آرثر شوبنهاور: فيلسوف التشاؤم وفلسفة الإرادة العمياء
يبدأ كل شيء بقصة يونانية قديمة عن
سيزيف، ذلك الملك الذي حاول أن يفضح جرائم الإله زيوس فعاقبه بعقاب أبدي: حمل صخرة
ضخمة إلى قمة جبل منحدر، فتسقط منه في كل مرة، فيعود فيرفعها من جديد، وهكذا إلى
ما لا نهاية. وكأن الآلهة تقول له: "دع الخداع ، فقد تعلمت الدرس".
هذه
الصورة تختزل بشكل مرعب حالة الإنسان في الحياة. فعندما ننسى أن السعادة التي نصل
إليها عارضة وزائلة، نستمر في الجري خلف السراب، كل يوم نشعر بخيبة أمل جديدة. لكن تخيل أن سيزيف نسي أن حياته عقاب،
وبدأ يشعر بأمل زائف أنه سيضع الصخرة على القمة يوماً ما، حينها تتضاعف معاناته،
لأنه سيشعر بالإحباط كل يوم بدلاً من مرة واحدة. هذا بالضبط ما يشعر به الإنسان في
العالم الحديث. وهذا ما فهمه فيلسوف ألماني حزين اسمه
آرثر شوبنهاور، وحوّله إلى أعظم فلسفة تشاؤم عرفتها البشرية.
v النشأة: الثراء الذي لم يشتري السعادة
وُلد آرثر شوبنهاور في دانتسيج
(البولندية حالياً) سنة 1788، في عائلة أرستقراطية ألمانية غنية. كان والده
هاينريش تاجراً ثرياً، واختار لابنه اسماً سهل النطق في جميع اللغات الأوروبية،
ليسهل عليه الانتقال والتجارة في المجتمعات الغربية. كانت خطة والده واضحة: يريد
لابنه أن يصبح رجل أعمال يرث التجارة.
لكن الخطة فشلت تماماً.
والدا شوبنهاور لم يهتما به كإنسان.
والده كان مشغولاً بتجارته معظم الوقت، وأمه يوهانا كانت أكثر اهتماماً بحضور
الحفلات الفنية والاجتماعية.
v حيث يقول شوبنهاور نفسه إنه لم يشعر بالسعادة في
طفولته غير مرة واحدة فقط: عندما عاش في بيت صديق والده لمدة ثلاثة أشهر، حيث وجد
الاهتمام والحنان الذي فقده في بيته.
المفاجأة أن الأب قرر أخذ ابنه في رحلة
أوروبية طويلة، بشرط أن يدخل مدرسة التجارة عند عودته. وافق شوبنهاور على الصفقة.
خلال سنتين، زار إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا. رأى حياة الفقراء والمساجين
والمعذبين، ما جعله يعرف واقع البؤساء.
الرحلة الفلسفية: من الطب إلى الفلسفة
بعد موت والده، قرر شوبنهاور الانسحاب
من التجارة والاتجاه نحو شغفه الحقيقي: العلوم والآداب، حيث تعلم اللاتينية واليونانية بسرعة، ثم اتجه نحو
الطب. لكن أثناء دراسته، بدأ يحضر محاضرات في الفلسفة وعلم النفس.
هناك اكتشف فلسفة إمانويل
كانط—الفيلسوف
الألماني الذي كان يعتبر في ذلك الوقت الأب الروحي للفلسفة الألمانية. انبهر
شوبنهاور بعبقرية كانط في تفكيك الأخطاء والبناء على أساس جديد تماماً. غادر الطب
للأبد وانغمس في الفلسفة.
كانط طرح فكرة ثورية:
العالم الذي نراه ليس العالم الحقيقي.
إنه مجرد انعكاس لكيفية عمل عقولنا. تماماً كما لو أننا ننظر من خلال نظارة شمسية
حمراء، فنرى كل شيء بلون أحمر، بينما قد يكون اللون الحقيقي مختلفاً تماماً. هذا
ما أسماه كانط "الشيء في ذاته" الحقيقة التي لا يمكننا الوصول
إليها.
