لوحات من نار وقلب من جليد: حينما يختلط الحب بالهوس والفن.

 

الحُبُّ بين الهَوَس والفَن



مقدِّمة: سؤالٌ قديمٌ لا يُجيب عنه العقل

ثمةَ سؤالٌ قديمٌ يطرح نفسه على كلِّ إنسان ولو مرةً واحدةً في حياته: ما الذي يجعل الإنسانَ قادرًا على أن يترك حياةً مستقرةً وأسرةً وبيتًا ومستقبلًا محسومًا، ليطارد شيئًا لا يضمن نهايته؟ وما القوةُ الوحيدة التي تخطف الإنسانَ مهما كان رأسُه راجحًا وعقله حكيمًا، وتمسح به بلاطَ الكون، ثم لا يصل في الأخير إلى شيء؟ هل جمالُ هذه القوةِ يأتي فعلًا من عجزنا عن التحكم فيها؟ أم أن جمالها لا يتحقق إلا بالعكس، بأن نكون مالكين لإرادتنا؟

هذا الصراع بعينه هو ما نراه في إحدى أهم الروايات الكلاسيكية في تاريخ الأدب الإنساني: رواية  آنا كارنينا لتولستوي. غير أن هذا الصراع لا يقف عند حدود الأدب؛ إذ يمتد عبر التاريخ الطويل للفلسفة والطب النفسي والشعر والغناء، ليطرح في نهاية المطاف سؤالًا جوهريًا:

 هل الحبُّ فنٌّ يمكن تعلُّمُه وتمرينُه وإتقانُه؟ أم أنه قضاءٌ وقدرٌ لا حيلةَ للإنسان فيه؟

أولًا: آنا كارنينا — الأرستقراطية بين الأمان والاشتعال

١عالَم آنا المستقرّ وخيوط الاضطراب الخفيّ

حين تنزل آنا كارنينا من القطار قاصدةً زيارة أخيها، لا تتخيّل أن حياتها ستتغير تغيّرًا كاملًا بمجرد أن تضع قدمها على الرصيف. هي أرستقراطية جميلة تعشق الشعر والروايات، متزوجة من أليكسي كارنين، رجل سياسي ذي مكانة رفيعة ومنزلة أخلاقية لا تُنكر. بيتُها هادئٌ مُرفَّه، وزوجُها فاضل. ومع ذلك، فإن شيئًا ما كامنًا في صدرها لم يُشبَع قط — رغباتٌ حقيقية مكتومة تنتظر لحظة الاشتعال التي تقرأ عنها في الروايات؛ ذاك الحبُّ الغامر المتدفق الذي يجعل كلَّ شعور آخر تافهًا لا معنى له.

٢اللقاء بفرونسكي: شرارة الافتتان

يُبيِّن تولستوي في لحظة اللقاء الأولى بين آنا والضابط فرونسكي كيف تشتعل هذه القوة فجأةً دون استئذان. حين يصف فرونسكي نظرته إلى آنا، لاحظ فيها «الحيويةَ المكتومةَ التي كانت تتراقص على وجهها». وسط مشهد مأساوي في المحطة إذ سقط رجلٌ تحت عجلات القطار، يتطوع فرونسكي بشهامة، ثم ينتهي اللقاء بكل إنسان يمضي في طريقه. لكن اللحظة وقعت في نفسَيهما كالجمر.

في الحفلة التي تجمعهما بعد ذلك، يتضح أن قوةً لا يستطيع أيٌّ منهما مقاومتها تحركهما. تحاول آنا المقاومة فتركب القطار عائدةً إلى مدينتها، غير أن فرونسكي يلحق بها ويقول لها: «سأكون حيث تكونين». ومن ذلك الإصرار تبدأ قصة لا تنتهي بسعادة.

