الذاكرة: المخزن الهائل الذي يصنع هويتنا
الذاكرة
ذلك المخزن الهائل داخل دماغنا، ليست مجرد أداة لحفظ المعلومات، بل هي الخيط
الناظم لوجودنا، وأساس شخصيتنا، وبوصلة حياتنا اليومية. ما نخزنه بوعي أو دون وعي
يؤثر في كل ما نفعله وكيف نرى أنفسنا والآخرين. قد نصل إلى حد القول بأننا صنيعة
ذاكرتنا، فهي تحدد هويتنا، حيث أنه
من لا ذاكرة له قد يكون بدون هوية.
أولاً: كيف تعمل الذاكرة في الدماغ؟
الذاكرة تبدأ عندما يؤثر حدث أو معلومة في
الدماغ فيحفز الخلايا العصبية، فتتشكل ما يُعرف بـ"بصمة الذاكرة".
تتواصل الخلايا العصبية عبر المشابك العصبية، حيث تفرز الخلية ناقلات كيميائية
ترتبط بمستقبلات محددة في الخلية التالية، ويمكن قياس ذلك كإشارة كهربائية.
و خلال عملية التعلم تتغير الخلايا العصبية بشكل
دائم، وهذا شرط أساسي لتعلم ناجح وهادف، حيث أننا عندما نتذكر شيئاً ما تنشط بصمة
الذاكرة مجدداً، وعند إعادة تخزينها تُحفظ عادةً بصورة معدّلة، مما يعني أن
الذكريات ليست ثابتة بل متغيرة باستمرار.
الذاكرة الصريحة والذاكرة الضمنية:
يميز
العلماء بين نوعين رئيسيين من الذاكرة: الذاكرة الصريحة تخزّن المعارف التي نتعلمها ونختبرها بوعي، وتشمل الحقائق كمعرفة أن
باريس عاصمة فرنسا، والتجارب الشخصية كولادة طفل أو حادث وقع قبل سنوات.
أما الذاكرة الضمنية تخزّن
الخبرات والمهارات التي يمكن استحضارها دون وعي، كالعادات والمهارات
الحركية كركوب الدراجة، إذ يكفي تعلمها مرة واحدة لتبقى متاحة حتى بعد سنوات دون
ممارسة. يوفر هذا الاسترجاع التلقائي الكثير من الجهد والوقت ويتيح للدماغ التركيز
على أمور أكثر أهمية.
نظام الملاحة الداخلي في الدماغ
ويمكن
القول أيضا أن الدماغ مزود بنظام ملاحة داخلي يعتمد على نوعين من الخلايا: خلايا
المواقع التي تنشط في أماكن محددة من البيئة، وخلايا
الشبكة التي تولد أنماطاً سداسية متداخلة تمكّن الدماغ من قياس المسافات
وتحديد الاتجاه في المكان. والأهم من ذلك أن دور هذا
النظام لا يقتصر على التنقل الجسدي، بل يمتد ليشمل تخزين المعلومات غير المكانية،
إذ يُعدّ بناء الخرائط المعرفية أمراً جوهرياً لأداء الذاكرة بكفاءة.
ثانياً: العوامل التي تحدد قوة الذاكرة
الجينات
والبيئة:
يتحدد
مدى قوة ذاكرة الفرد من خلال عاملين متساويي الأهمية؛ العوامل الوراثية بنسبة 50%،
والبيئة بالنسبة المتبقية التي تشمل التعليم والعوامل الاجتماعية والديموغرافية.
يُولد الجميع بتركيبة جينية محددة، لكن البيئة تمنح مساحة كبيرة للتطور أو التدهور،
أي ما نكتسبه و نكرره كممارسة داخل فضاء الحياة، يكون فاعلا إيجابيا أو سلبيا على
نمو وتطور ذاكرتنا وتحسنها.
العوامل
الثلاثة الرئيسية في التخزين طويل الأمد:
1-التكرار: تدريب
المشابك العصبية من خلال الإعادة المنتظمة، إذا تعلمت قصيدة وكررتها بما يكفي،
ستحتفظ بها حتى بعد عام، وحين تراجعها ستحتفظ بها لفترة أطول، لأن كل نشاط نكرره
يعزز بصمته داخل النشاط العصبي إلى أن يصبح عملية تلقائية لا نحتاج مجهود للقيام
بها.