سيأخذ شوبنهاور هذه الفكرة ويطورها بطريقة مرعبة.
الكتاب الأول: "العالم إرادة
وتمثل"
(1818)
حصل شوبنهاور على درجة الدكتوراه وهو
في الخمسة والعشرين من عمره. كتب أول عمل فلسفي له، متوقعاً أن يكسر العالم الفكري
بآراؤه. لكن ما حدث؟ لا شيء. لم يقرأ أحد الكتاب، لم يحصل على أي انتقادات فجأة اختفى
الكتاب من الأسواق، الشيء الذي قاد شوبنهاور إلى الدخول في حالة اكتئاب عميقة. حيث ذهب إلى والدته يأمل أن تعطيه الاهتمام الذي لم
تعطه له من قبل، لكنها رفضت لأنها خافت من آرائه الجريئة والمثيرة للجدل، وأنها
ستضر بسمعة صالونها الثقافي الشهير. تركته وحيداً. حيث عاش شوبنهاور سنوات في العزلة
والكتابة.
لكن في خضم هذه التجارب التقى برجل ألماني مستشرق اسمه فريدريك مودر كان مهتماً بالفلسفات الشرقية، من خلاله، اكتشف شوبنهاور الفلسفة الهندوسية والبوذية، وجد فيها الإجابة التي كان يبحث عنها. و في الكتب الهندية القديمة (الأوبانيشاد)، وجد كلمة سنسكريتية: "دوكها"—وتعني المعاناة والألم الوجودي الأبدي، الإنسان محكوم عليه بالعذاب بسبب رغباته التي لا تنتهي أبداً. و بما أنه تحدث عن الإرادة قرر أن يكتب كتاباً جديداً، أعظم من الأول. سنة 1818 نشر كتابه الخالد: "العالم كإرادة وتمثل"
فلسفة الإرادة: السر المرعب للوجود
الفكرة الأساسية لشوبنهاور بسيطة
ومرعبة في نفس الوقت: هناك قوة عمياء وعشوائية تحكم العالم،
لا تفكر، لا تخطط، لا تعرف نفسها اسمها الإرادة. لأن
الإرادة
ليست إرادتك أو إرادتي، بل إنها قوة كونية غيبية تدفع كل شيء للأمام. تجعل الجوع
يجعل نسمة الهواء تتحرك، النجوم تنفجر في السماء، والبشر يركضون خلف رغبات لا
تنتهي أبداً.
حيث يقول شوبنهاور: هل تسأل نفسك
لماذا تشرب الماء؟ هل فكرت بمنطق أن جسدك يحتاج إلى سوائل؟ بالطبع لا. أنت تشرب
لأنك تشعر بالعطش فقط. هذا الشعور غريزي، قهري، ليس اختيارك. إنه الإرادة التي
تسيطر عليك.
الإرادة عند شوبنهاور موجودة في كل جزء
من أجسادنا:
§ الأسنان
والمريء والمعدة = الجوع المتجسد
§ الأعضاء
التناسلية = الرغبة الجنسية المتجسدة
§ اليدان
والقدمان = جهود الإرادة
إذن الإرادة
موجودة في كل مكان في اجسامنا:
لكن إذا كانت الإرادة هي أساس هذا
الوجود لماذا الإنسان يحس بالمعاناة لماذا الحياة معاناة؟
الحقيقة المرعبة: شوبنهاور يقول: الحياة تتأرجح مثل البندول بين
طرفين:
1. الألم: الجوع، المرض، الحزن، الفشل،
الموت.
2. الملل: عندما تشبع رغبة واحدة، تحدث
ملل فوري. ثم تبحث عن رغبة جديدة.
