بيير بورديو : اللغة بوصفها أداة للهيمنة الفكرية والثقافية
إعادة الإنتاج الاجتماعي
يرى
بورديو أن الأفراد هم، قبل كل شيء، انعكاس للبنى الاجتماعية التي ينشئون في
كنفها. فالحديث عن إعادة الإنتاج الاجتماعي هو في جوهره القول بأن الفرد لا
يفلت من قبضة هذه البنى إلا نادراً وعلى هامش الحالات. وكان بورديو نفسه ابن فلاح،
غير أن ذلك لم يمنعه من الوصول إلى منصب أستاذ في "كوليج دو فرانس"، إلا
أن هذا يحدث مرة واحدة في الألف، ولا يُمثّل القاعدة. القاعدة هي أن يصبح
ابن الفلاح فلاحاً، وابن العامل عاملاً، وبنت المهني الحر مهنية حرة.
وهذه
الظاهرة ليست وليدة المصادفة؛ فهي تُفسَّر بكون كل فرد ينمو في وسطه الاجتماعي
فيكتسب أنماط سلوكه وكفاءاته ولغته وثقافته، أي ثقافة طبقته. وهكذا تتناقل
اللامساواة الاجتماعية بين الأجيال، وتغدو التنقلية الاجتماعية الصاعدة
استثناءً لا قاعدةً.
والمقولة
الشهيرة "من أراد استطاع" ليست في نظر بورديو إلا وهماً؛ لأن
الإرادة ذاتها مُكيَّفة بعوامل اجتماعية ونفسية اجتماعية. ببساطة: نريد ما
نستطيع، لا العكس. فضلاً عن ذلك، النجاح الاجتماعي ليس مسألة إرادة قبل أن يكون
مسألة إمكانيات ووسائل وموارد ورأسمال، سواء أكان اقتصادياً أم رمزياً
أم ثقافياً أم اجتماعياً.
الهابيتوس: البنية التي نعيشها دون أن ندركها
يُعدّ
مفهوم الهابيتوس من أهم مساهمات بورديو. وهو مجموع السلوكيات والأكواد
وأساليب الحياة التي يُدمجها الفرد ويُستبطنها بوصفه عضواً في طبقته الاجتماعية.
والفرد لا يُدرك هابيتوسه بوصفه كذلك، بل يراه أمراً بديهياً، لأنه يُشكّل بيئته
اليومية التي لا يُساءل عنها.
الطريقة الوحيدة لاكتشاف الهابيتوس الخاص بنا هي حين يصطدم بهابيتوس مغاير. فاللغة مثلاً: نمتلك طريقة بعينها في الكلام، وصياغات، ومفردات، ونبرة. وحين نتحدث مع أبناء وسطنا الاجتماعي نشعر بأننا نتحدث بشكل طبيعي، لكن ما إن تغيّر البيئة الاجتماعية حتى وجدنا أنفسنا أمام لغة أخرى ونبرة مغايرة، إذن كل شيء فينا يعكس انتماءنا الاجتماعي.
اللغة: ليست فقط رسالة، بل هوية
اللغة
موضوع يُوليه بورديو اهتماماً بالغاً، بل أفرد له كتاباً كاملاً بعنوان "ما
تعنيه الكلمة" (1982). يرى بورديو أن في كل فعل لغوي
مضمونَين:
- المضمون الإخباري: أي
الرسالة التي يحملها الخطاب.
- المضمون التواصلي: أي
ما يُعبّر عنه الفرد بصرف النظر عن الرسالة، وما يكشفه عن نفسه.
لذا
يُسمّي بورديو الجزء الثاني من كتابه "اقتصاد التبادلات اللغوية"،
إذ حين نتبادل الكلمات، لا نتبادل كلمات فحسب، بل نتبادل دوالّ اجتماعية.
Ø الخطاب ذو السلطة: ما الذي يجعل الكلام ذا وزن؟
يذهب
بورديو أبعد من مجرد تحليل ما يكشفه اللغة عنّا، إلى تشريح اللغة بوصفها حقيقة
اجتماعية وأداة للهيمنة. وهو ما يُسمّيه لغة السلطة أو الخطاب
المُفوَّض بالسلطة.
النقد البورديوي للتحليل الكلاسيكي للغة
يقوم
التحليل الكلاسيكي للغة على دراسة الخطاب بمعزل عن صاحبه وعن سياق الإنتاج،
فيتناول النص بوصفه موضوعاً مستقلاً قائماً بذاته. لكن بورديو يرى أن هذه المقاربة
ساذجة وقاصرة إذا أردنا فهم الدلالة الحقيقية للغة. وليُثبت ذلك، يستند إلى
مفهوم الملفوظات الإنجازية التي استمده من الفيلسوف الإنجليزي جون أوستن في
كتابه "كيف
ننجز الأشياء بالكلمات". والملفوظ الإنجازي هو ذلك الكلام الذي ينجز ما
يقوله في لحظة النطق به، مثل: "أُعلنكما زوجاً وزوجة"، أو
"أعدك"، أو "أغفر لك".
