صناعة الوهم السياسي: كيف تنبأ أورويل بعصر الحقائق البديلة؟

مقدمة: عندما تصبح الكذبة حقيقة بديلة
في عام
2017، وقت تنصيب دونالد ترامب في فترته الأولى، بدأت الصحافة تتحدث وتقر بأن حفل
تنصيب أوباما كان أفضل منه وأكبر بكثير، وناس كثيرة حضرته. بناءً على طلب ترامب،
خرج المسؤول الإعلامي في البيت الأبيض شون سبايسر وقال: "لا، الكلام هذا
لم يحدث، تنصيبنا أفضل من تنصيبكم، والأعداد التي جاءت لترامب أكبر من الأعداد
التي جاءت لأوباما." وحينها
ظهرت كيليان كونواي، المستشارة الأولى لترامب، وقالت شيئاً غريباً جداً: "يا
جماعة، هذه حقائق بديلة."
مصطلح
"الحقائق البديلة" يشبه فكرة "التفكير المزدوج" التي
استخدمها جورج أورويل في رواية 1984. والتفكير المزدوج في الرواية كان من أهم
وأخطر أدوات السيطرة التي يستخدمها الحزب الحاكم، ومعناه أن المواطن يصبح لديه
القدرة على تصديق الحقيقة وعكسها في نفس الوقت دون أن يشعر بأي تناقض.
الحقائق
البديلة في زمننا الحاضر
هذه
الفكرة موجودة اليوم بقوة، خاصة أننا نرى أن تزييف الحقائق والمعطيات يتم أمام
أعيننا ونحن نشاهده مباشرة وحرب عزة خير مثال على هذا الأمر. حيث أصبحا الحروب وسيلة لإبقاء الناس في حالة خوف ومشغولة طوال الوقت، حيث أحضت
لدينا حرب مزمنة وصراعات بالوكالة، كما
كتب أورويل في شعارات الحزب في 1984:
- "الحرب
هي السلام"
- "الحرية
هي العبودية"
- "الجهل
هو القوة"
السيطرة
على التاريخ
"من
يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على
الماضي." هذه الجملة التي نراها في كتب التاريخ والسرديات
التاريخية التي تعدلها الحكومات. قد يكون تاريخاً عشته ورأيته بعينيك، لكنك تراه
يُزور أمامك وأنت حي كم يزور محضر شرط أمامك ويقول لك وقع على أقوالك و أنت لم
تقلها يلح على أن هذا هو الكلام الذي قلته.
جورج
أورويل: الرجل وراء النبوءة
الطفولة:
جذور التمرد
الكاتب
البريطاني جورج أورويل، واسمه الحقيقي إيريك آرثر بلير، وُلد عام 1903 في الهند
أيام كونها مستعمرة بريطانية. أبوه كان نائب وكيل إدارة تجارة الأفيون، وأمه كانت
ابنة تاجر خشب من أسرة اسكتلندية. لكنهم كانوا أسياد بدون أراضٍ أو فلاحين أو
أملاك.
الصدمة
الأولى
أول
مدرسة دخلها عندما عاد إلى إنجلترا كانت مدرسة داخلية اسمها "كروس
جيتس". من الخارج كانت مدرسة أنيقة ونخبوية، لكنها كانت مدرسة طبقية جداً
تقيس الناس بأموالهم. ولأن إيريك دخل بمنحة، كان يُعامل دائماً على أنه أقل من
باقي الأطفال. يتعرض للتنمر والضرب ولمعاملة تذكره دائماً أنه ليس جزءاً من هؤلاء
الناس حقاً. هذه التجربة خلقت بداخله منذ صغره كراهية عميقة للظلم الطبقي ولأي
سلطة تحكم لمجرد أنها أقوى أو لديها نفوذ أكبر، وليس لأنها أعدل فعلاً.