٣التداعي والانهيار: حين تُمحى الهوية

تتخلى آنا عن بيتها وزوجها وابنها وتجري وراء علاقة تنطوي على نشوة لا توصف، لكنها محكوم عليها بالفشل منذ البداية. فطوال الرواية لا تستطيع أن تنال طلاقها من كارنين، وتتحول علاقتها بفرونسكي إلى دوامة لا تنتهي من المشاحنات والغيرة وحب التملك، حتى تبلغ لحظةً تقول فيها لنفسها:

" أريد أن أكون محبوبةً ولم أعد كذلك، وإذا فقدَ فقد انتهى كلُّ شيء"

في لحظات كثيرة كانت الفرصة متاحةً لتتراجع وتعود إلى بيتها وابنها، لكن المنطق لا مدخل له في هذا النوع من الحب. تتحول آنا إلى دوامة رهيبة من الغيرة والاندفاع واليأس، حتى تنتهي قصتها بمشهد شديد القسوة: ترمي بنفسها تحت عجلات القطار، في نفس المكان الذي شهد لقاءها الأول بفرونسكي. وبحسب قراءة تولستوي كانت هذه النهاية «تحصيل حاصل»؛ لأن آنا حين بلغت نقطةً معينةً في حبها، فقدت هويتها الحقيقية وصارت مجرد ظلٍّ يدور حول حبيبها، عاجزةً عن أن تعيش حياةً مستقلة بذاتها.

٤افتتاحية الرواية وتقسيم الحب

تُعدُّ افتتاحية آنا كارنينا من أشهر افتتاحيات الروايات في التاريخ، وهي في الوقت نفسه خطٌّ فاصل بين نوعين واضحين من الحب:"جميعُ البيوت السعيدة متشابهة، أما البيوت التعيسة فكلٌّ منها تعيسٌ بطريقته الخاصة" هكذا يكشف تولستوي لنا نوعين من الحب: حبُّ المودة والزواج والبيوت المستقرة المتشابهة — وحبٌّ آخر أقرب إلى الهوس والجنون، مليءٌ باللذة والإحساس بالتميز، لكنه قابل للانقلاب إلى صورة مرضية في أي لحظة.

ثانيًا: الليبس كوما — الحبُّ الهَوَسي في الطب والشعر

1الليبس كوما: الحزن الألماني للحب

ما تعانيه آنا كارنينا ظاهرةٌ مُصطلَح عليها في علم النفس المعاصر: Liebeskummerتركيبٌ لغوي ألماني معناه الحرفي «حزنُ الحب» أو «هوسُ الحب». وهي الحالة التي يكون فيها الشخص مفتونًا بشخصٍ آخر تمامًا، لا يشبع منه مهما فعل؛ فكلما ابتعد الحبيبُ وقسا، اشتعل الحبُّ المفتون أكثر وأكثر، في دوامة لا نهاية لها. هذه الحالة عرفها الشعراء قبل أن يُسمّيها العلماء، كما يقول رامي في كلمات أم كلثوم: «واحشني وأنت قصاد عيني» — حبٌّ مؤلم مُرهق مزعج لكل أطرافه، مستحيلٌ فهمُه بوضوح.

2ابن سينا والعشق كمرض وسواسي

لعلَّ أقدم وصف طبي منهجي لهذا النوع من الحب نجده عند ابن سينا، في حكاية يمكن اعتبارها من أقدم حالات العلاج النفسي في التاريخ — قبل أن يُخترع العلاج النفسي بقرون طويلة.

يعرّف ابن سينا العشقَ في الجزء الثالث من كتاب القانون تعريفًا صارمًا "هذا مرضٌ وسواسيٌّ شبيهٌ بالماليخوليا، يكون الإنسانُ قد جلبه إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل، ثم أعانته على ذلك شهوتُه."

ويُفصِّل ابن سينا علامات هذا المرض فيقول: "غؤورُ العين ويبسُها وعدم الدمع إلا عند البكاء، وحركةٌ متصلة للجفن، وضحاكةٌ كأنه ينظر إلى شيء لذيذ أو يسمع خبرًا سارًا أو يمزح، ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غمٍّ وبكاء عند سماع الغزل، ولا سيّما عند ذكر الهجر والبعد."

3قصة ابن سينا في التشخيص

روى ابن سينا قصةً لطيفةً عن شاب أحضره أهله إليه؛ كان شاحبَ الوجه نحيل الجسم دون سبب واضح يرصده الأطباء. فأمسك ابن سينا يده وجسَّ نبضه، وبدأ يُعدّد له أحياء بغداد واحدًا بعد واحد، حتى لاحظ أن نبض الشاب تسارع عند حيٍّ بعينه. ثم بدأ يُعدّد العائلات الساكنة في ذلك الحي حتى اشتعل النبض مرةً أخرى. فشخَّص ابن سينا الحالة وقال لأهله: "ابنُكم ليس بحاجة إلى طبيب — ابنُكم يحب فتاةً من هذه الأسرة في هذا الحي؛ اذهبوا واخطبوها له."

