعود لكنّنا نلجأ فورًا إلى عوالمنا الافتراضية: الهاتف، والتلفزيون، والأفلام، والمباريات، ومجالس الحديث الافتراضية. المهم ألا نبقى مع أنفسنا. فينصرف اهتمامنا دومًا إلى الموضوع لا إلى الذات.

هذا يخلق لدينا وهما كبيرا أن السعادة خارجية وليست داخلية في حين أن السعاد هي حالة داخلية و ليست خارجية، لكن نوهم أنفسنا أننا إذا سافرنا سوف نكون سعداء، أو إذا كنا مع فلان سوف نكون أسعد أو أن السعادة ترتبط بالعلاقات مع الأصدقاء، في حين أن السعادة ليس لها باب واحد إنما تحمل أبوابا مختلفة ومتنوعة.

الموضوع والذات: أصل الإشكال

ثمة قاعدة منهجية في العلوم الإنسانية تقول إن النظر في الكيفيات يجب أن يتوجه نحو الذات لا نحو الموضوع. غير أن التوغل في الماديات والانغماس في الخارج يجعل الإنسان يعيش حياة موضوعية بامتياز:

  • "أنا سعيد إذا حصلت على وظيفة." أنا سعيد إذا اشتريت سيارة." "أنا سعيد إذا سافرت."

لكن المشكلة أن كل هذه الأشياء ما هي إلا وسيلة للهروب من السؤال الجوهري وهو أننا لا نكون سعداء بل نسعى إلى السعادة ونصنع جملة من الأفكار والقناعات التي تظن أنها سوف تكون مصدرا للسعادة حينما نؤمن بقواعد ومعايير السعادة.

السعادة: مفهوم مجرد لا يُقبض عليه حسًا

السعادة، كالعدالة والحب، من المفاهيم البنيوية الكبرى التي تعود إليها كل المفاهيم الأخرى بصورة أو بأخرى. وهي مفهوم مجرد بالمعنى الدقيق: أي أنها موجودة في الذهن، لكن لا يمكن الوصول إليها حسًا إلا عبر تصورات معينة نستحضرها. وبما أنها في الذهن، فإن التصورات هي التي توصلنا إليها. ولما كانت التصورات تختلف من إنسان لآخر، فمن الطبيعي أن يختلف الوصول إلى السعادة بين البشر. ولهذا لا يوجد تعريف جامع مانع للسعادة.

السعادة في الفكر الغربي: مسار تاريخي

تقسّم الفكر الإغريقي تجاه السعادة إلى ثلاثة تيارات:

أولًا: المثالية الأفلاطونية رأت أن السعادة هي الفضيلة، وأن القرب من القيم المثلى للمجتمع هو طريق السعادة.

ثانيًا: الواقعية الأرسطية رأى أرسطو أن السعادة مفهوم سياسي لا فردي؛ فالمجتمع السعيد هو الذي يضمن السعادة لأفراده. وهذه الفكرة لا تزال حاضرة في المدارس السياسية الكبرى، وتحديدًا في المشروع الأمريكي الذي يرى في نشر قيمه رسالةً إنسانية مكرّسة حتى في دستوره.

ثالثًا: السفسطائية التجريبية رأت أن السعادة مفهوم براغماتي عملي يبيح الوصول إليها بأي وسيلة، حتى بالحروب والدمار، وهي الفكرة التي تتلاءم مع الفردانية والنظرة المادية للوجود.

أما في الفكر الحديث، فقد جاء شوبنهاور ليفجّر قنبلة فلسفية: ليس ثمة شيء اسمه السعادة، بل كلها أوهام بشرية، والموجود الحقيقي هو محاولة القفز على التعاسة التي هي الطبيعة الإنسانية الأصيلة. وجاء فرويد بعده ليقول إن مهمة التحليل النفسي ليست الوصول إلى السعادة، بل نقل الإنسان من التعاسة القهرية إلى التعاسة الواعية التي يقبلها بإرادته. أما برتراند راسل فرأى أن لحظة السعادة الحقيقية هي لحظة انتصار على العالم، قد تدفعك للبكاء في أوج الفرح، لأنك تجاوزت المألوف.