لأنه لا توجد سعادة حقيقية، إنها مجرد غياب مؤقت للألم، فعندما تشعر بالجوع وتأكل، تشعر بالارتياح. لكن
هذا ليس سعادة، بل تخفيف من الألم فقط. بعد دقائق، تشعر بالملل من الطعام نفسه.الحب خداع. إنه فقط محاولة الإرادة
لجعلك تتزاوج وتحافظ على النوع. تقع في الحب، تشعر بالسعادة الزائفة، ثم... تزول
المشاعر. أو تتزوج وتكتشف أنك عبد لشخص آخر.... تسعى للثروة، تظن أنها ستجعلك سعيداً.
ثم تصل إليها وتأتي من تريد أكثر. أو تخاف من فقدانها. الخوف والجشع ليس أفضل من
الفقر.
إذن... هل يجب أن ننتحر؟ لا شوبنهاور كان معارضاً للانتحار. قال إن الانتحار ليس هروباً من الإرادة، بل استسلام لها، عندما تنتحر، تعترف أنك هزمت. وحتى بموتك، الإرادة ستبقى موجودة في العالم، في أشخاص آخرين.
الحل، بحسب شوبنهاور، هو على مستويين:
المستوى الأول: الزهد العقلي
تحارب الرغبات بالمنطق، عندما تشم
رائحة أكل لذيذ، بدلاً من الاستسلام للغريزة، فكر في الآثار السلبية: السمنة،
السكري، ارتفاع الكوليسترول، ركز على
السلبيات. بهذه الطريقة تتحرر تدريجياً من سيطرة الإرادة.
لكن هذا مرهق. يقول شوبنهاور نفسه: "أرهقني التفكير حتى
كنت أزهد في الحياة ذاتها".
المستوى الثاني: التأمل الجمالي
(الأهم)
عندما تسمع موسيقى رائعة، أو ترى لوحة
فنية جميلة، أو تنظر إلى منظر طبيعي ساحر في تلك اللحظات تنسى نفسك تماماً. لا
تفكر فيما تريد. لا تفكر في المال أو الجنس أو المكانة. أنت ببساطة معجب، مندهش،
سعيد بلا سبب.
هذه اللحظات نادرة وقصيرة، لكنها
الوحيدة التي تحررك من عبودية الإرادة.
الموسيقى بخاصة هي أعظم فن عند
شوبنهاور. لأن الموسيقى بنية من جزأين:
اللحن = التوتر والقلق والترقب
القرار = السكينة والارتياح
لذلك قال شوبنهاور عن موسيقى بيتهوفن
الخامسة: إنها تمثل خبطة القدر على الباب، ثم القبول والاستسلام.
حياة شوبنهاور: هروب من الجحيم
طبّق شوبنهاور فلسفته حرفياً. ترك
التدريس الجامعي (بعد محاولة فاشلة ضد منافسه هيجل). هرب من برلين عندما انتشر
وباء الكوليرا. استقر في مدينة فرانكفورت وحيداً. لمدة 27 سنة عاش حياة الراهب، يستيقظ مبكراً يفطر يقرأ الجرائد يأخذ نزهة يعود فيقرأ ويكتب، يعزف الفلوت (آلة موسيقية شبه الناي).،
كان يعاني من
نوبات ذعر دائمة. لكنه لم ينتحر. ومات موته طبيعياً وهو في الثانية
والسبعين من عمره.
الإرث: من التشاؤم إلى المستقبل
لم ينل شوبنهاور التقدير في حياته إلا
بعد وفاته. أصبح رمزاً للفلسفة التشاؤمية، وأثّر على أعظم المفكرين:لكن مريد البرغوتي (الشاعر العربي) قال في قصيدته ما
يرد على شوبنهاور بلطف:"توجع قليلاً، توجع كثيراً، سنصعد هذا
الجبل متعبين تماماً... نحن لسنا جبانين أو بطلين، ولكننا ولدان بسيطان... سنصعد
هذا الجبل... والأمل ذروة اليأس... الأمل ذاته موجع حين لا يتبقى سواه."