4علاج العشق عند ابن سينا:

لم يكتفِ ابن سينا بالتشخيص، بل اقترح للعلاج بابًا طريفًا من أطرف ما قرأناه في تاريخ الطب. يقول في القانون:  "إن كان العاشق من العقلاء فإن النصيحة والعظة له والاستهزاء به وتعنيفه وتصوير أن ما به وسوسةٌ وضربٌ من الجنون، مما ينفع نفعًا. وأيضًا تسليط العجائز عليه ليُبغِّضن المعشوقَ إليه." يُدرك ابن سينا هنا صفةً من أعجب صفات هذا النوع من الحب: أنه دائمًا غيرُ منطقي للناظر من خارجه. فالإنسان المحترم الرصين حين يحب يجد نفسه مبهدلًا واقعًا على وجهه، وهو يعرف ذلك في أعماقه، لكن لا حيلة له.

ثالثًا: العُذَّال وصمم العاشقين — الحب في الشعر العربي

ظاهرة «العذل» في الشعر العربي القديم تعكس بدقة هذا الانفصال الذي يحدث للعاشق بين عالَمه الداخلي وعالَم الآخرين. فكل من حوله يرى ما يراه العقل، لكنه هو يرى شيئًا آخر تمامًا — جمالًا لا يراه أحدٌ سواه. قال البوصيري:

"محطَّني النصحى لكنْ لستُ أسمعُه — إنَّ المُحِبَّ عن العُذَّال في صَمَمِ"

وكتب أحمد رامي لأم كلثوم: "أسمعُ لومَ العُذَّال أضحك وأنا المجروح"

يضحك العاشق من لوم العذال لأنه يعرف أنه لا حيلة له في ما هو فيه. حبٌّ عنيدٌ رافضٌ للنصيحة، فيه إحساسٌ بالتميز: المُحِبُّ يرى جمالًا لا يراه أحدٌ سواه. وحتى المتنبي، الذي طالما تريَّق على العشاق وكان يراهم من أعلى، اعترف حين وقع في الحب قائلًا:

"وعَزَلتُ أهلَ العشق حتى ذُقتُه — فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُه"

في هذا البيت إشارة ضمنية لفكرة قديمة: أن الحب ليس اختيارًا بل حادثةٌ تقع عليك دون استئذان — قضاءٌ وقدرٌ لا يُقاوَم. وهو ما أشار إليه امرؤ القيس قبله حين وصف في غرابةٍ علاقات الحب وعدم قدرتنا على التحكم فيها:

"علَّقتُها عَرَضًا وعُلِّقَ رجلًا غيري — وعَلَّق أُخرى غيرَها الرجل"

رابعًا: الفلاسفة أمام لغز الافتتان

1شوبنهاور: الحب خادمُ إرادة الحياة

وقف الفلاسفة أمام ظاهرة الافتتان الهوسي محتارين. رأى شوبنهاور في كتابه ميتافيزيق الحب الجسدي أن الافتتان العنيف غير العقلاني المستبد بالوعي لا تكمن وظيفتُه في إسعاد الفرد، بل في دفعه إلى قرار يخدم «إرادة الحياة» — أي رغبةَ الطبيعة في الاستمرار وحفظ النوع الإنساني. فالحبُّ في نظره يجري خارج الواقع وخارج العقل وخارج إرادتنا الشخصية، لا لأنه أسمى منها، بل لأنه مُسخَّرٌ لغرض يتجاوزنا.

2كيركيغور: حب القريب وحب الافتتان

ثم يأتي كيركيغور في كتابه أعمال الحب ليُكرّر نفس التقسيم الذي أشار إليه تولستوي أدبيًا، لكن بلغة فلسفية دقيقة. يُميّز كيركيغور بين نوعين من الحب: «حبُّ القريب» كحب أفراد الأسرة لبعضهم، وهو حبٌّ يقع تحت بند الواجب والمسؤولية والالتزام الأخلاقي؛ و«الحبُّ التفضيلي» الذي يتحدث عنه الشعراء والأغاني، حبٌّ لحظيٌّ لا علاقة له بالواجب ولا بالالتزام، منغمسٌ في اللحظة الراهنة فحسب، يلغي كل أولوية أخرى.