السعادة في الثقافة العربية والإسلامية

أما الثقافة العربية ثقافة كوزمولوجية، أي أنها تنظر إلى السعادة من خلال القيم التي تنتمي إليها. ففي العصر الجاهلي، كانت السعادة رهينة بالاعتراف القبلي والوفاء بالثأر. أما الإطار الإسلامي، فيرى أن القرب من تنفيذ أمر الله هو مفتاح السعادة، وهو تصور إنساني عميق في جوهره.

فحين تقيم الصلاة، فأنت مدعو إلى قطع كل العلائق المشتتة والتوجه بكليتك نحو هذا التواصل. وحين تعطي الصدقة، فأنت مدعو إلى الإخلاص الكامل بحيث "لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه". هذا التصوف العملي هو ما يجعل السعادة، في هذا الإطار، ممكنة لكل إنسان سواء كان غنيًا أو فقيرًا، بارزًا أو هامشيًا.

ولا يفوت الجاحظ في البخلاء أن يُظهر كيف يصل حتى البخيل إلى نوع من السعادة، لأنه يطبّق ما يراه صالحًا استنادًا إلى تأويله الخاص للقيم. وهذا يكشف أن التأويل سلاح بشري خالص للوصول إلى السعادة، نستخدمه جميعًا في كل عصر.

السعادة كمطابقة الإدراك للواقع

إن كان ثمة تصوير للسعادة يستحق التأمل، فهو: مطابقة الإدراك لما تملكه في الواقع.

نحن نعيش أزمة الإدراك المشتت؛ فنحن دومًا نفكر فيما لا نملكه، فيما نرجوه، فيما نتمناه، لا فيما بين أيدينا. والمشكلة أن الشيء الذي نحلم به، إذا استنزفناه خياليًا لأشهر طويلة قبل تحقيقه، فقدنا الطاقة الشعورية تجاهه، فلما وصلنا إليه وجدناه فارغًا لأن الخيال كان قد أتى عليه. والاختبار الحقيقي للإدراك هو مواجهته بالواقع. فالغني الذي يقول "أتمنى حياة الفقراء" إذا سألته: "هل تتنازل عن مالك؟" أجاب بالرفض. وهنا يظهر أن ما قاله كان ومضة عاطفية لا إدراكًا حقيقيًا.

المفاهيم الكلية: سلسلة متصلة لا تتجزأ

السعادة مفهوم كلي يندرج تحته مفاهيم جزئية. والمفهوم الكلي - كالبيت الذي أجزاؤه الغرف - لا يتحقق إلا بتصور تسلسلي لمفاهيمه الجزئية. لهذا لا يمكن تحقيق السعادة بمعزل عن العدالة والحب؛ هذه المفاهيم الثلاثة متشابكة ومتجانسة، وعدم امتلائها هو أول درجات الاضطراب النفسي. وحين يُقاس اكتمال مفهوم ما، فالمعيار هو أثره. فإذا قضيت يومًا رائعًا مع أصدقائك ثم عدت إلى البيت كئيبًا زعلًا، فهذا دليل على أن ما حدث كان تأجيلًا للتعاسة لا سعادة حقيقية. السعادة الحقيقية تُخلّف أثرًا، تُغذّي الأيام القادمة وتجعل الحياة قابلة للاستمرار.

العدمية الشعورية: أخطر حالات البعد عن الذات

تصف رواية إخوة كارامازوف لدوستويفسكي حالة إنسانية بالغة الدقة، على لسان شخصية إيفان الذي يقول: "كنا نظن أنه بإمكاننا أن نكون سعداء، فإذا بنا لم نصبح قادرين حتى على أن نحزن." هذه العدمية الشعورية هي أشد حالات البعد عن الذات. فحين يفقد الإنسان الصلة بأقرب المقربين، لا يشعر بالكراهية ولا بالحب، بل بـ"اللاشيء"، وهذه الحالة نتاج البعد عن سلسلة المفاهيم الداخلية وعن تركيبها وتصورها بطريقة سليمة.

