التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي: رؤية شاملة

 

التدبير البيداغوجي والنجاح المدرسي: رؤية شاملة




مدخل: لماذا التدبير البيداغوجي؟

لا يمكن الحديث عن منظومة تربوية ناجعة دون الوقوف عند مفهوم التدبير البيداغوجي بوصفه العمود الفقري الذي يربط السياسات التعليمية بالواقع اليومي للفصل الدراسي. فالتدبير في جوهره ليس مجرد تسيير إداري، بل هو جملة عمليات منظمة تشمل التخطيط والتنفيذ والتوجيه والتقويم، تسعى جميعها إلى بلوغ أهداف محددة بنجاعة وفعالية. وهو في الوقت ذاته علم قائم على مبادئ ونظريات، وفن يرتبط بالملكات الفطرية والسمات الشخصية للمدبِّر.

غير أن قيمة التدبير البيداغوجي لا تتجلى في التعريفات النظرية بقدر ما تتجلى في أثره العملي: هل يرتفع مستوى تحصيل المتعلمين؟ هل تنخفض معدلات الهدر المدرسي؟ هل تُوظَّف الموارد المتاحة بالكفاءة المطلوبة؟

أولاً: التدبير البيداغوجي في إطار الإصلاح التربوي المغربي

مرّ التدبير البيداغوجي بمراحل متعددة في المنظومة التربوية المغربية، تبعاً لمتطلبات كل حقبة. منذ الاستقلال، عملت الدولة على بناء نظام تعليمي وطني يقوم على أربعة مبادئ كبرى: التوحيد والتعميم والتعريب والمغربة. ثم تعاقبت الإصلاحات تعاقباً لافتاً، من لجنة الدراسة الأولى عام 1957 إلى المخططات الخماسية المتتالية، وصولاً إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 الذي شكّل منعطفاً جوهرياً.

فقد جاء الميثاق الوطني ليُرسي إطاراً مرجعياً لمشروع المدرسة المغربية الجديدة، متضمناً توجيهات صريحة في شأن التنظيم البيداغوجي ضمن مجالين اثنين من مجالاته الستة؛ إذ أولى عناية خاصة لإعادة هيكلة أطوار التعليم، وتطوير مسالك التقويم والاستحقاق، وتعزيز التوجيه المدرسي والمهني.

وقد أعقب الميثاقَ البرنامجُ الاستعجالي (2009-2012) الذي انطلق من مبدأ جوهري: وضع المتعلم في قلب منظومة التربية والتكوين. وضمّ البرنامج سبعةً وعشرين مشروعاً مندمجاً، كان من أبرزها ما تعلّق بمحاربة التكرار والانقطاع عن الدراسة، وتطوير العدة البيداغوجية، ومراجعة المناهج، وتحسين نظام التقويم والإشهاد. لكنّ تقييم البنك الدولي لاحقاً كشف عن بطء الإصلاحات وعدم استقرارها، مما فتح الباب أمام الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي رسمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، مستهدفةً مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.


إشكالية الجودة في مسلسل الإصلاحات:

ما يلفت الانتباه في هذا المسار الطويل هو أن القاسم المشترك بين كل هذه الإصلاحات، رغم تنوعها وتعاقبها، هو غياب رؤية استشرافية واضحة المعالم. فكل سنة تُصنّف التقارير الدولية المغربَ في مؤخرة الدول من حيث جودة النظام التعليمي. وتتكرر الملاحظات ذاتها: الطابع التكنوقراطي للإصلاح، وغياب الدراسات التقييمية العلمية قبل الانطلاق في مشروع جديد، وانعدام مشاركة المعنيين المباشرين كرجال التعليم والآباء، وضعف الحوكمة في تنفيذ المشاريع الإصلاحية.

وشروط نجاح أي إصلاح بالنظام التعليمي، كما يؤكد الخبراء، تستلزم مشروعاً مجتمعياً شمولياً محدد المعالم، ومنظوراً مندمجاً لنظام التعلم، ومشاركة واسعة ونشيطة، وتكويناً ملائماً، ووسائل مادية كافية، وبنية للتتبع والتقويم.