2-الربط
بمعلومات سابقة: كلما ارتبطت المعلومة الجديدة بشيء تعرفه مسبقاً،
كان تذكرها أسهل وأرسخ. وعلى العكس، إذا لم يفهم المرء ما يتعلمه فلن يتذكره، كمن
يحفظ مادة علمية دون استيعابها، ولهذا يمكن القول ان المعرفة بشكل عام هي لعبة
مقارنات، لأننا نقارن الأشياء مع بعضها البعض.
3-الأهمية
العاطفية: المعلومات
التي تثير مشاعرنا تُعدّ إشارة للدماغ بأهميتها، فتُخزَّن لفترة أطول، لهذا نتذكر
ما يلامس مشاعرنا لأن العاطفة قرينة الأهمية في منطق الدماغ، ذلك أن الدماغ يفكر
بأسلوب يحتوي على عملية الترابط والانسجام بين العناصر المعرفية.
ثالثاً: النسيان ليس عدواً
يؤكد
الخبراء أن النسيان جزء مهم من الذاكرة السليمة، إذ يجب أن يكون المرء قادراً على
النسيان حتى يتمكن من التمييز بين الأمور المهمة وغير المهمة. ثمة آليات جزيئية
محددة تسهم في عملية النسيان النشط، بل أكثر من ذلك، فإن النسيان عنصر بالغ
الأهمية في الإبداع، فعندما لا يتذكر الممثل أو الفنان كل شيء بدقة، تنفتح أمامه
مساحة لملء الفجوات بشيء غير متوقع. أما الدماغ الذي يخزن كل شيء بدقة مثالية فهو
أشبه بحاسوب فائق القدرة، لكنه في الحقيقة آلة بلا روح ولا مجال للابتكار.
يعني
لا تخف إذا نسيت شيئا لأنه جزء من تكوين شخصيتك وبنائها في المستقبل، لا تخف من المعطيات
التي فقدتها، لأنها جزء من تكوين بنية معرفية جديدة على المستوى الذهني
رابعاً: تقنيات تحسين الذاكرة
التخيل
والصور الذهنية:
جوهر
تقنيات الذاكرة يكمن في تخيل الأشياء من خلال الصور، ويجب أن نعلم أنه لا علاقة
لهذه التقنيات بالذكاء على الإطلاق، بل يمكن لأي شخص تعلمها بغض النظر عن مستواه
الأكاديمي. ومن أبرز تطبيقاتها أنه إذا كنت قلقاً من نسيان رصيف قطارك رقم سبعة،
فما عليك سوى تخيل الأقزام السبعة يقفون عند الرصيف يحيّونك، ولن تضطر للتحقق مرة
ثانية.
قصر
الذاكرة
يستخدم
فنانو الذاكرة ومحترفو الحفظ تقنية "قصر الذاكرة"، إذ يتخيلون
معلومات مختلفة في مواقع متعددة من مكان مألوف كمنزل أو كاتدرائية، ثم يتنقلون
ذهنياً عبر هذه المواقع لاسترجاع المعلومات. على سبيل المثال، يتخيل المرء موعد
طبيب الأسنان ممثلاً بالطبيب نفسه واقفاً بأدواته عند مدخل المعرض، وموعداً في
مكتب البريد ممثلاً بصندوق بريد ضخم على الجرس. هذا التسلسل الحركي يشبه تصميم
رقصة، حيث تُخزَّن صور معينة في كل محطة.
النوم
وترسيخ المعلومات
ينصح
البروفيسور باباوتيروبولس طلابه دائماً بالدراسة مساءً قبل النوم مباشرة، لأن
أثناء النوم تترسخ المعلومات الأخيرة في الذاكرة، وتستقر المشابك العصبية أو تتشكل
مشابك ثابتة. في اليوم التالي تكون المعلومات حاضرة بشكل مذهل، كل ما يتطلبه الأمر
هو مراجعة الدروس ثم النوم دون أي تشتيت بينهما، مما يمنح الدماغ فرصة لترسيخ تلك
المعلومات أثناء الراحة.
التدوين
ووسائل التذكر
تعتبر
عملية التدوين من العمليات الأساسية التي تساعد على حفظ الذاكرة والتذكر من
العناصر الأساسية التي نحن في حاجة إليها. لأن دماغها يستبعد أحياناً ما يبدو غير
ضروري. كما تستخدم روابط التذكر لربط المعلومات ببعضها، وهو ما يُعدّ وسيلة ممتازة
لتحسين الاحتفاظ بها.
