الطموح: مفتاح بناء الأفراد والأوطان
الطموح
كلمة نسمعها كل يوم، نصف بها الأشخاص والمؤسسات والدول، غير أننا نادراً ما نقف
عند معناها الحقيقي لنفهم ما الذي تعنيه فعلاً، وما الذي يجعل إنساناً طموحاً يصل
بينما يتعثر آخر رغم أنه يحمل الرغبة ذاتها. انطلاقاً من هذا التساؤل، سوف نذهب في
رحلة فكرية متأنية في أعماق هذا المفهوم، من جذوره اللغوية إلى تجلياته الفردية
والجماعية، ومن عوامل نجاحه إلى الأسباب التي كثيراً ما تحول دون تحققه.
أولاً:
الطموح في اللغة والمعنى
كلمة "الطموح"
في اللغة العربية تعني الرغبة الشديدة في تحقيق هدف رفيع. وجوهر هذا المعنى
مرتبط بالارتفاع والعلو، لا بالمعنى الجغرافي أو المادي، بل بمعنى الانتقال من وضع
أدنى إلى وضع أرقى، ومن حال قائم إلى حال أفضل. ولهذا لا يُقال عن إنسان إنه طموح
إلا حين يسعى إلى معالي الأمور لا إلى سفاسفها، وحين يرفع من شأن نفسه أو أسرته أو
مؤسسته أو وطنه. فالطموح في جوهره مفردة إيجابية لا تستقيم إلا مع الارتقاء
الحقيقي والسعي النبيل.
و الطموح
يستلزم دائماً أمرين متلازمين لا غنى عنهما: البصر
والبصيرة.
فالبصر هو تلك القدرة على رؤية الفوارق والمقارنة والتساؤل، أما
البصيرة فهي الحكمة التي تحوّل هذه المقارنة إلى مشروع وإنجاز فعلي.
وكثيراً
ما يُنمّي السفرُ هذين الأمرين معاً، لأن الإنسان حين يرى كيف نظّمت الأمم مدنها
وصانت بيئاتها وطوّرت بنيتها التحتية، تتولّد فيه أسئلة حية ومُلحّة من قبيل:
كيف يمكننا فعل ذلك؟ لماذا تأخّرنا في هذا المجال؟ وكيف يمكنني المساهمة في
التغيير؟ وهكذا يتحوّل السفر من مجرد انتقال مكاني إلى محرّك حقيقي للطموح.
ثانياً:
تجليات الطموح في حياة الأفراد
الطموح
ليس حكراً على مجال دون آخر، بل هو حاضر في كل مسار إنساني حقيقي. فهذا صانع حرفي
كان يحلم بورشته الخاصة فعمل سنوات طويلة بصبر ومثابرة حتى حوّل حلمه إلى مصنع
حقيقي يشتغل فيه آخرون. وذاك باحث علمي لم يكتفِ بتراكم الشهادات والاحتفال بيوم
مناقشة الأطروحة، بل انكبّ على بحثه في اليوم التالي ساعياً إلى إنتاج معرفة تُجيب
عن إشكاليات حقيقية، حتى نال جوائز عالمية مرموقة. وهذه كلها تجليات متنوعة لحقيقة
واحدة: الطموح الصادق هو الذي يترك أثراً نافعاً يتجاوز صاحبه ليمسّ حياة
الآخرين.
كما أن
الطموح يسكن الإنسان منذ طفولته حين يُجيب عن سؤال "ماذا تريد أن تكون في
المستقبل؟" بصدق وبراءة، ثم يتطور هذا الطموح ويتشكّل كلما اتسع أفق
الإنسان واكتشف العالم من حوله. وحتى في الشيخوخة يبقى الطموح حياً في النفس،
لكنه يتحوّل نحو ترك الأثر الطيب والبصمة النبيلة في المجتمع.