ثانياً: مفهوم التدبير البيداغوجي وأبعاده:

Ø   من التسيير التقليدي إلى التدبير الحديث

يختلف التدبير الحديث عن التسيير التقليدي في جوانب جوهرية؛ فبينما يقوم الأخير على الفصل الصارم بين المصالح، واعتماد التراتبية في حل المشكلات، والتقيد الصارم بالتعليمات الفوقية، يرتكز التدبير الحديث على رفع الحواجز بين الهياكل التنظيمية، وإرساء قواعد العمل الجماعي، وإتاحة هامش واسع من الحرية والإبداع، وممارسة التقويم الذاتي.

وتنتظم وظائف التدبير في خمسة محاور: التخطيط بوصفه إعداداً قبلياً لاتخاذ القرار، والتنظيم الذي يحدد كيفية إنجاز العمل واستعمال الموارد، والتوجيه الذي يستعمل القيادة والسلطة والتواصل والتنشيط لتوجيه العملية التربوية، والتنسيق الذي يُقيم الانسجام والتكامل بين مختلف العناصر، وأخيراً المراقبة بوصفها عملية تقويم للموارد المستعمرة والنتائج المحصّل عليها.

التدبير البيداغوجي تحديداً:

يتميز التدبير البيداغوجي بكونه مجموعة من العمليات والتقنيات والآليات والخطط الإجرائية التي يعتمد عليها المدبِّر لتنفيذ الأنشطة المرتبطة بالعملية التعليمية التعلمية. وتتمثل أهميته في كونه آلية للضبط والتخطيط السليم، ووسيلة لتجويد القيادة التربوية وتعزيز الحكامة، ورافداً لتأطير المدرسين ومساعدتهم على إتقان مهامهم.

وتتنوع أنواعه لتشمل تدبير المشاريع التربوية المرتكز على إنجاز مهمة أو نشاط وفق مجموعة من الأهداف المسطرة، وتدبير التكوين الذي يقصد به وضع خطة متقنة لتأهيل المتدربين والموارد البشرية، والتدبير الديداكتيكي الذي يعني الإلمام بتقنيات تدبير الفصل الدراسي تخطيطاً وتنظيماً وتنسيقاً وقيادة ومراقبة.

ثالثاً: مدرسة التميز والنجاح المدرسي

مواصفات مدرسة التميز:

يُقصد بمدرسة التميز تلك المدرسة التي يتمتع فيها المتعلم بحقوقه الخاصة والعامة، ويحس بكرامته وإنسانيته، حيث تساعده على تفتيق مواهبه، وتدفعه إلى الإبداع والتخيل والابتكار والإنتاج والتفوق. وبالتالي فهي مدرسة تؤمن بمنطق الجودة والإنتاجية والمردودية، وتعمل على توفير التكوين المستمر للعاملين، والتمكن من اللغات الأجنبية، والتحكم في آليات الإعلاميات المعاصرة.

محددات النجاح المدرسي:

يُعدّ النجاح المدرسي من أكثر المفاهيم التربوية والنفسية تركيباً وتعقيداً، نظراً لارتباطه بالعديد من المتغيرات الشخصية والاجتماعية والمدرسية. ويختلف الباحثون في تحديد مفهومه، غير أنهم يتفقون على أنه يتجاوز مجرد الحصول على نقاط في مادة دراسية ما، ليشمل الكفاءات والاتجاهات والقيم والمعارف المكتسبة، وصولاً إلى قدرة المتعلم على الاندماج الاجتماعي والمشاركة الكاملة في التحولات المجتمعية.

