قراءة في دليل الحياة المدرسية 2019: مجالات الحياة المدرسية
تُعدّ
الحياة المدرسية فضاءً تربوياً شاملاً يتجاوز حدود التعليم المعرفي المجرد، ليشمل
أبعاداً إنسانية وقيمية ومدنية وبيئية وصحية متكاملة. وقد رصد دليل الحياة
المدرسية الصادر عام 2019 هذه الأبعاد في أربع مجالات كبرى، يُشكّل كلٌّ منها
ركيزةً في بناء شخصية المتعلم وتأهيله للاندماج الفعّال في مجتمعه. وفيما يلي عرض
مفصّل لهذه المجالات.
أولاً:
المواطنة
تحتلّ
التربية على المواطنة مكانةً محورية في الحياة المدرسية، إذ تُعدّ متطلباً أساسياً
للنشئة التربوية والاجتماعية، وضرورةً لتطوير الكفايات المستهدفة في الأنشطة
الفصلية بغية الرفع من مستوى التحصيل. وتتجلّى أهمية هذا المجال في سعيه إلى جعل
المدرسة مفعمةً بالحياة عبر تعزيز البعد الحقوقي من خلال مختلف مكوّنات الحياة
المدرسية.
ويرتكز
هذا المجال على أربع مكوّنات رئيسية: التربية على القيم، ومقاربة الحق والواجب،
والإنصاف والمساواة، والمشاركة التلاميذية. ويستهدف بصفة عامة التشبع بمبادئ
المواطنة وقيمها، وإنماء مواقف إيجابية تجاه الذات والآخرين، والوعيَ بالحقوق
الأساسية للإنسان والمواطنين وواجباتهم. أما على صعيد الأهداف الخاصة، فيسعى
المجال إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان والنهوض بها فكراً وممارسةً، وممارسة التفكير
النقدي، والاعتماد على الوساطة وحل النزاعات بطرق سلمية، وحفز المتعلمين على
الإسهام في بلورة المعاني السامية للمسؤولية والانضباط وروح التعاون والتضامن.
-1التربية على القيم :
يُعتبر
مجال التربية على القيم من صميم رسالة المؤسسات التعليمية، ومن أبرز المحاور المرتبطة بهذا
المجال: التربية على القيم الإسلامية والإنسانية ومبادئها الكونية، والتربية على
حقوق الإنسان والنهوض بثقافتها، والتربية على المواطنة والديمقراطية، وتكوين شخصية
مستقلة ومتزنة تتخذ المواقف المناسبة حسب الوضعيات المختلفة، ومناهضة العنف،
والاعتناء بالجماعات والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وترسيخ ثقافة الاشتغال
بالتعاقد بين كل المتدخلين، وإرساء ثقافة التقويم والمحاسبة والشفافية.
ولجعل
التربية على القيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة فضائلَ للسلوك المدني، يتم تصريف
مضامينها عبر أربعة مستويات: مستوى النهج التربوي، ومستوى البنيات التربوية
والآليات المؤسساتية، ومستوى الفاعلين التربويين، ومستوى علاقة المؤسسة التربوية
بالمحيط.
2-الواجب والالتزام:
تتطلب
الحياة المدرسية، باعتبارها حياةً جماعية مقتسمة بين المتدخلين، نظاماً والانضباطَ
وفق قوانين جماعية تقوم على ثقافة الحقوق والواجبات والمسؤوليات، في إطار تعاقدي
واضح.
وتشمل
واجبات المتعلم الاجتهادَ والتحصيل الفردي والجماعي على أحسن وجه، وإنجاز
التقويمات النهائية والمستمرة بانضباط ونزاهة، والمواظبة والانضباط لمواقيت
الدراسة وقواعدها، وإحضار الكتب والأدوات واللوازم المدرسية، والمساهمة الفاعلة في
التنشيط الفردي والجماعي للمؤسسة وإشعاعها الثقافي والتعليمي. في المقابل، تمتد حقوق
المتعلم لتشمل الحقَّ في التعلم واكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهله
للاندماج في المجتمع، والتمكين من إبراز التميز دون أن يؤدي ذلك إلى إقصاء
الآخرين، والتمتع بالحقوق المصرح بها للطفل والإنسان والمرأة وفق ما تنص عليه
المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية المصادق عليها، والتمتع بالمساواة وتكافؤ
الفرص ذكراً كان أو أنثى.