وخير مثال على هذا النوع مجنون ليلى — قيس بن الملوح — الذي يقول:

"جُنِنتُ بها وقد أصبحتُ فيها مُحِبًّا — أستطيبُ بها العذابَ"

أو كما يقول الشيخ إمام: "وإن كان أملُ العشاق القربَ — فأنا أملي في حبك هو الحبُ"


خامسًا: فرويد — الحب بوصفه صدىً للطفولة

لا يمكن أن نمر على هذا الموضوع دون أن يأتي فرويد لينزع عنه كل رومانسية ممكنة. يُفسِّر فرويد في كتابه نصوص حول حياة العاشق التعلُّقَ المبالغ فيه بشخصٍ آخر على أنه «إعادة تمثيل» أو «محاكاة» لتجربة الارتباط في الطفولة. بمعنى أننا نُعيد ونُقلِّد طريقةَ التعلق التي عشناها مع أهلنا. فإن نشأتَ مع أبٍ غائب أو أمٍّ باردة، ستجد نفسك وأنت بالغٌ تنجذب إلى أشخاص يُعيدون تمثيل هذا النموذج — لأنك ببساطة لا تستطيع أن تتخيّل شكلًا آخر للعلاقة غير الشكل الذي اعتدتَه في طفولتك.

ويذهب فرويد في كتابه مقدمة لفهم النرجسية أبعد من ذلك، مُفسِّرًا سرعة الافتتان وقوته بأنه في الحقيقة شكلٌ من أشكال «حب الذات»: أنت تُحبُّ صفاتٍ في نفسك فتُسقطها على من تُحبه، أو تُحبُّ صفاتٍ كنتَ تتمنى أن تمتلكها فتراها — حقيقيةً أو وهميةً — في الطرف الآخر.

ويُضيف فرويد أن الإنسان قد يهرب أحيانًا من نجاح العلاقة تحديدًا كي يصنع لنفسه حالة الحرمان التي يحنُّ إليها من أعماقه — لأننا في رأيه نُحبُّ أحيانًا أن نُكرِّر تجاربنا المؤلمة. وهذا ما قد يُفسِّر لماذا كثيرًا من العلاقات المشتعلة تسير على نمط: فراق ثم عودة ثم فراق ثم عودة، في تسلسل لا ينتهي.

سادسًا: إيريك فروم — الحبُّ فنٌّ لا حظٌّ

1فروم يردُّ على فرويد

لا يُعجب هذا التفسير إيريك فروم الذي يردُّ عليه في كتابه الشهير فن الحب قائلًا: «لقد رأيتَ في الحب تعبيرًا عن الغريزة الجنسية، بدلًا من أن تتبيَّن أن الرغبة الجنسية هي صورةٌ من صور حب الاتحاد.» بل يذهب فروم أبعد ليقول إن العمرَ لم يُتِح لفرويد أن يتجاوز الجانب الفيزيولوجي إلى الجانب الوجودي والنفسي، وأن يرى الجنسَ بوصفه تعبيرًا عن رغبة أعمق: رغبة الاتحاد مع إنسان آخر في مواجهة الوحدة التي تهدِّدنا.

2مشكلة الوحدة: الجذر الوجودي للحب

يعود فروم إلى ما يعدّه جذرَ المشكلة الأصلي: منذ أن وجد الإنسانُ نفسَه مُنفردًا في الطبيعة، منفصلًا معزولًا، بات أكبر خوف يُواجهه هو خوفُ الوحدة. ومنذ فجر الحضارة يحاول الإنسانُ التغلّب على هذا الإحساس بشتى الطرق: المجتمع، والعمل، والإدمان، وحتى الحب الهوسي — كلُّها محاولاتٌ لسدِّ هذه الهوَّة.

غير أن الحلَّ الحقيقي، في تصور فروم، يشترط تحقيق هدفين في آنٍ واحد:

1-أن تحسَّ بالاتصال والتواصل مع الآخر، 2-وأن تحتفظ في الوقت نفسه بفرديتك وهويتك.