وتتوزع محددات النجاح المدرسي على ثلاثة مستويات متشابكة:

Ø   المحددات الذاتية: يتأثر المتعلم بالدرجة الأولى بنمو ذكائه وقدراته العقلية الأخرى كالذاكرة والتخيل والتفكير. وقد أثبتت دراسات عدة أن الذكاء شرط ضروري لكنه غير كافٍ للنجاح الدراسي، إذ تلعب القدرات العقلية الأخرى كالذاكرة والانتباه والتركيز دوراً لا يُستهان به.

Ø   المحددات الاجتماعية والأسرية: تُعتبر الوضعية الاجتماعية-الاقتصادية أحد أهم العوامل المؤثرة في النجاح الدراسي، إذ يكون للدخل الضعيف ونقص الإمكانات المادية انعكاسات على تنشئة الطفل. كما يلعب المستوى الثقافي للأسرة دوراً بارزاً في تحديد معالم شخصية الطفل ومساراتها مستقبلاً، فضلاً عن أن انعدام الاستقرار داخل الأسرة وتفككها يؤدي إلى نتائج سيئة على المستقبل الدراسي للأبناء.

Ø   المحددات المدرسية والتربوية: تمثل المدرسة واحدة من أهم العوامل المؤثرة في النجاح، وفي مقدمة هذه المحددات خصائص المدرس الذي يمثل محوراً أساسياً في العملية التعليمية، إذ أثبتت الكثير من الدراسات أن درجة تفاعل المدرس مع تلاميذه لها تأثير مباشر على النجاح الدراسي. كما يُعدّ المناخ المدرسي بكل ما يشمله من علاقات تفاعلية بين التلاميذ والأساتذة والإداريين أحد الجوانب المؤثرة في تحديد نجاح التلاميذ أو فشلهم.

رابعاً: نظريات التعلم والمقاربات البيداغوجية

من السلوكية إلى البنائية الاجتماعية:

تتأسس الممارسة البيداغوجية الحديثة على رصيد غني من النظريات التي تفسر كيف يتعلم الإنسان وما الشروط التي تجعل التعلم ذا معنى وفعالية. وتتوزع هذه النظريات على عدة مدارس:

تنطلق النظرية السلوكية من ربط السلوك بالمثير والاستجابة، وتعتبر أن التعزيز والعقاب هما المحركان الأساسيان للتعلم. وقد أحدثت أفكار سكينر ثورة في التفكير التربوي والبيداغوجي، إذ اعتبر أن الطفل في البيداغوجيا الكلاسيكية كان يتعلم خشيةً من العقاب، مع غياب كل أشكال الدعم.

في المقابل، انطلقت النظرية الجشطلتية من رفض التجارب على الحيوانات وتطبيقها على الإنسان، ورأت أن التعلم يرتبط بإدراك الكائن لذاته ولموقف التعلم. فالتعلم وفق هذه النظرية إدراكيٌّ بالدرجة الأولى، يقوم على الانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن الجزء إلى الكل، وعلى اشتراط الاستبصار للتعلم الحقيقي.

أما النظرية البنائية مع جان بياجي، فقد أحدثت ثورة عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة، إذ تُعتبر التعلم عملية بناء نشطة يقوم بها المتعلم بنفسه من خلال تفاعله مع محيطه. والتعلم، وفق هذه النظرية، لا ينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع، وهو مقترن بالخطأ الذي يُعدّ شرطاً ضرورياً لا فرصة وموقفاً لبناء المعرفة الصحيحة.

وتذهب النظرية السوسيو-بنائية إلى أن المعارف تُبنى اجتماعياً من لدن المتعلم ولفائدته، من خلال سياق قائم على التفاوض والتفاعل وإعطاء المعنى، مؤكدةً أن المتعلم لا يطور كفاياته إلا بمقارنة إنجازاته بإنجازات غيره في إطار التفاعل مع الجماعة.

المقاربة بالكفايات:

تتوخى المقاربة بالكفايات في مجال التربية والتكوين تحقيق رهانات جوهرية: إعطاء معنى للتعلمات، وضمان نوع من النجاعة، وتحقيق التكامل والتداخل بين المواد الدراسية، والتركيز على مخرجات المنهاج بدل الأهداف الجزئية المنعزلة، ووضع المتعلم في قلب العملية التعليمية التعلمية.