بورما:
اكتشاف الوحش الإمبريالي
قرر في
1921 أن ينضم للشرطة البريطانية في بورما، ولم يكن يعلم وهو يتخذ هذا القرار أنه
يرمي نفسه من المر إلى ما هو أمر منه. شاب إنجليزي عمره 19 عاماً يرتدي الزي
الرسمي ويحمل البندقية، لم يفهم شيئاً بعد، وأخيراً جاءته الفرصة لتكون السلطة معه
ويتسلط على ناس أضعف منه.
لكن
إيريك لم يستطع أن يتماهى مع الوضع الجديد، لأنه رأى هناك نفس ما رآه في المدرسة،
لكن هذه المرة على نطاق أكبر بكثير. الإمبراطورية الإنجليزية البراقة من الخارج،
المشروع الحضاري العظيم الذي يتحدثون عنه في لندن، يظهر على حقيقته في بورما. رأى
إيريك مشروعاً احتكارياً لصالح مجموعة من الاسكتلنديين والإنجليز القاعدين في
النوادي الأرستقراطية يدخنون السيجار ويتحدثون طوال الوقت عن تفوق الرجل الأبيض
ويمتصون دم الفلاحين والعمال أصحاب البلد.
حادثة
الشنق: اللحظة الفاصل.
الحادثة
الأولى كانت شنق أحد السجناء البورميين في يوم ممطر لم تطلع فيه الشمس. جنود
يحيطون بالسجين البورمي من كل جانب ويقودونه إلى مكان الإعدام، وهو يسير بينهم
مقيداً وصامتاً ومستسلماً، حتى يواجهوا بركة ماء. يقوم السجين الذي يسير
مستسلماً ومنقاداً تماماً، في طريقه إلى الموت، عندما يرى هذه البركة بمحاولة
تفاديها والمرور من جانبها حتى لا تبتل قدمه.لحظة عبقرية
جداً: رجل سيموت بعد دقائق، لكنه لا يريد أن تبتل قدمه.
عن هذه اللحظة كتب إيريك (أو
أورويل) لاحقاً:
"حين
رأيت ذلك الرجل يُزيح خطاه جانباً ليتجنب بركة ماء، انكشف لي الغموض والخطأ الذي
لم أُفصح عنه. إنه خطأ جسيم أن تقطع حياة ما وهي في تمام مدها. كنا هو ونحن جماعة
من البشر نمشي معاً، نرى ونسمع ونحس ونفهم العالم ذاته، لكن وفي غضون دقيقتين فقط
وبقطيعة مفاجئة سيغيب أحدنا، عقل واحد سيكون قد انطفأ، عالم كامل لن يكون له وجود
بعد الآن."
حادثة
الفيل: كسر الكرامة الأخيرة
الحادثة
الثانية كانت عندما خرج فيل هائج كان يقتل الناس، لدرجة أن الفيل قتل بقرة
وحمالاً، والناس تجمعت لتتفرج على لحظة الإعدام. إيريك حمل البندقية ووقف أمام
الفيل الذي كان قد هدأ، وحوله أكثر من 2000 إنسان ينتظرون ليروا ما سيفعله الرجل
الأبيض الشجاع. تردد إيريك في البداية، لكن ضغط الناس الواقفين حوله ونظرات عيونهم له
وخوفه من أن يبدو جباناً جعلته يستجمع نفسه ويطلق النار ويقتل الفيل.
كتب
بعدها في مقالة "صيد الفيل":
"في تلك
اللحظة حين وقفت هناك مع البندقية بيدي، أدركت عقم وعبث سيادة الرجل الأبيض على
الشرق. ها أنا رجل أبيض ببندقية أقف أمام حشد أعزل من السكان المحليين. ظاهرياً
أنا الفاعل القيادي في هذا المكان، لكنني في الواقع لست سوى دمية مضحكة تُدفع إلى
الأمام والخلف بإرادة تلك الوجوه الصفراء. لاحظت في هذه اللحظة أن الرجل الأبيض
حين يتحول إلى طاغية فإنه يدمر حريته الخاصة."