 أو بتعبيره البليغ: «اثنان يصبحان واحدًا، ومع ذلك يظلان اثنين.» وهذا ما لم يتحقق عند آنا كارنينا: فهي في سبيل التواصل المستحيل ذاب وجودُها تمامًا وصارت مجرد تابعٍ لصورة خيالية في ذهنها.

3السؤال الخطأ:

يُشخِّص فروم الأزمة الحقيقية ويقول: إن معظم الناس يرون مشكلة الحب أساسًا على أنها مشكلة أن يكون المرءُ محبوبًا، لا مشكلة أن يُحِبَّ. أغلبنا مشغولٌ بسؤال: كيف أُحبَّ؟ كيف أجعل الآخر يهتم بي؟ كيف أرفع قيمتي في سوق الرومانسيا؟ ولا أحدَ يسأل: كيف أُحِبُّ أنا بشكل أصيل وناضج؟

وهنا يُفرِّق فروم بين «الوقوع في الحب» و«الوقوف في الحب» — أي البقاء في حالة حبٍّ منتظمة مستقرة تحتاج إلى مجهود. «الوقوع في الحب» هو ما نقرأه في الروايات ونُشاهده في السينما: تلك الشرارة المفاجئة غير القابلة للاستمرار. أما «الوقوف في الحب» فهو الذي يبنيه الإنسان يومًا بعد يوم بوعي وجهد وإرادة.

4الحب فنٌّ:

يُحذِّر فروم في مقدمة فن الحب من توقُّع «تعليمات سهلة»، ثم يُجيب عن السؤال المحوري: «هل الحبُّ فنٌّ يقتضي معرفةً وصبرًا ومجهودًا؟ أم أنه إحساسٌ لذيذ يحدث بالصدفة ويقع فيه الإنسان إذا كان محظوظًا؟» جوابه الصريح: الحبُّ فنٌّ. وكل فنٍّ يحتاج إلى نظرية وممارسة. مثلما يحتاج الطبيب أو الموسيقي إلى سنواتٍ من التمرين، يحتاج الإنسانُ إلى تنمية قدرته على الحب بوعيٍّ ومجهود دائم. ولا يتحقق ذلك في الافتتان الهوسي اللحظي، مهما بدا شاعريًّا.

في زمنٍ باتت فيه العلاقات الإنسانية سلعةً تُعرض في واجهات التطبيقات، وأصبح الحب مجرد إشعار على الشاشة، يطرح المفكر الألماني إيريك فروم في كتابه "فن الحب" الصادر عام 1956 سؤالاً جوهرياً يبدو بسيطاً لكنه يحمل ثقلاً فلسفياً عميقاً: هل الحب موهبةٌ تُمنح، أم مهارةٌ تُكتسب؟

الحب مهارة... لا موهبة

يرفض فروم بشكل قاطع التصور الشائع الذي يُقدّم الحب باعتباره حالةً سماوية تهبط على الإنسان فجأة لا يملك إزاءها إلا الاستسلام. بدلاً من ذلك، يُشبّهه بأي مهارة إنسانية أخرى كالموسيقى والبرمجة والرسم، تتطلب لإتقانها أربعة عناصر أساسية:

1.   الممارسة المنتظمة التدريب المستمر على أفعال الحب اليومية الصغيرة.

2.   التركيز الحضور الكامل مع الشخص الآخر بلا تشتت.

3.   الإيمان بأهميته الاعتقاد الراسخ بأن الحب يستحق الجهد والوقت.

4.   الأمل كما تحمل الأم أملاً شبه يقيني بأن طفلها سيمشي ويتكلم، يجب أن نحمل الأمل ذاته تجاه من نحب.

غير أن فروم يُنبّه إلى أن العصر الحديث يقف ضد هذه العناصر الأربعة بشكل منهجي، إذ يُحيط بنا مئة ألف إعلان ومئة ألف وجه جذاب في آنٍ واحد، مما يُولّد شعوراً مزمناً بأن ثمة ما هو أفضل دائماً، وأن الشخص الذي أمامك قابلٌ للاستبدال.