وتجمع تعاريف الكفاية على مجموعة من الخصائص المشتركة: فلكل كفاية سياق محدد مرتبط بعائلة من الوضعيات، وبناء الموارد شرط أساس لاكتساب الكفاية، وتتجاوز تنمية الكفاية تحقيق أهداف معرفية إلى اكتساب القدرة على تعبئة المعارف وإدماجها لمواجهة وضعية-مشكلة جديدة مرتبطة بحاجات أو حياة المتعلم. 

المقاربات البيداغوجية الكبرى

تتشعب المقاربات البيداغوجية في اتجاهات متعددة ومتكاملة في آن واحد:

Ø   البيداغوجيا الفارقية:  تنطلق من الاعتراف بتباينات المتعلمين من حيث الفوارق الذهنية والسوسيو-ثقافية والسيكولوجية، وتقترح مجموعة من المسارات التعليمية التي تراعى فيها قدرات المتعلم، مع ضمان تكافؤ الفرص وتجسيد الحق في الاختلاف.

Ø   بيداغوجيا حل المشكلات:  تتمركز حول المتعلم لاستنفار واستعارة مهاراته أو معارفه أو قدراته، بهدف رصد الترابطات الكامنة بين عناصر المشكل/المركّب المطروح لبناء التعلمات. وتنطلق الوضعية-المشكلة من سياق ذي معنى بالنسبة للمتعلم، تتنوع أشكالها بين الديداكتيكية والإدماجية والتقويمية.

Ø   بيداغوجيا الإدماج:  تعتبر أن التعلمات الجديدة معرّضة للنسيان بنسبة كبيرة إذا لم تُدعم بإدماجها واستعمالها بعد فترات زمنية تسمح بتشغيل مختلف أنواع الذاكرة. وأنواع الإدماج متعددة تشمل إدماج التعلمات وإدماج المهارات وإدماج الموارد وإدماج الوحدات الدراسية.

Ø   بيداغوجيا الخطأ:  تعتبر الخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم، وترى أنه أمرٌ طبيعي وإيجابي يترجم مسعى المتعلم للوصول إلى المعرفة. والخطأ الذي يتم فهمه يكون مجدياً ومصدراً للارتقاء، وفهمه يعني معرفة مصدره وتحليله بما يضمن استغلاله بشكل إيجابي في تعلمات لاحقة.

Ø   بيداغوجيا الدعم : إجراء بيداغوجي يستند إلى وسائل وعمليات وأنشطة نستثمر في إطار الوحدات التعليمية التعلمية أو خارجها، وتستهدف تحسين جودة التعلمات عبر معالجة التعثرات وتقوية المكتسبات وإغنائها. وتتوزع أشكاله على ثلاثة مستويات: الدعم المندمج داخل الفصل، والدعم المؤسساتي خارج الفصل داخل المؤسسة، والدعم الخارجي في إطار شراكات مع متدخلين وفاعلين.

خامساً: الديداكتيك والبيداغوجيا

الديداكتيك: علم محتويات التدريس وطرقه

يُعرَّف الديداكتيك بكونه الدراسة العلمية لطرق التدريس وتقنياته ولأشكال تنظيم مواقف التعلم التي يخضع لها المتعلم في المؤسسة التعليمية، قصد بلوغ الأهداف المسطرة مؤسسياً، سواء على المستوى العقلي أو الوجداني أو الحسي-الحركي. وهو يتصل من جهة بالمنهج وما يرتبط به من غايات ومضامين وأهداف، ويهتم من جهة أخرى بالجانب المنهجي لنقل المعرفة إلى المتعلم، وبشروط اكتساب المتعلم للمعرفة الخاصة بمادة معينة.

