الحتمية
والحرية عند سبينوزا
مقدمة:
وهم حرية الإرادة
كثيرًا
ما يطرح الفلاسفة السؤال التالي: هل نحن أحرار؟ وكثيرًا ما ينتهي الجواب عند
سبينوزا بما يبدو في الظاهر إجابةً مخيّبة: لا، حرية
الإرادة وهم.
غير أن سبينوزا لا يتوقف عند هذا الحدّ، بل يمضي إلى ما هو أعمق وأكثر
إثارةً: فرغم أن حرية الإرادة المطلقة مستحيلة، فإن ثمة حريةً حقيقية يمكن بلوغها،
وهي ليست قدرةً سحرية على كسر قوانين الكون، بل هي شيء أكثر إنسانيةً وأكثر نفعًا: الوعي
بالأسباب التي تحرّكنا.
هذه هي
إشكالية الحتمية والحرية التي تبقى راهنة في كل عصر.
أولًا: مفهوم الحتمية
الحتمية هي
الموقف الفلسفي القائل بأن كل ما يحدث كل
فعل، وكل فكرة، وكل رغبة هو نتاج ضروري لسلسلة متصلة من الأسباب والنتائج. فلا شيء
يقع من فراغ، ولا حدث ينبثق دون سبب يُفضي إليه.
مثال
توضيحي: لماذا
تتابع هذا المحتوى؟ لأن الخوارزمية اقترحته. ولماذا اقترحته؟ لأنك تتابع محتوى
مماثلًا. ولماذا؟ لأنه يثير اهتمامك. ولماذا يثيره؟ وهكذا تتوالى الأسباب إلى ما
لا نهاية — هذه هي سلسلة العلّية.
ما
يترتب على هذا أن ما نُسمّيه «قرارًا» ليس قرارًا بالمعنى الصريح؛ فما يجعلنا
نختار أمرًا دون آخر هو أسباب تتجاوزنا: فيزيولوجية ونفسية واجتماعية. ما
نُحبّ لم نختره، وما يُحرّكنا ليس صادرًا عن إرادتنا، بل هو ما يُصدر إرادتنا. نحن لا
نفعل، بل نُفعَل بالأسباب التي تعمل فينا.
ثانيًا: الحتمية ليست قدرًا جبريًا
أ)
الفرق بين الحتمية والقدرية
ثمة
خلط شائع بين الحتمية والقدرية، وهو خطأ مفاهيمي جوهري:
القدرية تقول:
الأشياء مكتوبة سلفًا، وما يجب أن يكون سيكون بصرف النظر عن أفعالنا. الحتمية تقول:
الأشياء تُكتب الآن، وأنا بفعلي أُصبح سببًا جديدًا في سلسلة العلّية.
المؤمن
بالقدرية يستسلم ويتوقف عن الفعل، لأن ما سيحدث سيحدث على أي حال. أما المؤمن
بالحتمية فيتصرف لأنه يعلم أنه في آنٍ واحد مفعول به وفاعل في المنظومة الكونية.
ب)
الحتمية نظام متعدد الأسباب
لا
تُحيل الحتمية إلى سبب واحد مطلق، بل هي منظومة من الأسباب المتشابكة.
فالطفل
الذي عاش عنفًا في طفولته لا يتحدد مصيره بهذا السبب وحده؛ لو تقاطع مع معلم ملهم،
أو صديق وفيّ، أو معالج نفسي، فإن هذه الأسباب الجديدة لا تلغي الحتمية بل تُعيد
توجيهها.
في كل لحظة تدخل أسباب جديدة في المعادلة.
ج)
مثال سينمائي: Good Will Hunting
يجسّد
هذا الفيلم الفكرة ببراعة. ويل هانتنغ نشأ في الفقر وعاش إساءةً عائلية، وكانت كل
المؤشرات الاجتماعية تُنبئ بمصير قاتم. بيد أن في حتميّته كامنًا موهبةً رياضية
نادرة، وفي طريقه برز معالج نفسي حمله على تصالح الذات، وصديق مخلص أكّد له
أن البقاء في الهامش خيانة للموهبة. هذه أسباب جديدة أعادت رسم مساره — دون أن
تخرج عن منطق الحتمية.
ثالثًا: هل الحرية وهم؟
أ) وهم
الحرية الساذجة:
يعتقد
كثيرون أنهم أحرار حين لا يُكرههم أحد على فعل ما. لكن هذا تصوّر ساذج. فحين نسأل:
«من هو هذا الأنا الذي يُقرر؟»، الإجابة: إنه دماغنا. وما الدماغ إلا وعاء لأسباب بالغة
التعقيد تتجلّى لحظةً ما في صورة قرار. القرار
ليس بداية، بل هو نهاية مسار؛ إنه محصّلة أسباب سبقته وحدّدته.