ولمن أُفرغ من الداخل، تبدأ الاستعارة المتواصلة من الخارج: "فلان فعل كذا وصار سعيدًا، سأفعل مثله." هؤلاء المقلّدون يجهلون أنفسهم، ويعيشون في ما أسماه يونغ "البيت الخرب" - البيت الفارغ الذي لا شيء صالح للسكنة فيه.

العودة إلى الذات: الطريق الوحيد

الحل يبدأ بمعرفة ما يكمن في الذاكرة البعيدة الأمد، تلك المستودعات التي تجمع كل ما تلقّيناه من مدركات حسية وأخبار ومشاعر ذاتية عبر السنين. هذه الذاكرة تفرز نفسها دون استئذان، وتشكّل سلوكنا دون أن ندرك.

العودة إلى الذات لترتيب هذا الداخل وفهمه، هي الخطوة الأولى نحو السعادة الحقيقية. ليست السعادة هنا مشروطة بالخروج إلى شاليه، أو السفر إلى بلاد بعيدة، أو متابعة محتوى لا ينتهي. السعادة تُرى حين يكون المرء ممتلئًا من الداخل؛ عندها يتغيّر نظره إلى الناس، ويصبح النظر جماليًا لا نقديًا، وتتحوّل المفاهيم من أوهام تُستعار إلى حقائق تُعاش.

الإدراك شرطٌ للسعادة

يرى المتحاور الرئيسي أن السعادة لا تنبثق من الإنجازات الكبرى ولا من امتلاك المزيد، بل تنبع من الإدراك بمعناه العميق؛ أي توطين النفس على ما وصلَتْ إليه من معرفة ذاتية. والإدراك هنا لا يعني مجرد اكتساب المعلومات، بل يعني أن يعرف الإنسان حدوده، وقدراته، وعالمه الحقيقي.

مثلا  يقوم المرء من نومه، ويؤدي عمله، ويجلس مع أهله، ويقرأ كتاباً، ثم ينام، هذا هو ما يملكه، فإذا قَنِعَ به وآمن أنه يسعى ضمن إمكاناته الحقيقية، فإنه يكون قد بدأ الإدراك الفعلي لذاته، ومن ثَمَّ يكون قريباً من السعادة. وهذا ما أكده عالم النفس المعرفي الشهير من جامعة ستانفورد، الذي خلَص بعد أربعين عاماً من البحث إلى مفهوم واحد كبير سمّاه: "إنجازات الأداء"أي أن تشعر بالإنجاز مما تستطيع فعله، لا مما تتمنى لو كنتَ قادراً عليه. صنع كوب شاي، الاتصال بصديق، القراءة لساعة، واللَّهو البسيط كلها إنجازات إن أدركها الإنسان بوصفها تعبيراً عن قدرته الحقيقية.

عائقا السعادة :  المقارنة والشروط المثالية

العائق الأول: المقارنة الخاطئة، ليس المطلوب إلغاء المقارنة كلياً، فهي قد تكون محرِّكاً للتطور، لكن المشكلة في مقارنة النفس بما لا يتناسب مع مستواها. أن يقارن المبتدئ نفسه بالخبير الراسخ فتك، أما أن يقارنها بقرين يُشاركه المسيرة فحافز. المقارنة يجب أن تكون مع "الشخص الصح".

العائق الثاني: الشروط المثالية المستحيلة. حين يضع المرء لنفسه شروطاً للنجاح لا تُحقَّق إلا نادراً، فإنه يُحرق مئة إنجاز حقيقي لأنها لم تبلغ ذلك الشرط. فتمضي السنة كاملة كئيبة في نظره، لأن عينه شاخصة نحو هدف لا تُنجزه الطبيعة البشرية إلا في الاستثناء.

