أزمة التعليم في المغرب: بين فشل القطاع العمومي وتجارة القطاع الخصوصي

 

أزمة التعليم في المغرب: بين فشل القطاع العمومي وتجارة القطاع الخصوصي





مقدمة: واقع التعليم المأزوم

في وصف صارخ لحال التعليم في المغرب، نجد أنفسنا أمام واقع مؤلم: القطاع العمومي مات ولم يُدفن بعد، والقطاع الخصوصي تحوّل إلى مشروع تجاري بحت يستغل حاجة الأسر للهروب من كابوس المدرسة العمومية. هذا القطاع الحيوي الذي يُفترض أن يكون أساس نهضة أي أمة، يُديره اليوم في المغرب وزير لا نعرف عنه شيئاً غير اسمه وتجارته السابقة في الحلوى.

ومن أجل أن يكون كلامنا أكثر موضوعية ومنطقية، يمكن الانطلاق من الدراسات والإحصاءات، يدرس في التعليم الخصوصي حوالي مليون و230 ألف تلميذ، أي واحد من كل سبعة تلاميذ، حيث يشكل التعليم الخصوصي 15% من إجمالي المتمدرسين، مع توقعات بوصوله إلى 20% أو أكثر، ووصلت عدد المدارس الخاصة إلى 7,564 مؤسسة عام 2021-2022، مقابل 6,600 عام 2019

Ø   التوزيع حسب المراحل التعليمية:

المدارس:

  • الابتدائي: 4,000 مؤسسة تعليمية خاصة
  • الإعدادي: 2,188 مؤسسة
  • الثانوي: 1,300 مؤسسة

التلاميذ:

  • الابتدائي: 840-850 ألف تلميذ
  • الإعدادي: 235 ألف تلميذ
  • الثانوي: 146 ألف تلميذ

 

رقم المعاملات الضخم: حجم السوق المالي

بوضع متوسط سنوي قدره 1,500 درهم شهرياً (15,000 درهم سنوياً) للتلميذ الواحد، نجد أنفسنا أمام:

  • رقم معاملات أساسي: حوالي 18 مليار و375 مليون درهم
  • بالعملة الأوروبية: حوالي ملياري يورو
  • مع المصاريف الإضافية: يصل الرقم إلى 30 مليار درهم بسهولة

هذا الرقم الضخم يدور في القطاع دون احتساب تعليم البعثات الأجنبية، وقد نما من 19.8 مليار درهم عام 2018 وفقاً لمجلس المنافسة.

 

ما هي المشاكل الكبرى للتعليم الخصوصي؟

1- غموض العلاقة التعاقدية وغياب الشفافية

  • الرسوم المرتفعة: تتغير كل سنة دون مبررات معقولة أو منطقية
  • عدم وضوح العقود: العلاقة التعاقدية بين الأسر والمدارس الخصوصية غامضة
  • غياب الحماية: لا توجد مراقبة فعالة أو حماية للأسر من التلاعب

2- مشكلة تجميع الخدمات (الباكيج)

المدارس تفرض على الأسر شراء حزمة شاملة تضم:

  • النقل المدرسي
  • الزي الموحد
  • التأمين
  • المقررات الدراسية
  • رسوم التسجيل

3- استغلال بيع الكتب المدرسية :

  • هامش ربح خيالي: المدارس تتحول إلى مكتبات تبيع الكتب بأسعار مضاعفة
  • مثال صارخ: كتاب يُباع خارج المدرسة بـ50 درهم، يُباع داخلها بـ150 درهم
  • تهرب ضريبي: لا تؤدى عن هذه الأرباح أي ضرائب

4- رسوم التسجيل الغامضة :

  • التفاوت الكبير: تتراوح ما بين 700 درهم إلى 7,000 درهم حسب المدرسة
  • عدم وضوح المقابل: لا توجد خدمة واضحة مقابل هذه الرسوم
  • الاستغلال: بعض المدارس تجمع كلفة أجور السنة كاملة من رسوم التسجيل فقط

 

ضعف الرقابة والمتابعة:

غياب الوزارة عن المشهد

  • عجز في الكوادر: الوزارة لا تتوفر على إمكانيات ولا طاقم بشري كافٍ لتفتيش أكثر من 7,000 مدرسة
  • المفتش النادر: "المفتش أصبح مثل بابا نويل، لا يراه التلاميذ إلا مرة في العمر"
  • عدم المساءلة: لا توجد عقوبات فعلية أو إغلاق لمدارس مخالفة

انتشار المدارس العشوائية

  • مدارس في شقق: بعض المدارس عبارة عن شقق سكنية لا تحترم معايير السلامة
  • نقص المرافق: غياب فضاءات اللعب، وأماكن تناول الطعام، والمرافق الصحية المناسبة
  • عدم احترام المعايير: كثير من المدارس لا تلتزم بالمعايير البيداغوجية والتربوية

تحديات التكوين ضعف التأهيل والتكوين:

  • توظيف العاطلين: عدد كبير من المدرسين كانوا عاطلين عن العمل ولم يجدوا بديلاً
  • نقص التكوين: يعملون بدون تكوين تربوي أو بيداغوجي مناسب
  • عدم الاستقرار المهني: دوران مستمر للمدرسين من مدرسة إلى أخرى

استغلال أساتذة التعليم العمومي

مشكلة خطيرة تتمثل في:

  • ازدواجية العمل: مدرسو القطاع العمومي يدرّسون في الخصوصي مساءً
  • إهمال الواجب الأساسي: إهمال واجباتهم في المدرسة العمومية التي يتقاضون منها راتبهم الأساسي
  • عدم التغطية الاجتماعية: العمل في الخصوصي بدون تأمين أو تقاعد أو عقود واضحة

الأجور الضعيفة وظروف العمل

  • أجور متدنية: تتراوح بين 2,000 إلى 5,000 درهم شهرياً
  • عدد ساعات مفرط: بعض المدرسين يدرسون العربية نهاراً ويسوقون تاكسي ليلاً
  • عدم الاستقرار: انعدام الاستقرار المهني والبيداغوجي

بدعة اختبار المستوى

التمييز بين التلاميذ

  • رسوم الاختبار: دفع حوالي 1,500 درهم لاختبار مستوى التلميذ قبل قبوله
  • انتقاء النخبة: المدارس تختار التلاميذ المتفوقين فقط لحماية نتائجها
  • مخالفة القانون: هذا التمييز يتعارض مع القانون ودفتر التحملات

النتائج السلبية

  • إقصاء المتوسطين والضعفاء: الذين هم في أمس الحاجة للمساعدة
  • خداع الأسر: إيهام الأسر بأن المدرسة متميزة بينما هي تنتقي المتفوقين أصلاً
  • عدم تحقيق الهدف التعليمي: المفروض أن يدرس الضعيف مع المتفوق للاستفادة

 

حذف المواد وتضخيم النقاط

حذف أجزاء من المنهج

في السنة الأخيرة من الثانوية، المدارس الخصوصية:

  • تحذف مواد كاملة: مثل الاجتماعيات، العربية، الفرنسية، التربية الإسلامية
  • تركز على مواد الامتحان: فقط الرياضيات، الفيزياء، العلوم الطبيعية، الفلسفة، الإنجليزية
  • تأثير سلبي على الثقافة العامة: إنتاج خريجين بثقافة محدودة ومتخصصة فقط

 

تضخيم نقاط المراقبة المستمرة

  • إعطاء نقاط مرتفعة: منح التلاميذ نقاطاً أعلى من المستحق
  • ظلم تلاميذ القطاع العمومي: الذين يلتزمون بالنقاط الحقيقية
  • تأثير على المساواة: في الولوج إلى الجامعات والمدارس العليا

 

غياب تقييم الجودة

Ø   عدم وجود معايير واضحة

  • لا توجد مؤشرات وطنية: لتقييم جودة المدارس الخصوصية
  • غياب التصنيف: عكس الفنادق التي تُصنّف بالنجوم، المدارس لا تُصنّف
  • اختيار عشوائي: الأسر تختار المدرسة بناءً على السمعة فقط

Ø   الحاجة لنظام تقييم

المطلوب وضع نظام تصنيف يعتمد على:

  • جودة البناية والمرافق.
  • مستوى الكادر التعليمي.
  • النتائج الأكاديمية الحقيقية.
  • الخدمات المقدمة.