3-المساواة والإنصاف:
يُبنى
هذا المكوّن على مجموعة من الأنشطة والتدخلات المتمحورة حول المتعلم والمرتبطة
بالمؤسسة كفضاء للتمتع بحقوقه الأساسية كإنسان ومتعلم صاحب حق، في إطار المساواة
بين الجنسين وتكافؤ الفرص. وتعني المساواة بين الجنسين أن الذكر والأنثى يتمتعان
بنفس الإطار أو المرتبة أو المستوى في المجتمع، غير أنها لا تعني التشابه بالمعنى
الحرفي، وإنما تكون لهما نفس القيمة وينعكس ذلك في تمتع النساء والرجال بنفس
الظروف والشروط لممارسة حقوقهم، والمساهمة بشكل متساوٍ في التنمية الوطنية
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستفادة منها بشكل متساوٍ كذلك. أما الإنصاف
وتكافؤ الفرص فهو مفهوم يمكن اعتباره كمجموعة من الإجراءات التي تساعد على تصحيح
أوضاع التمييز واللامساواة.
4-المشاركة التلاميذية:
تُعتبر
المشاركة التلاميذية في الحياة المدرسية حقاً من حقوق المتعلم والمتعلمة، فهي تضمن
لهم القدرةَ على التعبير عن آرائهم واحتياجاتهم، وتنمّي إحساسهم بالانتماء
لمؤسساتهم التعليمية وتُرسّخ لديهم الوعي بواجباتهم وحقوقهم ومشاركتهم في الارتقاء
بجودة تدبير شؤونها التنظيمية والتربوية. وتظهر هذه المشاركة في عدة مجالات من
أبرزها: إعداد النظام الداخلي للقسم، وانتخاب مجلس التلاميذ، واختيار مناديب
الأقسام، وبناء المشروع الشخصي للتلميذ، والمساهمة في مشروع القسم والمؤسسة،
والتمثيلية والمساهمة في أشغال مجالس المؤسسة والمجلس الجماعي وبرلمان الطفل
والملتقيات والمهرجانات التلاميذية.
ثانياً: البيئة والتنمية المستدامة
التربية
البيئية عملية تربوية تهدف إلى تعليم كيفية تدبير وتجويد العلاقة بين الإنسان
ومحيطه، وذلك عبر تنمية مهارات تمكّنه من المساهمة في تطوير ظروف هذه البيئة على
نحو أفضل والعمل على صيانتها والمحافظة عليها وتنمية مواردها المختلفة. وحسب
اليونسكو، فإن التربية البيئية هي "سيرورة دائمة يحصل خلالها الأشخاص
والمجموعات على الوعي ببيئتهم، ويكسبون المعارف والقيم والقدرات والتجارب وكذلك
الإرادة التي تسمح لهم بالفعل."
في حين
تُعتبر التنمية المستدامة، حسب اليونسكو أيضاً، تلك التنمية التي تلبي احتياجات
الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها. وتسعى
التربية من أجل التنمية المستدامة إلى إيجاد توازن بين الرخاء الإنساني والاقتصادي
والتقاليد الثقافية، واستدامة الموارد الطبيعية والبيئية من أجل حياة أفضل
للفرد والمجتمع في الحاضر وللأجيال القادمة.