ومن
هذا يتضح أن ما نُسمّيه حريةً ليس إلا جهلًا بالأسباب التي تتحكم فينا.
ب) وعي
الحتمية عند سبينوزا
غير أن
سبينوزا لا يقف عند هذا الحد. فهو يُقرّ بأن كل شيء محكوم بضرورة السببية، لكنه
يُضيف أن ثمة طريقًا نحو الحرية — ليس الخروج من سلسلة الأسباب، وهو مستحيل، بل فهم
هذه السلسلة والوعي بها:
الحرية عند سبينوزا ليست الانفلات من
الحتمية، بل هي الوعي بها. ومن لا يعرف أسباب أفعاله فهو عبد لها. وحين يعترض بعضهم بأن هذا الوعي ذاته محتوم،
يرد سبينوزا بأن الوعي بالحتمية يجعلنا أكثر حرية من اللاوعي بها، تمامًا
كما أن من يدرك أنه يعيش تحت نفوذ شخص ما يملك قدرة على المساءلة أكبر ممن لا يدرك
ذلك.
رابعًا: تمييز مفاهيمي جوهري — الحرية وإرادة الاختيار
من
أكثر الخلطات المفاهيمية التباسًا هي بين مفهومين:
- الحرية (la liberté): إمكانية
الفعل، أي عدم تقييد التصرف من الخارج. أنت حر في أن تقوم أو تجلس، تخرج أو
تبقى. هذا لا ينفيه سبينوزا.
- إرادة الاختيار (le libre arbitre): الادعاء
بأن إرادتنا تنشأ من لا شيء (ex nihilo)،
أي أننا العلة الوحيدة والتامة لأفعالنا. وهذا هو الوهم الذي يرفضه سبينوزا
رفضًا قاط
- حرية الإرادة (libre
arbitre): القدرة على الاختيار بمعزل عن
أي سبب أو علة، القدرة على الفعل من فراغ مطلق. وهذا ما يرفضه سبينوزا رفضًا
قاطعًا، إذ لا يوجد في الكون فعل بلا سبب.
- الحرية (liberté):
وهي شيء مختلف كليًا. يُعرّفها سبينوزا
بأننا نكون أحرارًا حين نكون واعين بالأسباب التي تحدّدنا، وندخل في
العبودية حين نجهل تلك الأسباب.
- الفارق الجوهري إذن ليس بين أن نكون
محدَّدين أو لا — فنحن دائمًا محدَّدون في الحالتين — بل بين أن نكون فاعلين
واعين بهذا التحديد أو منفعلين جاهلين به. في الحالة الأولى نكون
أكثر نشاطًا إزاء السببية، وفي الثانية أكثر سلبيةً وخضوعًا لها.
حين
تقرر أن تقوم، ثمة سبب جعل هذه الفكرة تخطر ببالك — وأنت لم تختر أن تخطر. الفكرة
تنشأ مستقلةً عن إرادتك. وهذا ما يُجسّده المثال الشهير: "حاول
ألا تفكر في فيل"... والنتيجة معروفة.
خامسًا: الحتمية الاجتماعية والحتمية الفردية
ثمة
خطأ شائع يتمثل في اختزال الحتمية في بُعدها الاجتماعي وحده. فنعم، إحصائيًا يرتبط
مصير الفرد بمنشئه الاجتماعي ارتباطًا وثيقًا. لكن هذا صحيح على مستوى الجماعة لا
على مستوى الفرد بعينه.
الفرد ليس مجرد انتمائه الطبقي؛ في حتميّته الخاصة يكمن مزاجه وحساسيته ولقاءاته ومساره. والمثال الذي يُقدمه صاحب المحاضرة بليغ: نشأ في وسط بروليتاري دون مكتبة ولا معلمين خاصين، لكن ميله للمدرسة والأدب كان جزءًا من حتميّته الفردية، وأوصله إلى دراسة الفلسفة ثم التدريس ثم يوتيوب. لم يكسر الحتمية — بل كانت حتميّته مختلفة.
سبينوزا
حتميٌّ شامل — لا مساومة ولا تلفيق
يُسارع
بعضهم إلى القول: "يُقرّ سبينوزا بالحتمية لكنه يتحدث عن الحرية، إذن هو لا
يذهب حتى النهاية." غير أن هذا القول ينطوي على سوء فهم.