وهناك نوعان من الديداكتيك: الديداكتيك العامة التي تهتم بالقوانين والقواعد والأسس العامة للتدريس بغض النظر عن خصوصيات أو محتوى المواد الدراسية، والديداكتيك الخاصة أو ديداكتيك المواد التي تهتم بتخطيط عملية التدريس أو التعلم لمادة دراسية معينة من حيث الطرائق والوسائل والأساليب الخاصة بها.

وتقوم المبادئ الديداكتيكية العامة على خمسة ركائز: التدرج والاستمرارية الذي يرافق مختلف الأنشطة ومختلف مراحل التعلم، والتركيز على الكيف بالتركيز على الكفايات الأساسية والممتدة وكذا الأولويات، والتنويع الذي يستحيل فيه الاستمرار في اعتبار التعليم والتعلم فرضاً خارجياً يُكره المتعلم على استعاره، وإعطاء معنى للتعلمات، والتكامل بين المكونات والوحدات أفقياً وعمودياً.

البيداغوجيا: علماً وممارسة:

تتضمن كلمة بيداغوجيا في أصلها اليوناني معنى قيادة الطفل وتوجيهه. وتعني في السياق الحديث من جهة حقلاً معرفياً قوامه التفكير الفلسفي والسيكولوجي في غايات وتوجهات الأفعال والأنشطة المطلوب ممارستها في وضعية التربية والتعليم، ومن جهة أخرى نشاطاً عملياً يتكون من مجموع الممارسات والأفعال التي ينجزها كل من المدرس والمتعلمين داخل الفصل.

وتُعنى البيداغوجيا بالعلاقات العاطفية والمناخ الدراسي داخل الفصل مراعيةً مهارات المدرس في قيادة وتدبير القسم، وتركز على العلاقة مدرس/متعلم أو متعلم/متعلم والتفاعلات الصفية، وعلى استراتيجيات التعلم والتواصل والوساطة، وتهتم برورورة التعلم أو تعلم التعلم.

سادساً: كفايات المدرس ومهنته

المهنة: إطار ووظيفة

تُعتبر المهنة، في إطارها السوسيولوجي الواسع، نوعاً من الإدماج الاجتماعي داخل حقل معين ذي نشاط اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو تربوي. وفي المجال التربوي تحديداً، أصبحت مهنة التدريس ترتبط ببناء الهوية المهنية للمدرس وتحديد معالمها باستمرار، لعلاقتها بالتكوين الدائم والمعرفي والتربوي والعملي الذي يستغرق المسار المهني بأكمله، بهدف اكتساب الكفايات اللازمة لممارسة التدريس والارتقاء بجودة الأداء المهني.

منظومة الكفايات المهنية للمدرس

تتوزع الكفايات المهنية للمدرس على ستة مجالات متكاملة:

الكفايات المعرفية: وتشمل التمكن من المعارف المدرسة ودقة وصحة المفاهيم والمصطلحات، والإجابة بوضوح عن أسئلة المتعلمين، وإحالتهم على موارد ومصادر للتعلم.

الكفايات التربوية: وتنتظم حول التمكن من منهجيات التدريس والتنشيط والإلمام باستراتيجيات التعلم ومراعاة الفوارق الفردية بين المتعلمين، وإعداد الوثائق التربوية وتحيينها، والعمل على بث ثقافة الحوار والتعاون والتنظيم.

الكفايات التدبيرية: وتتجلى في تدبير الفصل الدراسي وتنفيذ المقرر الدراسي بالوتيرة الملائمة، وتدبير زمن التعليم والتعلم، والتفرغ للمهنة والإبداع والنهضة.

الكفايات التقويمية: وتتمثل في التأكد من تحقق الأهداف المخطط لها، وبناء وضعيات تقويمية لقياس الكفايات المستهدفة، وتنويع طرائق وأدوات التقويم، وتوثيق نتائجه واستثمارها في ضبط وتعديل طرائق التدريس.

الكفايات التواصلية: وتشمل الانخراط في العمل الجماعي والتواصل مع الزميلات والزملاء والإدارة والمتعلمين والأمهات والآباء، وحل المشكلات وتشجيع المبادرة.