اللحظة
التي قتل فيها إيريك الفيل كانت اللحظة التي قتل فيها آخر ذرة احترام لنفسه بالزي
البريطاني.
العودة
إلى إنجلترا: رحلة البحث عن الذات
عاد
إلى إنجلترا عام 1927 بعد أن قدم استقالته من الشرطة، وبعد أن تضاعف إحساسه بالذنب
الذي كان معه منذ طفولته أضعافاً مضاعفة. هذا الإحساس بسبب تجربة بورما التي كان
يلعب فيها الدور المزدوج: سيد مكروه وسط شعب مغلوب على أمره.
هذه الحقيقة
المزدوجة ، أو إحساسه أنه يرى نفسه من الداخل ومن الخارج في نفس الوقت، استمرت
منعكسة على كتاباته ومنظوره للحياة بعد ذلك، وربما هي التي جعلته يكتب 1984 بهذا
الشكل، الذي استطاع أن يعكس لنا بصدق كيف يفكر الناس في السلطة وكيف يتحكمون في
الناس، وفي نفس الوقت كيف يفكر الناس في القاع ويشعرون.
رحلة
باريس ولندن
في
نهاية العشرينيات يبدأ مرحلة جديدة من حياته يمكن أن نسميها "رحلة العصامية".
إيريك كان شاباً في أواخر العشرينيات، قرر فجأة أن يترك لندن ويذهب إلى باريس،
وهناك عاش واحداً من أصعب فصول حياته. نام في الشوارع، وعندما أكرمه الله كان ينام
في أقذر الفنادق وسط القمامة، نام في مطابخ المطاعم وفي ملاجئ المشردين من 1928
لمدة عام.
الجوع
والبرد كانا رفيقيه الدائمين، وأقصى أحلامه أن يعمل غسال أطباق في مطعم باريسي
كريه الرائحة فقط ليجد ما يأكله. وعندما حقق حلمه هذا كان يعمل 20 ساعة في اليوم،
لدرجة أنه في مرة حدثت جريمة قتل في الفندق الذي كان يسكن فيه، هو وزملاؤه العمال
سمعوا الصوت وقاموا من النوم، نظروا من النافذة، رأوا الجثة، وعادوا أكملوا النوم
مرة أخرى.
يكتب
أورويل عن هذا لاحقاً:
"نحن
كنا عمالاً، من أين لنا الإحساس بإضاعة الوقت على جريمة قتل؟"
ميلاد
الكاتب جورج أرويل
إيريك
بلير لم يكن يريد أن يكتب للشهرة أو حتى للمال. قرر أن يكتب ليوثق ويفضح ويكسر
التصورات الجاهزة. هذه الفترة علمته كثيراً عن الطبقات المنسية، عن الكذب
الاجتماعي، عن السلطة التي يمكن أن تذل الإنسان حتى لو كان معه شهادة، عن الخوف
الذي يشل عقل الناس عن التفكير.
وهو
نفسه قال في كتابه "متشرداً في باريس ولندن":
"لن
أفكر ثانية بأن كل المتشردين أوغاد سكيرون، ولن أتوقع أن يكون متسولاً ممتناً حين
أعطيه بنساً."
في نفس
الفترة قرر أن يغير اسمه من إيريك بلير إلى جورج أورويل، اسم إنجليزي صميم على
اسم نهر في شرق إنجلترا. ربما غير اسمه للهروب من تاريخه كشرطي إمبراطوري في
بورما، وربما حتى لا يحرج عائلته بتجربة الفقر والتشرد التي عاشها، وربما لأنه كان
يرى أن الاسم الجديد بداية أخلاقية جديدة.
التأثيرات
الأدبية: بناء عالم 1984
في
شبابه قرأ أورويل رواية اسمها "العقب الحديدية" (The Iron Heel) لكاتب
اسمه جاك لندن. هذه الرواية تخيلت صعود طبقة حاكمة سماها جاك لندن "طبقة
الأوليجارك الحديدية"، وهي نخبة اقتصادية تحكم الناس بالحديد والنار.