المقارنة مع التعليم العمومي

تفوق نسبي رغم المشاكل

وفقاً للجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي (2015):

  • الرياضيات: تفوق التعليم الخاص بـ90 نقطة
  • العلوم: تفوق بـ114 نقطة

أسباب التفوق

  • متابعة الأسر: الأسر التي تدفع تتابع أطفالها أكثر
  • انتقاء التلاميذ: اختيار المتفوقين يرفع المعدل العام
  • موارد أفضل: إمكانيات مادية أكبر من القطاع العمومي

 

الحلول المقترحة لحل لأزمة التعليم الخصوصي بالمغرب:

1- تعزيز الرقابة والمساءلة:

  • وضع دفاتر تحملات صارمة مع عقوبات رادعة
  • زيادة عدد المفتشين وتحسين آليات المراقبة.
  • إغلاق المدارس المخالفة وسحب تراخيصها.

2- تنظيم العلاقة التعاقدية

  • تفعيل عقد نموذجي موحد بين المدارس والأسر
  • فصل الخدمات (التعليم، النقل، التأمين، الزي) والسماح بالاختيار
  • وضع سقف لرسوم التسجيل وتحديد مقابلها الفعلي

3- الدعم الضريبي للأسر

  • تخفيف الضريبة على الدخل للأسر التي تدرس أطفالها في الخصوصي
  • اعتبار أن هذه الأسر تعفي الدولة من مصروف إضافي

4- نموذج التعليم المختلط

  • الدولة تعطي مدارس فارغة للخواص
  • مقابل إعفاء من الكراء، تعليم أطفال الفقراء مجاناً
  • الدولة تشرف على الرقابة والمتابعة

5- الإصلاح الجذري للتعليم العمومي

الحل الجذري والأهم: استثمار حقيقي في التعليم العمومي ليصبح الخيار الأول لجميع الفئات.

 

التحليل السوسيولوجي: إعادة إنتاج الطبقية

نظرية بيير بورديو: يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه الشهير "إعادة الإنتاج" أثبت أن:

  • المدرسة لا تحقق العدالة الاجتماعية كما يزعم السياسيون
  • تعيد إنتاج الفوارق الطبقية بدلاً من محاربتها
  • النجاح الدراسي انعكاس للرأسمال الثقافي للعائلة وليس فقط للذكاء الفردي

الوضع في المغرب أخطر:

إذا كان هذا حال فرنسا التي تصرف 200 مليار يورو سنوياً على التعليم العمومي، فما بالك بالمغرب الذي يصرف أقل من 8 مليار يورو (80 مليار درهم) فقط؟

الأبعاد السياسية والاجتماعية

التعليم كأداة للديمقراطية

التعليم ليس مجرد نقل معلومات أو إعداد للوظائف، بل:

  • أداة لصناعة المواطن: القادر على التفكير النقدي
  • حماية للديمقراطية: والابتعاد عن التطرف والشعبوية
  • تعزيز للوعي المدني: والانتماء للوطن والثقافة
  • وسيلة للعدالة الاجتماعية: وتكافؤ الفرص

خطر الوضع الحالي الوضع الحالي ينتج:

  • مغربين منفصلين: واحد للأغنياء وآخر للفقراء
  • تعميق الطبقية: بدلاً من محاربتها
  • ضعف النسيج الاجتماعي: وتراجع قيم العيش المشترك

 

 

 

خاتمة: التعليم كقضية مصيرية

التحدي الأكبر" إن أكثر موضوع جدي وأكثر موضوع خطير وحساس هو التعليم - تعليم الأجيال القادمة."

النظام التعليمي المعطوب ينتج:

  • مواطنين غير مؤهلين للمشاركة الديمقراطية
  • تعميق الفجوات الطبقية والاجتماعية
  • ضعف الوعي النقدي والثقافة العامة
  • تراجع قيم التسامح والعيش المشترك

الأمل المتبقي: رغم كل هذا الواقع المرير، تبقى المعرفة سلطة والوعي سلاح. والأمل في جيل واع يدرك أن:

  • التعليم الجيد حق وليس امتيازاً
  • العدالة الاجتماعية تبدأ من المدرسة
  • الديمقراطية الحقيقية تحتاج مواطنين متعلمين ومثقفين.

 

تعليقات