التركيز في عصر التشتت

لم يكن فروم يعرف التيك توك حين كتب كتابه، لكنه رصد بعين ثاقبة ظاهرة التشتت المتجذر في الحياة الحديثة. في منتصف القرن الماضي، كان الناس يقرؤون ويستمعون للراديو ويدخنون ويأكلون في اللحظة ذاتها، فكيف الحال اليوم؟

هذا التشتت لا يُعيق تعلم البرمجة والعزف فحسب، بل يضرب في صميم قدرتنا على الإصغاء للآخر والصبر على خلافاته وتقبّل تقلباته. فالتركيز في الحب يعني أن تكون حاضراً حين يتكلم الآخر لا أن تنتظر دورك في الكلام، وأن تصبر على لحظات الفتور بدلاً من البحث عن الإثارة في مكان آخر.

الحب الهوسي: وهم الكمال الأبدي

يُميّز فروم تمييزاً حاداً بين الحب الحقيقي والحب الهوسي، أو ما يمكن تسميته بـ"حب الإيمان الأعمى". في الحب الهوسي لا يوجد وسط، فالعالم إما لحظة انبهار وافتتان مطلق، وإما لحظة انهيار تام. ولا مكان في هذا العالم للحمد لله، كان يوماً هادئاً.

الأخطر في الحب الهوسي أنه يشترط المتعة في كل لحظة بلا استثناء، فإن غابت لحظة واحدة طرح السؤال المُدمّر: هل العلاقة تتآكل؟ هل الحب يموت؟ وهكذا يُصبح اليوم العادي الهادئ هو أشد الأيام تهديداً للعلاقة، لا اليوم الذي تقع فيه الكوارث.[1]

يرى فروم أن هذا النمط هو امتداد طبيعي للنرجسية، إذ يعجز كل طرف عن رؤية الطرف الآخر كياناً مستقلاً له أحوال وأمزجة واحتياجات متغيرة. فيتهم كل منهما الآخر بالأنانية حين يُخفق في تحقيق الصورة المثالية المرسومة في ذهنه.

أن يكونا اثنين ويظلا واحداً

يطرح فروم معادلة دقيقة تبدو متناقضة: "أن يصبح الاثنان واحداً ويظلا اثنين". فالاندماج التام حلمٌ مستحيل، وكل محاولة لتحقيقه ستنتهي بالانهيار حتماً، لأن الاحتكاك بين شخصيتين مختلفتين أمرٌ حتمي لا مفر منه. لكن حين نتصالح مع فكرة أننا اثنان فعلاً، حينها فقط يمكن أن نتواصل ونتقارب حقاً. فالقرب الحقيقي لا يعني الذوبان، بل يعني الرؤية الواضحة للآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون.

الانجذاب الجنسي: أداة لا غاية

يُنبّه فروم بإصرار إلى أن الانجذاب الجنسي وحده لا يمكن الاعتماد عليه دليلاً على الحب، لأنه قد ينشأ من مصادر أخرى متعددة:

  • القلق من الوحدة
  • الرغبة في السيطرة
  • الكبرياء والغرور
  • حتى الرغبة في الإيذاء

الانجذاب مؤقت ومعرض للزوال دائماً، وقد يصاحب الحب أو يوجد بدونه. أما الاختبار الوحيد الحقيقي للحب فهو ما أكده بعد فروم فنان الجيل محمد فؤاد حين قال: الحب يعيش. والاستمرارية عند فروم هي المحك الأوحد.

قصة "عمّا نتحدث حين نتحدث عن الحب"

يُحيلنا النص إلى القاص الأمريكي ريموند كارفر وقصته الشهيرة، حيث أربعة أصدقاء يتجادلون حول معنى الحب. تروي إحدى الشخصيات كيف كان زوجها السابق يضربها ويجرّها من شعرها وهو يصرخ: "أنا أحبك"، ثم حاول الانتحار مرتين حين تركته.

تتصارع في القصة وجهتا نظر:

  • الطبيب ميل يرفض تسمية هذا العنف حباً، مطالباً بتسميته بأي اسم آخر.
  • تريزا تُصر على أنه "نوع ما من الحب"، في محاولة يائسة لإضفاء معنى على ألمها، لأن القبول بأنها عانت على الفاضي ثمنٌ نفسي باهظ لا تقوى على دفعه.