كان
أورويل قد قرأ أيضاً وتأثر برواية "النظر إلى الماضي" لإدوارد
بيلامي، وهذه كانت العكس تماماً، يوتوبيا اشتراكية حالمة تقول أن التقدم
والتكنولوجيا سيوصلان الناس للعدالة الكاملة، وأن المستقبل لن يكون فيه حدود بين
الدول أو حواجز ثقافية ولغوية.
لكن
أورويل وهو يقرأ هذا النوع من الروايات لم يكن يصدق هذه الأحلام، لأن يديه كانت في
النار. كان يعرف بالتجربة العملية أن الرجل الأبيض على وجه الخصوص سيستخدم هذه
القوة في القمع والتدمير.
أقرب
رواية أثرت فيه كانت رواية "نحن" للكاتب الروسي زامياتين،
واحدة من أوائل روايات أدب الديستوبيا الحديث، والتي كان فيها زعيم اسمه
"المُفيد الأعلى"، والبشر فيها كانوا يُسمون بأرقام وليس بأسماء. البيوت
فيها كانت من زجاج حتى لا تكون هناك خصوصية للمجتمع.
كل هذه
القراءة سوف تنتج رؤية عميقة وإنسانية بواقع المجتمع واليات التلاعب والتزيف التي
تستعملها السلطة والدول من أجل التحكم في الناس... وهذا ما سوف يدفعه إلى إبداع
أعظم رواياته 1984.
الأعمال
الأولى: رحلة التكوين
بدأ
جورج أورويل بنشر أولى رواياته "أيام في برما" عام 1934، والتي
كان فيها نقد لاذع للاستعمار البريطاني. بعدها نشر "ابنة القس"
في 1935 عن فتاة فقيرة تواجه نفاق المجتمع، وبعدها "دع الزنبقة تطير" في
1936 و"الخروج للهواء الطلق" في 1939 عن الوحدة والفشل والحنين
لطفولة آمنة.
الشيء
المشترك في هذه الروايات كان أن البطل دائماً يحاول أن يثور على نظام ظالم، لكنه
في النهاية ينكسر، وكأنه تمهيد مباشر لبطل 1984 وينستون سميث الذي حاول أن يتمرد
وانتهى به الحال مهزوماً مسحوقاً.
إسبانيا:
الجحيم الأحمر
عندما
سافر أورويل إلى إسبانيا في 1936 كان ذاهباً بحلم أن ينحاز أخيراً وبصراحة للخير
ضد الشر، حلم اسمه "الاشتراكية الديمقراطية". لكنه استيقظ على كابوس
اسمه "الشمولية". انضم
أورويل إلى ميليشيا حزب العمال التوحيد الماركسي، وهذه كانت جماعة يسارية تروتسكية
تحارب الفاشيين وتحلم بثورة حقيقية.
أول ما
وصل برشلونة رأى بعينيه شيئاً لم يره من قبل: الحلم يتحقق. الناس كلها تقول لبعضها
"يا رفيق"، لا توجد طبقات أو هرمية في السلطة، مجتمع اشتراكي حقيقي،
السلطة في يد العمال.
كتب
وقتها:
" لقد انخرطت بالصدفة المحضة في المجتمع الوحيد في أوروبا الغربية حيث
يسود الوعي السياسي والكفر بالرأسمالية أكثر من المعتاد."
الخيانة
الحمراء
لكن
الجبهة المتحدة التي كان فيها أورويل كان بداخلها حرب أخرى داخلية. كان هناك فريق
من الشيوعيين الاستالينيين، وهؤلاء هدفهم الأول والأخير التخلص من فرانكو،
لكن في سبيل هذا الهدف لم تكن لديهم مشكلة في عمل تحالفات حتى مع البرجوازية أو
مع فاشية أخرى غير فاشية فرانكو.
رأى
أورويل رفاقه يختفون، اعتُقل صديقه المقرب وأُعدم، حتى هو أُصيب برصاصة قناص في
رقبته ونجا بالعافية.