وإنجازية
هذه الملفوظات لا تنفصل عن شخص المتكلم. فجملة "أُعلنكما زوجاً وزوجة"
لا تُنتج أثرها إلا إذا نطق بها من هو مُخوَّل بذلك كرئيس البلدية. وإذا نطق بها
شخص عادي فإنها لا قيمة لها. وهذا يُثبت أن الملفوظات ليست موضوعات مستقلة ذات
معنى في ذاتها، بل معناها مرتبط بمنتجها وبمتلقيها وبسياقها.
وبالتالي،
لكي يكون الملفوظ الإنجازي فعّالاً، يجب:
1. أن يكون المُتكلم مُفوَّضاً بالنطق به.
2. أن يكون المتلقون معنيين به.
3. أن يُنطق في السياق والمكان الملائمَين.
v من أين تأتي سلطة الخطاب؟
لإيضاح
هذا المفهوم، يمكن الاستناد إلى فيلم "Whiplash" الذي يصوّر أستاذ الموسيقى فليتشر
المتسلّط الذي يطغى على طلابه في قاعة الدرس، غير أنه في مشهد لقائه بطالبه أندرو
في حانة، يتحول الأمر كلياً: يختفي أسلوب الهيمنة ويتحدثان على قدم المساواة.
والسبب؟ لأن السياق الذي كان يمنح فليتشر سلطته قد غاب.
يقول
بورديو:
سلطة الخطاب تنبع من سلطة الوضعية التي يُنتَج فيها، وتلك
الوضعية تتشكّل من: المتكلم، والمتلقي، والسياق.
المتكلم
ولقبه
السلطة تأتي أولاً من اللقب. فالأستاذ يحظى بالاحترام والطاعة لأنه يُجسّد المعرفة، وهو الممثل لها. وهذا يجعل المدرسة في نظر بورديو مكاناً امتيازياً لممارسة الهيمنة الرمزية؛ لأنها المكان الذي يتعلّم فيه المرء ليس فقط الخضوع للسلطة، بل استبطان هذا الخضوع والإقرار بشرعيته. إذن: قوة الكلمات لا تكمن في الكلمات، بل في قوة من ينطق بها إذن : سلطة الخطاب هي سلطة المتحدث باسم المؤسسة.
السلطة العليا والتفويض:
ولكن
من أين تأتي سلطة المتكلم؟ الجواب بسيط: السلطة تُمنح من سلطة أعلى منها. سلطة
الأستاذ مستمدة من سلطة المؤسسة التربوية، وسلطة الضابط من المؤسسة العسكرية،
وسلطة الطبيب من المؤسسة الصحية. كل فرد يُجسّد السلطة إنما يستمدها من سلطة
عليا.
يُسمّي
بورديو هذا الأمر التفويض (Habilitation): أن تُمنح شرعية التعبير والتمثيل من
قِبَل مؤسسة رفيعة المقام لا يُشكَّك في أحقيتها. حين تزور طبيباً، لا تذهب إلى
شخص سلطته مبنية على كفاءته، بل إلى شخص فوّضته المؤسسة حق ممارسة الطب.
الاعتراف: شرط السلطة
لا
تستطيع أي سلطة أن تُمارَس إلا بقدر ما تُعترف بها سلطةً. فالسلطة الذاتية التي
يمنحها المرء لنفسه لا تحمل الثقل ذاته. خاصية السلطة الفعّالة أنها تأتي من
الخارج، من مؤسسة سابقة وراسخة لا يُعاد النظر فيها. مثال على ذلك: سلطة
الدولة التي صارت بمثابة الإله في العالم الدنيوي على حد تعبير بعض المنظّرين.
الدولة ليست أبدية كالإله، لكنها سرمدية لا تعرف نهاية.
ولهذا
السبب تتسم المؤسسات الرسمية بالتشريفات والرموز والطقوس. القصور الحكومية ذات
السقوف المرتفعة، والاحتفالات الرسمية، والأزياء المميزة، كلها وسائل لـخلق
الإحساس بالشرعية، لأن سلطة الخطاب مرتبطة بما يحيط به من ديكور رمزي. لو ألقى
رئيس الجمهورية خطابه من الشاطئ أو من غرفة نومه لما كان للكلمات الأثر ذاته.
المنظومة الطقوسية
يُسمّي
بورديو هذا الإطار الرمزي المنظومة الطقوسية، وهي ما يجعل الخطاب الرسمي
فعّالاً. فالخطاب يكون مؤثراً بقدر استناده إلى شرعية مُدرَكة لمؤسسة ما.