الكفايات الأخلاقية والثقافية: وتظهر في الالتزام بقيم المهنة وأخلاقياتها واحترام وتعزيز القيم المحلية والوطنية والإنسانية، وتطوير الخبرة في المجال التكنولوجي واستخدام مصادر التعلم التكنولوجية الحديثة وتوظيفها.

سابعاً: الحكامة الجيدة في المنظومة التربوية

·      مفهوم الحكامة وأبعاده

برز مصطلح الحكامة بقوة في الساحة الدولية أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ثم أُدرج بشدة في المجال التربوي مرتبطاً بوصف الجودة. ويصعب الإجماع على تعريف موحد له، غير أن الحكامة تُفهم عموماً بوصفها أسلوباً جديداً في التدبير يُقوم على التشارك والإنصاف والشفافية والمساءلة وحسن التنظيم وتوزيع المهام والمسؤوليات وتضافر الخبرات والتواصل. وهي ليست غاية في ذاتها بل وسيلة لتحقيق غاية سامية للرقي بالمجتمع وتطور الدولة، ولا يمكن الحديث عنها في دولة مركزية وغير ديمقراطية.

وتتوزع أسس الحكامة على ست مرتكزات: حسن التدبير القائم على الانفتاح والشفافية وتبسيط المسالك والإرشاد والتواصل والتقييم والتحفيز، والإشراك الفعلي للفاعلين على المستوى المحلي والجهوي والوطني، والتشارك من خلال انخراط القوى الحية في مسلسل الإصلاح، والتوافق بالقدرة على التفاوض والتحكيم والإقناع، والفعالية وجودة الخدمات والتواصل، والرؤية الاستراتيجية القائمة على تقييم واقعي للمنجزات ورصد الإمكانات.

آليات تنزيل الحكامة في التعليم:

تتعدد آليات تفعيل الحكامة في قطاع التربية والتكوين لتشمل: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وإحداث المفتشيات العامة وتنسيق التفتيش، والأكاديميات بمجالسها الإدارية ووحدات الافتحاص الداخلي، والمديريات الإقليمية وتنسيق التفتيش الإقليمي، والمؤسسات التعليمية بمجالسها وجمعياتها وأنديتها التربوية.

وعلى المستوى التشريعي، أرسى دستور 2011 قواعد الحكامة الجيدة في مقتضيات صريحة، إذ تطرقت الفصول 31 و35 و92 و147 على التوالي إلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما جاء القانون الإطار 51.17 ليُرسي آليات خاصة للتنسيق في إعداد وتنفيذ البرامج والمناهج والمسالك الدراسية، وعمليات التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، وعمليات الإشهاد والمعادلة بين الشهادات.

خاتمة: نحو منظومة تربوية متكاملة

يتضح من هذه القراءة الشاملة أن التدبير البيداغوجي ليس حلقة مفردة في سلسلة الإصلاح التربوي، بل هو العمود الفقري الذي تلتقي عنده كل المنطلقات النظرية والتوجهات التشريعية والممارسات الميدانية. فمن نظريات التعلم إلى المقاربة بالكفايات، ومن مفهوم الحكامة إلى كفايات المدرس، تنتظم كل هذه العناصر في بنية واحدة متماسكة هدفها الأول والأخير: مدرسة تُنصف المتعلم وترتقي بمستواه وتُؤهله للمشاركة الكاملة في الحياة المجتمعية.

وإن كانت الإصلاحات المتعاقبة قد أسهمت في إغناء الإطار المفاهيمي وتوسيع أفق الممارسة التربوية، فإن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذه المفاهيم إلى واقع ملموس في كل فصل دراسي وكل مؤسسة تعليمية. وهذه الترجمة مسؤولية مشتركة يتقاسمها المدرس والمدير والمفتش والأسرة والمجتمع، في إطار حكامة جيدة تُتيح لكل طرف أن يضطلع بدوره كاملاً.

 

تعليقات