سبينوزا
حتمي شامل، وليس ما يُسمّى بـ"التوافقي" (compatibiliste) — أي
الذي يُدمج الحتمية مع قدر من حرية الإرادة. سبينوزا لا يتنازل ولا يُلفّق. بل هو
يتحرك على مستويين تحليليين مختلفين:
v المستوى الأنطولوجي، أي المستوى الكوني الشامل: كل
شيء محدَّد بلا استثناء.
v المستوى الأخلاقي والعملي، أي مستوى الفعل
والسلوك الفردي: هنا، بفهمه للحتمية، يستطيع الفرد أن يستخلص
دروسًا عملية تمنحه قدرًا من الحرية الفعلية التي تظل متعذّرة عليه على المستوى
الأنطولوجي.
بمعنى
آخر:
لا يمكنك كسر سلسلة السببية، لكن يمكنك أن تُخفّف من إحكامها عليك. وذلك
بأن تسعى إلى أن تتحكم فيك الأسباب العقلية أكثر مما تتحكم فيك الأهواء
والانفعالات.
الحرية ليست قدرة سحرية — نقد المفهوم المستحيل
ثمة
تناقض طريف يلاحظه سبينوزا: الذين يرفضون إمكانية أي حرية هم أنفسهم من
يحملون أشد تعريفات الحرية استحالةً. فهم يُعرّفون
الحرية بوصفها قدرةً على الإفلات من السببية، أي على الفعل بلا سبب، وهذا لا معنى
له فيزيائيًا ولا فلسفيًا.
يضرب
سبينوزا مثالًا موازيًا: الجاذبية تقيّد حركة أجسامنا، فهي تمنعنا من الطيران ومن
التحرك بسرعة الضوء. فهل نستنتج من ذلك أنه لا توجد حرية جسدية؟ وهل لأن
للجسم ثقلًا نقول إنه لا حرية له؟ طبعًا لا. الحرية الجسدية لا تعني غياب
الجاذبية، بل تعني العمل ضمنها.
كذلك
الحرية عند سبينوزا: ليست قدرة على الإفلات من الحتمية، بل هي القدرة على فهمها
والتصرف بوعي ضمنها. وهو يُعرّفها صراحةً بأنها:
- قدرة على الفهم، تفضي إلى قدرة على الفعل، وهو ما يسمّيه "قوة
الفعل" (puissance d'agir)
الجهد الوجودي في صميم كل شيء
لفهم
"قوة الفعل" يتوجب أولًا فهم مفهوم الكوناتوس (Conatus)،
وهي كلمة لاتينية تعني "الجهد" أو "السعي". كتب سبينوزا في
القضية السادسة من الجزء الثالث من كتابه الأخلاق:
"كل
شيء، بصرف النظر عن سواه، يسعى إلى المثابرة في وجوده."
هذا
المبدأ لا يقتصر على البشر أو الحيوانات، بل يشمل كل شيء في الكون: الصخرة
لا تتصرف لكنها تمتلك "قوة الوجود" التي تُبقيها على حالها. فالصخرة لا
تتفتت بسبب داخلي، بل دائمًا بفعل قوة خارجية تتغلب على قوة وجودها.
أما
للكائنات الحية فالكوناتوس يتجلى بوصفه قوة فعل حقيقية. مثلًا:
- الميكروب يغزو الجسم ساعيًا إلى التكاثر فيه.
- الجهاز المناعي يُرسل خلايا دفاعية لمقاومته.
- الأسد يُصيد الفريسة.
- الفريسة تفرّ دفاعًا عن حياتها.
الانفعالات
الفاعلة والانفعالات المنفعلة — قلب الحرية عند سبينوزا
يكتب
سبينوزا في مقدمة الجزء الثالث من الأخلاق:
"بالانفعال
أعني حالات الجسم التي تُعظّم قوة فعله أو تُقلّلها، تُعينه أو تُعيقه، وفي الوقت
ذاته أفكار هذه الحالات." وهنا
يأتي التمييز المحوري: الانفعالات ليست كلها سواء. بعضها يُعظّم قوة فعلنا
وبعضها يُقلّلها. ويُميّز سبينوزا بين نوعين:
الانفعالات
الفاعلة (affects actifs): وهي
التي تنبع من طبيعتنا الذاتية، وتزيد قوة فعلنا. حين نكون محرَّكين بها، نَفعل
بالمعنى الحقيقي للكلمة.
الانفعالات
المنفعلة أو الأهواء (passions): وهي
التي تأتي من خارجنا أو تتعارض مع كوناتوسنا، وتُحدّد أفعالنا تحديدًا ناقصًا. حين
نكون محرَّكين بها، نُعاني لا نَفعل.
المثال
التوضيحي البسيط: حين تتناول قطعة كعك ثالثة رغم أنك شبعت، أنت لستَ
حرًا، أنت تعيش رهين الشهوة. الانفعال يقودك إلى ما يتعارض مع صالحك
الفعلي ومع كوناتوسك، فيُنقص من قوة فعلك. هذا هو النقيض التام للحرية.