هرب هو
وزوجته من جحيم كاتالونيا وعاد إلى لندن، وكتب في كتابه "تحية إلى
كاتالونيا":
"الحرب
التي خضناها ضد فرانكو لم تكن حرباً فقط بل كانت مسرحية عبثية تتخللها الوفيات.
لقد قاتلنا الفاشيين نعم، ولكننا أيضاً كنا ضحايا خيانة من رفاقنا المفترضين."
إسبانيا
كانت المرآة الصادقة التي رأى أورويل نفسه وأفكاره والعالم فيها، هزة وجودية كسرت
بداخله أشياء لن ترجع كما كانت أبداً. رأى بعينيه أن الشمولية والاستبداد ليسا
حكراً على اليمين والفاشية فقط، لكنهما قادران على ارتداء زي أي أيديولوجيا.
مزرعة
الحيوان: السم في العسل
ترك
أورويل كل هذا وفي شقة بسيطة في لندن، وهو قاعد يسعل ويعاني من المرض، قرر أن يكتب
"مزرعة الحيوان". حكاية شكلها بسيط جداً، كأنها قصة أطفال. مزرعة فيها حيوانات يقررون أن يثوروا على صاحب المزرعة الإنسان الذي
يستغلهم ويعملوا مجتمعاً متساوياً. لكن مع الوقت، الخنازير التي كانت من قادة
الثورة تسيطر وتغش وتنقلب على باقي الحيوانات وتستحوذ على كل الامتيازات. وفي
النهاية يكتبون على الحائط جملة:
"جميع
الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من الأخرى."
كانت هذه الرواية نقداً مباشراً للثورة البلشيفية
واستبداد ستالين وتحول حلم الاشتراكية الذي حلم به أورويل إلى كابوس جديد.
الجزيرة
النائية: ولادة 1984
بعد
النجاح والشهرة الكبيرة تحول أورويل إلى كاتب مطلوب في كل مكان، لكنه كان يعاني من
السل، ومع موت زوجته... بعد الأحداث المأساوية هذه قرر أورويل أن يعتزل العالم
ويهرب منه إلى جزيرة اسكتلندية نائية اسمها جورا، جزيرة بعيدة فيها
بيت صغير وعواصف مستمرة، مع ابنه الصغير. لا أصدقاء ولا ناس ولا
كهرباء ولا تدفئة، طبيعة قاسية، بحر بارد يضرب الصخور أحياناً، وأحياناً أخرى
هادئ. هذا المكان الذي سيكتب فيه الرواية التي ظل سنوات يبنيها في عقله: وثيقة
تحذيرية وضع فيها جورج أورويل خلاصة كل ما رآه وعاشه.
1984 : الكابوس
المكتمل
وينستون
سميث، موظف بسيط في وزارة الحقيقة، عمله أن يعيد كتابة التاريخ. كل جريدة
قديمة تقول شيئاً لا يعجب النظام يعدلها، كل خبر غير جيد يعيد صياغته. الحقيقة
بالنسبة له ليست ما يراه بعينه، الحقيقة هي ما يقوله الحزب في هذه اللحظة،
لأنها يمكن في اللحظة التي بعدها أن تتغير الحقيقة حسب مزاج الحزب.
وينستون
كان بداخله تمرد سري يسممه، شرخ يكبر كل يوم. يرى أن الدنيا غير
منطقية، غير طبيعية. طوال الوقت يحاول أن يتذكر الحياة التي كانت قبل الحزب، يحاول
أن يتذكر أياماً كان فيها حب، وتفكير، وماضٍ حقيقي.
يقرر
وينستون أن يتمرد، لكن بالكتابة. يسجل أفكاره
ويكتب أنه يكره الأخ الأكبر. طبعاً في أوقيانوسيا، الكلمة التي كتبها
وينستون هذه كانت جريمة بشعة، خاصة أنه كان هناك قانون يمنع الفكر.