ومن هنا يفهم الماسونيون ذلك جيداً: كل شيء مُقنَّن في الماسونية، والرمزية تحتل
حيزاً بالغ الأهمية. الأردية والمسيرات والاحتفالات قد تبدو سخيفة من الخارج،
لكنها تُرهب وتُبهر من يعيشها من الداخل.
ويضرب
بورديو مثالاً على ذلك بأزمة الكنيسة: أزمة سلطتها هي قبل كل شيء أزمة منظومتها
الطقوسية. كنيسة تتخلى عن طقوسها وليتورجيتها هي كنيسة تتآكل سلطتها. الإيمان
يحتاج إلى انتظام طقوسي؛ الممارسات والرموز والمعاني
الموحّدة التي تخلق شعوراً بالتماسك، ومن ثَمّ بالشرعية.
نحن من يمنح السلطة لمن يهيمن علينا
ثمة
بُعد مركزي في تحليل بورديو: في نهاية المطاف، السلطة التي ندرك على أساسها
مشروعية خطاب ما هي السلطة التي نمنحها نحن أنفسنا لذلك الخطاب. نُصغي لرئيس الجمهورية ونمنح كلامه وزناً لأنه رئيس. لكننا ننسى أن
الرئيس لم يصبح رئيساً إلا لأننا انتخبناه. أن نعترف بسلطة الرئيس يعني أن نعترف بسلطتنا
نحن في شخصه. باختصار: نحن من يمنح السلطة، ثم نخضع لهذه السلطة، أي نخضع لسلطتنا
الخاصة. نحن نتواطأ فاعلين على هيمنتنا الخاصة.
البلاغة: مظهر السلطة لا منشؤها
في
الختام، يتناول بورديو الخطابة والبلاغة. فهو يرى أن
فصاحة الكلام ليست هي ما يمنح الخطاب قوته؛ البلاغة مجرد تجلٍّ ومؤشّر على
قوة يمتلكها المتكلم قبل أن ينطق. والدليل على ذلك أن أصحاب النفوذ والتأثير
كثيراً ما يتكلمون بأناقة وبيان، لكن بيانهم ليس سبباً لنفوذهم، بل نفوذهم هو ما
يمنحهم هذا البيان. الفصاحة سمة من سمات القوة، لا العكس.
في
الأوساط الميسورة يمكن تعلّم الفصاحة لأن الوسائل متاحة. وقبل الفصاحة، ثمة الشروط
الاجتماعية لها، وهي ليست في متناول الجميع. مستوى اللغة لدى الفرد مؤشر على
موقعه الاجتماعي، لأنه انعكاس لتعليمه وللثقافة التي ترعرع في ظلها.
الخطاب الذي لا يحتاج إلى أن يُفهَم
يؤكد
بورديو أن الخطاب ذا السلطة لا يحتاج إلى أن يُفهَم لكي يكون فعّالاً. بل
يمكن القول: كلما قلّ فهمه، زادت فرصه في أن يُعدّ متعالياً وعميقاً.
فالمنطق لدى المتلقي يصبح: "إن لم أفهم شيئاً مما يُقال، فهذا لأنه بلغ من
الذكاء حداً يفوق استيعابي".
وهكذا
تصبح الهيمنة غير مُعلنة: إشعار المُهيمَن عليهم بهيمنتهم عبر لغة لا
يفهمونها، أو كلمات أكاديمية، أو جمل معقّدة، أو التنبيه على أخطائهم الإملائية،
هو أسلوب لممارسة الهيمنة دون إظهارها. إنها طريقة للقول للمُهيمَن عليه: "أنت
تشعر بأنك المغلوب لأن ما أقوله يتجاوز استيعابك، لأن رأس المال الثقافي الذي يسمح
بفهم كلامي لا يمتلكه إلا أنا".
الخلاصة: اللغة سلطة خلق الواقع
الصراع
الطبقي، يقول بورديو، هو أيضاً صراع التصنيفات،
أي صراع تسمية الواقع. فمن يفرض طريقته في تسمية الواقع يُشكّل العالم الذهني
للأفراد الذين يسعى إلى هيمنتهم، إذ نحن نفكّر بالكلمات. فإذا أفلحت في فرض كلماتي
وشعاراتي ومفاهيمي، أفلحت في فرض رؤيتي للعالم. ولن أحتاج حينئذٍ إلى إكراه أحد،
ولا حتى إلى إقناعه؛ سيفكّر باستقلالية داخل الإطار الذي نحتُّه أنا له، دون أن
يُدرك أن هذا الإطار المفاهيمي لا ينبع منه وأنه صُمّم لإبقائه في موقع المهيمَن
عليهم.
إن
كانت اللغة قوة، فلأنها تتيح التأثير دون فعل، والتلاعب دون يدين، وهو
بالضبط تعريف السحر. واللغة قوة لأنه لا قوة أعظم من قوة خلق الواقع بالكلمة.