الدماغ بين الضجيج الخارجي والعمل الداخلي

الدماغ بطبيعته يسعى إلى تحقيق الأمان، وهذا دافع تطوري أصيل. غير أن الأنشطة العصبية باتت سطحية بسبب الكمّ الهائل من المثيرات الرقمية والمادية. وعندما يُوقِف الإنسان هذا الاستقبال المتواصل، ولو بعزلة بسيطة عن مواقع التواصل الاجتماعي لشهر مثلاً ،  يجد الدماغ فرصته ليُنظّم ما لديه، فيصفّي المفاهيم، ويُرتّب الأولويات، وتبدأ تغييرات ملحوظة تظهر على الشخص. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه كثير من العلاجات النفسية: عزل الإنسان عن الضجيج الخارجي، وإعطاء الجهاز العصبي فرصة العمل الهادئ ،  تماماً كما يحتاج الجهاز الهضمي إلى فترات راحة من الأكل كي يؤدي وظيفته بصحة.

السعادة في مواجهة المجتمع الاستهلاكي

هل يكفي أن يُعرِّف الفرد سعادتَه ويعيش على وفقها، في حين تُحاصره وسائل الإعلام والمؤسسات الاستهلاكية بتعريفات بديلة؟ السفر، الوظيفة الرفيعة، السيارة الفارهة، العلامات التجارية ، كلها تُقدَّم بوصفها شروطاً للسعادة، وجزءٌ كبير من الناس يعيشون تحت ثقل هذا الإملاء دون أن يشعروا.  هذا حقيقي، وهناك مستفيدون فعلاً من إبقاء السعادة رهينةَ الشراء والمنصب والمظهر. لكن الإنسان الممتلئ من الداخل — بالإدراك، والمفاهيم الصحيحة، والوعي النقدي — يستطيع أن يرى هذا الجهاز التسويقي ويُسمّيه. والمشكلة ليست في وجود المؤثرات الخارجية، بل في البيئة الإدراكية التي يغذّيها الإنسان بنفسه.

الفلسفة والعلوم الإنسانية — وحدة لا تجزئة

يُثار في النقاش سؤال جوهري: هل علم النفس أقدر على الإجابة عن ماهية السعادة أم الفلسفة؟

من يدرس علم النفس ويُهمِل اللغة والاجتماع والسياسة والدين، يدرس نفساً افتراضية لا تمتّ لواقع الإنسان بصلة. واللغة ذاتها إما "نظام نفسي" كما يرى تشومسكي، أو "نظام اجتماعي" كما يرى دو سوسير — في كلتا الحالتين لا تقوم منفردة. أما الفلسفة فدورها الجوهري في هذا الخليط هو الحكم؛ إذ إن العلوم الإنسانية تُعطيك آراء ومعطيات، لكن الفلسفة هي التي تجمع هذه الآراء في منظومة متسقة، كما تجلّى في أزمات توزيع اللقاح في زمن الجائحة، أو في إشكاليات التقسيم الاقتصادي بعد أزمة النفط ، حيث عادت الأسئلة الكبرى إلى مفهوم العدالة الفلسفية.

الحرية وسؤال القانون والدين

يُثير أحد المتحاورين تساؤلاً جريئاً: هل الدين، بإحالته الإنسانَ إلى "ما وراء"، يُعيق جزءاً من قدرته على صُنع معناه الخاص؟ وهل القانون في عالم اليوم أكثر قدرةً على منح الإنسان حرية صُنع السعادة؟

الأديان لم تُحِل الإنسان إلى ما وراء فحسب، بل أرشدته أيضاً إلى ضرورة المجتمع وضرورة الاعتناء بالنفس، فهي في الحقيقة منظومة متكاملة. أما عن الحرية، فيميل المتحاور إلى تعريف كانط: الحرية هي التحرر من الخطابات الخارجية التي تستعمر الوعي، حتى يصبح الإنسان مسؤولاً فعلاً عن قوله وفعله — لا ردّة فعل غريزية لكل استفزاز، بل تعالٍ هادئ وإشفاق. والقانون في هذا السياق ليس منتِجاً للحرية، بل رادعٌ وضامن للأمن الاجتماعي؛ وكثرة إصداره دليل على اضطراب اجتماعي، لا على نضج.