والقصة في جوهرها سؤال فلسفي: هل الإيذاء يمكن أن يكون حباً؟ وهل رفضنا لهذا التعريف نابعٌ من التعريف الصحيح للحب أم من عجزنا عن احتمال الغموض؟

سحر الحب الهوسي: لماذا نقع فيه؟

يطرح النص سؤالاً أكثر جرأة: لماذا نميل في أعماقنا إلى الحب الهوسي رغم ما يُلحقه بنا من أذى؟

الإجابة تكمن في أن الحب الهوسي يمنحنا شيئاً نفتقر إليه بشدة في عصر البروفايلات والسوق الرقمية للعلاقات: الشعور بالتفرد وعدم قابلية الاستبدال. فحين يُجنّ قيس بليلى ويرفض البدائل، هو لا يُحب فحسب، بل يُعلن أن ليلى مكانةٌ لا تُملأ ولا تُستبدل. وفي زمن نحن فيه جميعاً مجرد صور وأرقام قابلة للحذف والاستبدال، يبدو هذا الجنون أكثر إنسانية من أي عقلانية باردة.

الاستمرارية: معيار أم قيد؟

يبقى السؤال الأصعب معلقاً: هل الاستمرارية إلى الأبد هي المعيار الوحيد للحب الناجح؟

ماذا لو أن علاقةً أمدّت طرفيها بالنمو والازدهار، لكنها انتهت بعد أربع سنوات؟ هل نحكم عليها بالفشل؟ وهل التصالح مع حقيقة أن الجميل قد ينتهي يُطلق فينا روح الاستسلام المبكر؟ أم أن اتخاذ الاستمرارية مثلاً أعلى هو الوقود الذي يجعلنا نمضي في المحاولة رغم العقبات؟ فروم نفسه لم يُجب عن هذا السؤال بصراحة، وربما كان ذلك متعمداً، لأن الإجابة القاطعة هنا قد تُفسد السؤال.

خاتمة: من أين نبدأ؟

في نهاية الكتاب، يعترف فروم بحدود نظريته. حين سُئل: هل يعني كلامك أن أي رجل وأي امرأة، إن أتقنا فن الحب، سيحبان بعضهما ويسعدان؟ ظهر ارتباكه، وقال في صياغة دبلوماسية: كلتا النظرتين صحيحة من جهة وخاطئة من جهة. لكنه حسم أمراً واحداً: لا بديل عن المحاولة. لا ضمانات، لا طرق معبّدة، لكن الخيار الوحيد أمام من يريد الحب هو أن يكون مستعداً، أن يملك القدرة على الرعاية والتفهم والتركيز والأمل، ثم أن يخطو تلك الخطوة التي تبدو دائماً مستحيلة قبل أن تُخطى. لأن الحب، كما يقول النص، معجزة مكررة، حدثت أمس، وتحدث اليوم، وستحدث غداً. ومن لم يحب في هذا الصباح، فـ"إن شاء الله سيحب في صباح آخر".

"لا بديل عن الإيمان والمحاولة والمخاطرة إلا الوحدة أو الجنون." إيريك فروم، فن الحب

في نهاية رواية تولستوي، يُعيد السردُ الدائرةَ إلى بدايتها: آنا رمت بنفسها في نفس المكان الذي شهد لقاءها الأول بفرونسكي. ولعل تولستوي أراد أن يقول: إن كانت آنا قد رأت الحياة كلَّها في تلك اللحظة الأولى فرمت بنفسها في الحب دون تفكير، فإنها رمت بنفسها في الموت بنفس الاندفاع. قضاءٌ وقدرٌ؟ أم أن الفارق الوحيد كان يكمن في لحظة اختيار مختلفة؟ ربما لا يوجد جواب نهائي. لكن فروم يُصرُّ على الأمل ويقول: ثمة فرقٌ بين أن تقع ضحيةً للافتتان وبين أن تتعلَّم كيف تقف في الحب. الأول قدرٌ يأتيك. والثاني فنٌّ تبنيه يومًا بعد يوم.


[1] الحب الهوسي قد يظهر في البداية أنه شيء جيد يعطي العلاقة نوعا من الاهتمام والتقدير، لكنه مع الوقت يصبح حالة هوسية، يغيب فيه النضج والتطور سواء النفسي، او العصبي أو التواصلي.

تعليقات