ويُنبّه
سبينوزا بوضوح: ليس الهدف أن نكون بمنأى عن الأهواء تمامًا — فهذا
محال وليس مطلوبًا.
القضية الرابعة من الجزء الرابع تقول صريحةً إن
الإنسان لا يمكنه الإفلات الكامل من الأهواء. لكن الهدف هو:
1. أن نُدرك أننا لن نكون دائمًا في مأمن من الأهواء.
2. أن نسعى قدر المستطاع إلى أن نكون محرَّكين بالانفعالات التي تُعظّم قوة فعلنا.
الحلقة الفاضلة — الحرية جهد يتجدد باستمرار
يرسم
الفيلسوف صورةً دقيقة لمسار التحرر الإنساني: إنه حلقة فاضلة. الحرية
بمفهومها الإنساني هي جهد يرمي إلى تعزيز قدرتنا على الجهد ذاتها. وهذا الجهد هو
في آنٍ واحد:
- جوهر وجودنا
- تعبير عن ميلنا نحو الفاعلية لا الانفعالية.
ويختصر
هذا الدرس في جملة: ما يجعلنا أحرارًا ليس أن نكون
بعيدين عن الحزن أو اللذائذ الحسية، بل أن لا نتركها تُسيّر أفعالنا، وأن
نختار — قدر الإمكان — أن يقودنا العقل.
وبالتالي: قوة
الفعل ومضاعفتها هي الطريق نحو الحرية عند سبينوزا. والمفاهيم
التالية تُشكّل في نظره حقيقة واحدة متماسكة: قوة الفعل، الفضيلة، الفاعلية،
العقلانية، الاستقلالية، الفرح. كلها مسمّيات لشيء واحد: تلك الحرية الفريدة التي
يدعو إليها سبينوزا.
بالنسبة
لسبينوزا التحرر الحقيقي يمكن في السيطرة على الهواء ولجمها حتى لا تتحكم في
تصرفاتنا وتمعنا من تحقيق التوزان على المستوى النفسي.
من الأثر إلى السبب — تحوّل جوهري في الهوية
يلجأ
سبينوزا إلى مثال يومي لتبيان كيف يُعظّم فهمُ السببية قوةَ فعلنا:
إذا
أردت تشغيل سيارتك لكنك لم تفهم أن عليك الضغط على دواسة القابض قبل التحويل إلى
الدرجة الأولى، فإنك لن تذهب بعيدًا — لا لأنك لا تملك الإرادة، بل لأنك تجهل
السببية.
وكذلك الحال في العلاقات الإنسانية: إن
أردت الاقتراب من شخص لكنك لا تُدرك أن ذلك يستوجب الاحترام والإنصات والتلطف،
فستفشل لا لضعف إرادتك، بل لجهلك بقوانين الإنسانية.
إذن
فهمنا للقوانين التي تحكم الأشياء وتوجهها حول بداية النجاح الذي نسعى إلى تحقيقه
وبنائه، وعبر هذا الفهم نتحول من فاعل مُسبَّب إلى فاعل مُسبِّب — أي
نصبح بأنفسنا سببًا حقيقيًا لا مجرد نتيجة. وهذا هو تعريف الحرية الحقيقية عند
سبينوزا: أن تكون حرًا يعني أن تصبح سببًا.
"لا
تمزح، لا تبكِ، لا تلعن — افهم" — خلاصة المشروع الأخلاقي
يُجمل
سبينوزا مشروعه الأخلاقي بأكمله في مقولة شهيرة: "لا
تمزح، لا تبكِ، لا تلعن — افهم."
وهذه
العبارة الموجزة تحمل بُعدين:
الأول: كل شيء
يحدث له سبب. فهم ما يحدث يعني فهم أسبابه.
الثاني: بفهم
الأسباب نتحرر من قيد الأهواء. فهم ما يدفع الآخر إلى التصرف كما يتصرف، أو إلى
التفكير كما يُفكّر، أو إلى الرغبة فيما يرغب — هذا الجهد في التعاطف السببي
والرحمة السببية يجعلنا نتعامل معه بصورة أكثر ملاءمةً مما لو اكتفينا بإصدار
الأحكام من علياء جهلنا.
ثم
يمتد هذا إلى الفهم الذاتي: فهم ما يدفعنا إلى التصرف كما نتصرف يمنحنا إمكانية إصلاح
أنفسنا، ومغفرة أنفسنا، ومحبة أنفسنا لأن:
- كيف نُصلح أنفسنا دون أن نكون واعين بما
شكّلنا؟
- كيف نغفر لأنفسنا دون أن نفهم الأسباب التي
دفعتنا إلى الخطأ؟
- كيف نُحبّ أنفسنا دون أن نُزيل الاحتقار
المنبثق من الجهل؟