يقابل
جوليا التي كانت فتاة شجاعة وساخطة على الأوضاع مثله بالضبط، فيحبها ويحاول أن
يكون إنساناً في عالم يمسح إنسانيته. لكن في أوقيانوسيا، الحب نفسه كان خطراً لأنه
يربط شخصين ببعضهما بدلاً من أن يرتبطا بالحزب وحب الأخ الأكبر.
استمر
حبهما في السر وكرههما للأخ الأكبر في السر، لم يكن أحد يعلم شيئاً عنهما غير
أوبراين، صديق وينستون الذي كان عضواً في منظمة الأخوة، وهي منظمة سرية كل هدفها
إسقاط نظام الأخ الأكبر.
لكن في
الحقيقة كان أوبراين مخبراً في شرطة الفكر، يبلغ
عن وينستون وجوليا ويسلمهما ليدخلا مبنى وزارة الحب، الغرفة رقم 101.
التي سوف يتم خلالها غسل أدمغتهما وإعادة ترتيب أفكارهم وقيمهم ومعتقداتهم حتى
تتوافق مع منطق وقواعد الحزب الحاكم وأوامر الأخ الأكبر.
الغرفة
101: كسر الإنسان
وبفضل
التعذيب النفسي والجسدي الذي استمر أياماً طويلة بلا رحمة، كل شيء يتغير. وينستون
يقابل داخل سجن وزارة الحب بارسونز، الرجل الطيب العادي الذي ابنته هي التي سلمته
لأنه وهو نائم ويحلم أخطأ في حق الأخ الأكبر.
والغريب
أن بارسونز كان فخوراً جداً بابنته البطلة التي، بحماس الشباب المؤمن بالحزب، ذهبت
وبلغت عنه ليأخذ جزاءه الذي كان يستحقه.
وينستون
من شدة التعذيب النفسي والجسدي وصل به الأمر أن يتوسل للضباط أن يعذبوا جوليا
حبيبته بدلاً منه. تحول بعد التعذيب إلى نسخة جديدة مطيعة تماماً تصدق كل ما يُقال
لها، نسخة مقتنعة مثلها مثل الجميع أن 2 + 2 = 5 وأن كلام الأخ الكبير ملزم.
وفي
آخر مشهد في الرواية نرى وينستون بعد أن تربى وفهم الدرس، وبعد أن هُزمت أحلامه
وآماله، ينظر إلى صورة الأخ الأكبر التي كانت في كل الشوارع ويقول لنفسه:
"انتهى
الأمر، أنا الآن أحب الأخ الأكبر."
فلسفة
الهزيمة: لماذا يخسر الفرد دائماً؟
في
عالم أورويل، الفرد دائماً يخسر. ليس لأن
أورويل كان يكره الحرية الفردية، بالعكس هو كان مؤمناً بها حتى النخاع، لكن لأنه
كان يرى أن المواجهة الحقيقية للاستبداد تحتاج أكثر من صوت واحد، تحتاج وعياً
جماعياً، شجاعة جماعية، مقاومة جماعية. لهذا فإن التغيير لا يأتي من أفراد أنما من
حراك ثقافي واجتماعي شامل يدفع الجميع إلى التحرك.
كل
أبطال أورويل الأفراد هُزموا بنفس الشكل:
- فلوري في "أيام برما"
انكسر صوته وسط الضوضاء العنصرية للإمبراطورية
- جوردون في "دع الزنبقة تطير"
عاد إلى سجن الرأسمالية الذي هرب منه بنفسه
- دوروثي في "ابنة القس" وعت
على الزيف لكنها اختارت أن تعيشه
- جورج في "الخروج إلى الهواء
الطلق" أدرك أن الحنين غير كافٍ وأن الماضي دُفن ولن يعود
- وينستون في 1984 هُزم كما رأينا
بعض
الناس رأوا أن سوداوية 1984 كانت بسبب الحالة المرضية الصعبة التي كان يمر بها
أورويل وقت كتابة الرواية، لكن يرد عليهم الناقد والكاتب الأمريكي جورج بيكر:
"لا شيء
في حياة أورويل وأعماله يبرر الظن بأنه كان يائساً أو يبحث عن الموت، بل على
العكس، مرضه ألهب فيه غضباً ورغبة في الحياة جعلته يكتب بنشاط حتى النهاية."