ثالثاً:
الطموح على مستوى الأمم والاستقلالية
حين
ينتقل الحديث من مستوى الأفراد إلى مستوى الأمم، يمكن الحديث عن مفهوم الاستقلالية
بمعناه الشامل والمتجدد، فهو ليس مجرد وثيقة تاريخية تُقرأ في المحافل الدولية، بل
هو مسار يومي متجدد وديناميكي يشمل الاستقلال الاقتصادي والغذائي والمائي والعسكري
والمعلوماتي. وكل يوم إما أن تُحافظ عليه أو تسعى إلى توسيعه وتعميقه، وإما أن
تُفرّط فيه دون أن تشعر.
رابعاً:
الخصائص المميّزة للشخص الطموح
Ø العزيمة والإصرار: هما
القوة الداخلية التي تُبقي الإنسان سائراً حين تعترضه العقبات وتتراكم أمامه
العثرات. فلا طموح حقيقي بلا إصرار، كما أنه لا نور بلا زيت، إن "الفتيلة
موجودة لكن الزيت غائب" كناية عن من يمتلك الرغبة دون الإرادة.
Ø القدرة على مواجهة التحديات والتكيّف معها: فالأمم
التي خرجت من الحروب كألمانيا واليابان والصين، وقد كانت مدنها مدمّرة وبنيتها
التحتية مهشّمة، استطاعت النهوض لأنها امتلكت قيادة وشعباً يرفضان الاستسلام
ويُؤمنان بالطموح، وهذا لا يعني الاستهانة
بحجم التحديات، بل يعني الإيمان بأن التحدي مدخل للنهضة لا مسوّغ للتراجع.
Ø الإيمان بالذات والثقة بالقدرات: شرط لازم لكل طموح، فمن لا يُؤمن بنفسه لن
يُقنع أحداً بها، ومن يسكنه الخوف من الفشل قبل أن يبدأ فقد خسر المعركة قبل خوضها
وبهذا المعنى فإن الثقة بالنفس هي التي كثيراً ما فرّقت بين فريقين متكافئين
في الإمكانات، فانتصر أحدهما لأن ثقته كانت أعلى، وانهزم الآخر رغم تفوّقه التقني
والمادي.
خامسا: دور التعليم في صناعة الطموح
تلعب المنظومة
التعليمية دورا فعالا في تشكيل طموح الأجيال، لأن معركة الطموح تُدار في المقام الأول داخل
الفصول الدراسية قبل أن تُدار في ساحات الاقتصاد والسياسة. فحين تُنمّي
المدرسة في المتعلمين حب الإنجاز، والقدرة على التغلب على الصعاب،
واستخلاص الدروس من الأخطاء، والإيمان بأن الفشل ليس نهاية بل منطلق للتعلم، فإنها
تصنع جيلاً طموحاً قادراً على حمل مشروع المجتمع.
و في المقابل، حين تكتفي المنظومة التعليمية
بتلقين المعلومات دون أن تُعلّم التخطيط والمنهجية وبناء الأهداف وإدارة
المشاريع، فإنها تُنتج أفراداً يمتلكون الشهادات، لكنهم يعجزون عن تجسيد طموحاتهم
في الواقع.
والأخطر
من ذلك أن تتحوّل المدرسة إلى بيئة تُذكي الإحباط وتنخر في ثقة المتعلمين
بأنفسهم وبتاريخهم وبقدراتهم، فتُنتج أجيالاً تفتقر إلى الدافعية وتبحث عن
الربح السريع بدل السعي نحو الإنجاز الحقيقي.
سادساً:
العوائق التي تحول دون تحقيق الطموح
Ø غياب الخبرة والمهارة: كثير من الطموحات تبقى حبراً على ورق
لأن أصحابها لا يمتلكون الكفاءات العملية اللازمة لتجسيدها. فالشهادة وحدها لا
تكفي إن لم تُرافقها مهارات فعلية. على سبيل المثال مدير إداري رفيع اكتشف بعد
توليه منصبه أنه يفتقر إلى مهارات التواصل الأساسية، في حين أن التواصل
هو جوهر عمله اليومي. وهذا مؤشر على أن ثغرات التكوين المهني قد تُقوّض أعظم
الطموحات مهما كانت نبيلة.