وتحقيقاً
لأهداف التربية البيئية والتنمية المستدامة، جرى تصنيف المجالات التي تُعنى بتطوير
جودة الفضاء البيئي وحمايته وفق ثلاثة مجالات رئيسية:
1-مجال
البيئة المدرسية ويشمل التربية على اقتصاد الماء والطاقة والعناية بالمساحات
الخضراء والتربية على النظافة وتدبير النفايات؛
2-
ومجال البيئة المحلية ويشمل تدبير النفايات وترشيد استعمال الماء والتطهير ومحاربة
التلوث؛
3-ومجال
الوسط القروي ويشمل تدبير الماء والشروب والسقي والتطهير والتربية على تدبير
النفايات والأنشطة الفلاحية؛ فضلاً عن مجال الأوساط الطبيعية والقضايا البيئية
العالمية.
ومن
الجانب المؤسسي، تمّ توقيع اتفاقية شراكة إطار بين وزارة التربية الوطنية ومؤسسة
محمد السادس لحماية البيئة منذ سنة 2006، ويشمل ذلك ثلاثة برامج وطنية بارزة:
أولها برنامج "الصحفيون الشباب من أجل البيئة" المخصص لتلاميذ المستوى
الثانوي الإعدادي والتأهيلي، إذ يهدف إلى تحسيسهم بالإشكاليات البيئية المحلية عبر
ريبورتاجات كتابية أو مصورة؛ وثانيها برنامج "المدارس الإيكولوجية"
الذي يعتمد منهجية تشاركية يدمج فيها التعليم مع العمل لتحسين البيئة المدرسية
بالحصول على وعي حقيقي وتغيرات سلوكية عند المتعلمين والمتعلمات وكل العاملين في
المدرسة؛ وثالثها برنامج "التعويض الطوعي للكربون" الذي يسمح لأي شخص
مادي أو معنوي، على أساس طوعي، بخفض وتعويض جزئياً أو كلياً انبعاثات CO2،
من خلال تمويل مشاريع محددة للحد من هذه الانبعاثات.
ثالثاً: الصحة المدرسية
يُعتبر
توفير الظروف الصحية والاجتماعية والنفسية الملائمة من بين المحددات الرئيسية
لتحسين مردودية المتعلم. وتسعى الأنشطة الصحية إلى ضمان صحة جسمية ونفسية وعقلية
للمتعلمين والمتعلمات، من خلال تتبع صحة المتعلمين وتربيتهم، وتقديم خدمات صحية
لهم داخل المؤسسة أو في مرافق صحية خارجية، بالإضافة إلى إنجاز برامج تربوية تهدف
إلى تنمية وعيهم بأهمية الصحة وسبل المحافظة عليها والوقاية من الأمراض والآفات.
وتتوزع
أهداف التربية الصحية على ثلاثة محاور كبرى: تمكين المتعلمين من اكتساب ثقافة صحية
وتنمية مهاراتهم الحياتية المتعلقة بالصحة؛ وإشراكهم في نشر مبادئ التربية الصحية
داخل المؤسسة والأسرة والمجتمع؛ وتعزيز حمايتهم من مختلف الآفات والاختلالات التي
تؤدي إلى فقدان صحتهم. وتشمل مجالات الأنشطة الصحية التدخلاتِ الطبية من تعبئة
الملف الصحي وإجراء فحوصات طبية منتظمة وحملات التلقيح؛ والتربية الطبية من
الوقاية من الأمراض المنقولة والتحسيس ضد الأمراض الناتجة عن اختلالات مختلفة؛
وأنماطَ الحياة السليمة من التربية على النظافة وتبني السلوكات الصحية السليمة في
مجال التغذية والصحة الإنجابية والوقاية من الحوادث؛ والمراقبةَ الصحية بالمؤسسات
التعليمية من مراقبة الوجبات الغذائية ومراقبة الحالة الصحية للمتعلمين الداخلين.