أورويل
الأخلاقي: الكاتب الذي رفض المساومة
لم يكن
أورويل يكتب ليرضي أحداً. رغم أنه كان شخصاً وطنياً ويحب بلده، لم يتخذ الوطنية
ذريعة للسكوت:
- انتقد الإمبراطورية وقال بصراحة أن رفاهية
أوروبا مبنية على نهب الشعوب التي استعمرتها
- حارب مع الماركسيين لكنه كتب عن جرائمهم
- رفض الفاشية وفي نفس الوقت رفض أن تقف بلده
ضد استقلال الهند
كان
يكتب ليسجل ويوثق مشاعره الحقيقية، وكان يفعل هذا وهو يشعر طوال الوقت أن الحقيقة
عرضة للمسح والتشويه، وأن السلطة دائماً ستحاول تزييفها وإلغاءها.
ولهذا
استمر يعيد نفس الفكرة من زاوية مختلفة في كل كتاب، كأنه يقول:
"اكتب،
لا تصمت، حتى لو هُزمت اكتب، حتى لو لم يسمعك أحد اكتب، لأن النسيان هو أول نصر
للطغيان."
الحرب
العالمية الثانية: وزارة الحقيقة الحقيقية
الاجتماعات
داخل الـBBC كانت
تُعقد في قاعة رقم 101، وهو نفس اسم الغرفة 101 في رواية 1984، التي كان يتم تعذيب
البطل فيها بأسوأ كوابيسه، وكأنها انعكاس لحالته التي دونها بعبارات ساخطة في
مذكراته عام 1942:
"يمكنك
أن تمضي في تكرار الأكاذيب، حتى لو لم يصدقها الناس تماماً فلن يقاوموها. لقد غرقت
البشرية في الوحل، أشعر كأن الأمانة الفكرية والموضوعية قد اختفت من العالم."
استقال
أورويل من هذا العمل عام 1943 في عز الحرب، بعد أن شعر أنه يضيع وقته وبعد أن رأى
داخل جدران الـBBC
وزارة حقيقة واقعية تقول الحقيقة التي تنفعها فقط وتلغي الأصوات التي
ليست على مزاجها أو التي ليست على نفس موجة الحكومة.
الخاتمة:
النبوءة المتحققة
مات
جورج أورويل عام 1950، مريضاً منهكاً وفي عزلة، وقبل أن يرى العالم الذي نحن فيه.
لكن كل مرة نقرأ جملة من 1984 ونجد أنفسنا نعيشها، نعرف أن أورويل كسب المعركة
التي خسرها كل أبطاله.
من "الحقائق
البديلة" إلى "التفكير المزدوج"، من "الأخ
الكبير" الذي أصبح برنامجاً تلفزيونياً إلى "التليسكرين" الذي
أصبح هاتفاً ذكياً في جيبنا، من وزارة الحقيقة التي تمسح التاريخ إلى النيوسبيك
الذي يقلب المعاني... كل شيء في 1984 أصبح جزءاً من واقعنا.
الرواية
لم تكن مجرد تخيل لمستقبل ديستوبي، هو كان أورويل يحكي لنا واقعاً عاشه بعينه
ويحذرنا منه. وكل مرة يقترب العالم أكثر من كابوس أوقيانوسيا، كل مرة يعود الناس
لقراءة 1984 مرة أخرى، وكل مرة يصبح الكتاب الأعلى مبيعاً، وكأن أورويل ما زال
يعيش معنا يقول لنا: "رأيتم؟ قلت لكم."
"إذا
أردت أن تتخيل المستقبل، تخيل حذاء يدوس على وجه إنسان إلى الأبد."
- جورج أورويل، 1984