هل السعادة موجودة أصلاً؟

يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى. نحن نبني حياتنا كاملة على أمل بلوغ السعادة، نرجئ القرارات وننتظر اللحظة المناسبة، ثم نكتشف في نهاية المطاف أننا كنا ننتظر شيئاً لم يكن يوماً بالشكل الذي تخيّلناه. لكن الحقيقة أن السعادة ليست حالة دائمة، بل هي ومضات متفرقة. وأي إنسان يزعم أنه سعيد طوال الوقت لا يعيش في سعادة، بل في ضرب من الاضطراب النفسي. حتى أن علماء النفس صنّفوا "فرط السعادة" ضمن الحالات الإشكالية، لأن من لا يعرف الألم لا يقدّر الراحة، ومن لا يعرف الجوع لا يتذوّق الشبع.

السعادة والمفاهيم المستعمِرة

أحد أعمق الإشكاليات التي تحول بيننا وبين الشعور بالرضا هو الخطابات الخارجية التي تستعمر وعينا. نحن نتعلم أن نرتبط السعادة بما لا نملك: الثروة، الشهرة، قصر الأحلام، السفر حول العالم. وما إن نحقق هذه الأشياء حتى يتحول السقف إلى أعلى مرة أخرى. هنا يلتقي هيغل وجون راولز وميشل ساندل على تعريف واحد للحرية: أن تتحرر من كل ما يستعمرك، بما في ذلك توقعات الآخرين، وأوهام الكمال، والمفاهيم الجاهزة عن السعادة التي يسوّقها لك المجتمع.  والغريب أن هذا التعريف الفلسفي يتلاقى مع جوهر فكرة التوحيد في معناها الأعمق: ألا تتعلق بشيء تعلقاً وجودياً إلا بما هو حقيقي وراسخ.

الألم أصيل، والسعادة نسبية

ثمة حقيقة يصعب تقبّلها: الجسم البشري مصمَّم لتحمّل الألم، والخوف جزء أصيل من الغريزة الإنسانية. أما السعادة فلا تجد لها غريزة مقابلة في التركيب البيولوجي للإنسان. وهذا وحده يكفي لأن نعيد التفكير في الأهمية الهائلة التي نمنحها لهذا المفهوم. ما نسمّيه سعادة في كثير من الأحيان ليس إلا غياب الألم. حين تنتهي من تمرين رياضي شاق وتشعر بالارتياح، فأنت لا تختبر السعادة ذاتها بقدر ما تختبر توقف الألم. وهذا الفارق الدقيق يغير كثيراً في طريقة نظرتنا للأمور.

اللحظة الحاضرة: الشيء الوحيد الذي تملكه

ربما يكون أشد أشكال تعذيب النفس شيوعاً هو انتظار يوم الاحتفال. نقول لأنفسنا: "غداً سوف أحتفل، غداً سأكون سعيداً"، فنُهمل اليوم ونحيا في تأجيل مستمر. نمشي بأجسادنا في الحاضر وبعقولنا في مستقبل لن يأتي أبداً كما تخيّلناه. قد تكون السعادة ليست في الوصول، بل في الطريق ذاته. هذا ما تقوله المدارس الوجودية، لأن السعادة ليست تأجيلاً، هي مشاعرك الحية وأنت تعمل، تقرأ، تجالس صديقاً، تنتمي لمكان.

الامتلاء الداخلي

بعيداً عن كل التنظير، تظل الفكرة المحورية بسيطة: من يبني مفاهيمه الداخلية بنفسه، يملك شيئاً لا يُنزع منه. لأن السعادة التي تتوقف على تغيير العالم وهمٌ. لكن السعادة التي تنبع من تغيير شيء واحد بداخلك هي الأكثر استدامة، لأنها لا تنتظر إذن أحد. وكما قال دوركهايم من بُعد آخر: المجتمع الذي لا يعاني لا يبني، لأن الراحة التامة تفضي إلى الفراغ، والفراغ إلى ما هو أشد تعقيداً من المعاناة.

 

تعليقات