كما أن
ذاكرتنا هي بناء لما حدث في الماضي؛ نستبعد منها
أشياء ونضيف إليها أخرى. وذاكرتنا ليست مجرد أداة وظيفية، بل هي الأساس الذي يقوم
عليه فهمنا لذواتنا وصورتنا عن أنفسنا، إذ يعتمد ذلك اعتماداً كاملاً على كيفية
رؤيتنا لأنفسنا في الزمان والمكان. وكلما تعاملنا مع أشخاص فقدوا ذاكرتهم، ازداد
وضوح مدى أهميتها ليس فقط للبقاء، بل للشعور بالوجود ذاته.
إعادة التأهيل والمرونة العصبية
يُعرف
اليوم أن الدماغ يتمتع بمرونة عالية، مما يعني أن روابط جديدة بين الخلايا العصبية
يمكن أن تتشكل باستمرار. تعتمد برامج إعادة التأهيل على تدريب مناطق معينة لتشكيل
هذه الروابط الجديدة، على أمل تقليل الإعاقة أو القضاء عليها، مع الإقرار بأن
الخلايا العصبية الميتة لا يمكن تعويضها.
ومن
أحدث الأساليب استخدام الواقع الافتراضي، إذ تُعطى المرضى مهام كحفظ مواقع أشياء
موضوعة على طاولة افتراضية، ويُرصد بدقة كيفية تحريك المريض لرأسه ومد نظره،
لتحديد المهام الأنسب لتدريب كل وظيفة، كما يُستخدم "العلاج بصندوق
المرآة" الذي يجعل الدماغ يعتاد على الصور المعكوسة، خادعاً إياه ليصدق
أن العضو المتضرر هو من يؤدي المهمة، مما يحفز استعادة العضلات لقدرتها على
التعلم. والدافع شرط أساسي لنجاح هذه العملية.
خامسا: نصائح علمية للحفاظ على الذاكرة
يجمع
الخبراء على جملة من العوامل التي تصون الذاكرة وتعززها:
النشاط
البدني وبخاصة التمارين الهوائية كالمشي في الغابة،
لأنها تحافظ على نشاط خلايا الحُصَين، المنطقة المسؤوذلة أساساً عن الذاكرة في
الدماغ.
التنويع
الفكري من موسيقى وفن وتعلم مستمر، لأن شبكات الخلايا
العصبية الضرورية لتشكيل الذاكرة تظل نشطة بالمحفزات ذات المعنى.
النوم
الكافي الذي يترسخ خلاله ما تعلمناه وتستقر المشابك
العصبية.
تجنب
العوامل الضارة: كالإفراط في تناول الكحول وقلة النوم والتوتر
والاكتئاب وتراجع الانتباه، وهي عوامل مترابطة فيما بينها.
التركيز
أثناء التعلم: وإبعاد مصادر التشتيت، إذ يعترف مالو نفسه
بأنه كثير النسيان لكن ذلك يعود لكونه مشتت الذهن، لا لضعف ذاكرته الأصلية.
الحد
من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا: إذ يرى مالو أن التوافر الدائم لخيارات التخزين
الرقمي إشكالي، لأن الدماغ يحتاج للتمرين ويجب الحفاظ على لياقة هذه الآلة الذهنية.
في الختام
يمكن القول أن الذاكرة ليست مجرد ملف نحفظ فيه الماضي، بل هي نسيج وجودنا. نحن لا
نوليها اهتماماً كافياً في حياتنا اليومية لأننا نفترض أنها تعمل تلقائياً، لكن
عندما تتعطل ندرك حجم ما نعتمد عليه. التعلم المستمر هو محرك ذاكرتنا، وإذا واصلنا
المثابرة يمكننا الحفاظ على كفاءتنا حتى سن متقدمة. من خلال ذاكرة جيدة نوسع
إدراكنا وفهمنا للعالم، ونحن مهتمون بكل ما هو جديد، وهذا الجديد يحل محل ما كنا
نظن أننا نعرفه، في عملية تعلم وفهم مستمرة لا تنتهي ما دمنا على قيد الحياة.