Ø تبديد الوقت: الوقت ثروة نفيسة لا يُقدّر قيمتها حق قدرها إلا
من خسرها. والأمم المتقدمة تُنظّم وقتها بدقة متناهية، بينما لا تزال بعض أنظمتنا
الإدارية تُبدّد وقت المواطنين في طوابير لا تنتهي وإجراءات بيروقراطية مُعقّدة
تُضيّع الجهد وتُحبط المبادرة. و هذا
النوع من الإدارة يُشكّل عائقاً حقيقياً أمام طموح المستثمرين والمبادرين،
إذ يتراجع كثيرون عن مشاريعهم بسبب ما يُصادفونه من ثقل إداري وعجز في إدارة
الوقت.
Ø التأجيل المتكرر والتسويف تراكم
المهام بسبب عادة التأجيل يُحوّل الهدف إلى عبء ثقيل، وكثيراً ما يُفضي إلى التخلي
عنه كلياً. والطموح الصادق يأبى الانتظار ويُلزم صاحبه بالبدء والسير خطوة خطوة،
مع التنبّه إلى أن التأجيل لا يكون مذموماً إلا حين يكون نابعاً من الفتور والكسل،
لا من أسباب موضوعية حقيقية.
Ø الطموح غير الواقعي: حين يكون الهدف
كبيراً جداً دون أن يُصحَب بخطوات مرحلية قابلة للتنفيذ، يتحوّل الطموح من محرك
إلى وهم مُحبِط. لهذا يجب الاستئناس بسِيَر العظماء لا من زاوية مكانتهم التي
وصلوا إليها، بل من زاوية البدايات المتواضعة التي انطلقوا منها، لأن في تلك
البدايات رسائل عميقة عن الواقعية والتدرّج والصبر.
Ø البيئة السلبية: حين تكون الأسرة أو المؤسسة
التعليمية أو بيئة العمل مليئة بخطاب الإحباط والاستهزاء بأحلام الناس، ينكمش
الطموح وينسحب. والمجتمع الذي يُعاقب من يُعلن عن طموحه بدل أن يحتضنه لا يُنتج
إلا الرداءة والاستسلام.
Ø التهرّب من المسؤولية: الإنسان الذي يُلقي دائماً بأسباب
فشله على الآخرين ويبحث عن مبررات خارجية لتعثّره لن يتقدم خطوة. في المقابل، من
يجلس مع نفسه بصدق ويعترف بأخطائه ويستخلص منها دروساً ويُبادر إلى الاعتذار حين
يُقصّر، فذاك هو الذي يمتلك المفتاح الحقيقي للنمو والتطور، لأن تحمّل
المسؤولية شرف قبل أن يكون عبئاً، وأنه تكليف قبل أن يكون تشريفاً.
سابعاً: البيئة الحاضنة للطموح — ثلاث مؤسسات لا
غنى عنها
الطموح
لا يتحقق في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تتشكّل من ثلاث مؤسسات متكاملة
ومتداخلة:
Ø الأسرة: هي
الخلية الأولى التي تُنمّي الثقة بالنفس وتزرع حب الإنجاز وتُشجّع الطفل على
التعبير عن أحلامه دون خوف من السخرية أو الرفض.
Ø المدرسة: هي المؤسسة التي يجب أن تُحوّل الطموح من مشاعر
داخلية إلى مسار منهجي واضح يُعلّم التخطيط وبناء الأهداف وإدارة الإخفاقات
بإيجابية.
Ø بيئة العمل والمجتمع المهني : هي
الفضاء الذي يجب أن يحتضن المبادرة ويُكافئ الكفاءة والإبداع لا الولاء والتملق،
وأن يُرسل رسائل إيجابية لمن يُريد أن يبني ويُنجز. وحين تغيب واحدة من هذه
المؤسسات أو تنقلب وظيفتها لتُصبح عائقاً بدل أن تكون رافداً، فإن الطموح إما
يُجهض في مهده وإما يبحث عن وطن آخر يُعبّر عنه فيه.