وفيما
يخص الصحة النفسية تحديداً، تتلو المدرسة المؤسسةَ الاجتماعية الأسرةَ مباشرةً في
أهميتها وتأثيرها على الصحة النفسية، فالمدرسة هي الوسط الذي ينمو فيه التلاميذ
اجتماعياً، وتظل ذات أثر تكويني هام في حياة المتعلمين. وعليه وجب على المربي أن
يهتم بالجانب النفسي للمتعلم منذ صغره بإعطائه فرصة تكوين شخصيته من خلال العلاقة
التي تربط بينهما، والتي ينبغي أن تكون على نمط معين يسمح للتلميذ بالتطور والتفتح.
رابعاً: الأمن الإنساني
يعتمد
مجال الأمن الإنساني على التربية على مبادئ الحماية والوقاية من المخاطر وأنشطة
الإسعافات الأولية وارتباطها بمكوّن التفتح العلمي والتمكن من اللغة العربية
والفرنسية والتربية البدنية. كما أن تعلم أبجديات الإسعاف ليس مجرد معرفة إضافية
بل ضرورة تمكّن من دعم المناهج والبرامج التعليمية.
ومن
المعلوم أن الكوارث الطبيعية والبيئية الخارجة عن إرادة الإنسان كالزلازل
والفيضانات والحرائق وانجراف الغابات وغيرها تتسبب في ارتفاع عدد الضحايا بين
السكان، وفي تشريد الملايين من الأشخاص والأمراض والأوبئة، وفي تعطيل ظروف الحياة
العادية من خلال إنتاج الفقر والبطالة والمجاعة. والملاحظ أن الأطفال هم الضحايا
الأكثر تضرراً من هذه الكوارث.
Ø المخطط الخاص بالحماية والوقاية من المخاطر PPMS: هو
وثيقة عملية يتم إعدادها من طرف المؤسسات التعليمية بشكل عام، وتلك المعرضة
للمخاطر الكبرى كالفيضانات والزلازل والحرائق وانجراف التربة والعواصف بشكل خاص،
وتسمح لكل العاملين بالمؤسسات المعنية والتلاميذ على حدٍّ سواء بإدارة الأزمة
المرتبطة بالمخاطر الكبرى داخل وخارج فضاء المؤسسات التعليمية. ويتسم هذا المخطط
بطابعه الدينامي، إذ يهيأ من قبل جميع العاملين والعاملات بالمؤسسة ومشاركة
التلميذات والتلاميذ تحت إمرة المدير وبتشاور وتنسيق مع كل الأطراف المتدخلة.
Ø التربية على الطوارئ: يستلزم اكتساب الكفايات في مجال الحماية والوقاية من المخاطر إرساءَ
التعلمات وتقويتها من خلال أنشطة الحياة المدرسية، مع مراعاة المرحلة العمرية
ومحاور التعلم عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى من 6 إلى 10 سنوات، والمرحلة
الثانية من 11 إلى 15 سنة، والمرحلة الثالثة من 16 إلى 18 سنة فما فوق. وتشمل
المهارات المستهدفة في كل مرحلة أربعة محاور متكاملة: الوقاية، والحماية، والإنذار
والتأهب، والتدخل. ولتقوية جانب الأمن الإنساني بالمؤسسات التعليمية، وجب العمل
على التأكد من مدى صلاحية البنايات المدرسية والمعمار التربوي، والتربية على حسن
التموقع في الأماكن في حالة خطر، والوعي بأهمية السلامة الطرقية، وتحذير المتعلمين
من حيازة الأدوات والوسائل والأسلحة المحظورة التي تشكل خطراً عليهم، وخلق نوادي
لمحاربة العنف ونشر ثقافة التسامح.
خاتمة:
تُجسّد
هذه المجالات الأربعة معاً رؤيةً متكاملة للحياة المدرسية تتجاوز التعليم المعرفي
إلى بناء إنسان واعٍ بحقوقه ومسؤولياته، منخرط في محيطه البيئي، محافظ على صحته
الجسدية والنفسية، قادر على التعامل مع المخاطر والطوارئ. وهي رؤية تتقاطع في
جوهرها مع مرتكزات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي تجعل من المدرسة المغربية
فضاءً للتكوين الشامل وليس مجرد وعاء لنقل المعرفة.
