إن أهمية النظرية الفرويدية ليست علمية، بل فلسفية بالأحرى، أي أنها تسمح بتقديم عناصر إيضاح وفهم لطبيعة العقل البشري، ولطبيعة النفس البشرية، وحقيقة أن العقل البشري غامض إلى حد كبير وغير قابل للإدراك، إن لم نقل إنه يفلت منا. حيث يمكننا القول إن الثورة الفرويدية جاءت خلافاً لما كنا نعتقد، فإن الإنسان لا يعرف نفسه، خلافاً لحدسنا وانطباعنا المباشر، نحن لا نعرف ما يحدث في عقولنا، ولا نعرف ما يحدث داخلنا، أي تحت مستوى الوعي، تحت ما يظهر وما يتجلى صراحة لوعينا.
مفهوم اللاوعي: المفتاح الأساسي:
إذا أردنا فهم مبادئ وأهداف التحليل النفسي، يجب علينا فوراً إدخال المفهوم الأساسي للتحليل النفسي وهو مفهوم اللاوعي، حيث لا يوجد تحليل نفسي بدون مفهوم اللاوعي، الذي سيشكل ثورة معرفية حقيقية في النظرية وفهم النفس البشرية. فحينما نقول كملة الذات، وهي تعني في اليونانية الروح، لكن منذ القرن التاسع عشر تُترجم إلى العقل أو الروح، إذن التحليل النفسي، جاء لفهم الروح الإنسانية بمعنى النفس ويفترض التحليل النفسي أن الجزء الأكبر من العقل البشري مجهول بالنسبة لنا، بل غير قابل للوصول إليه، وهذا الجزء غير القابل للوصول من النفس البشرية يسميه فرويد اللاوعي.
إذا فما هو ما هو اللاوعي؟
- لكي نجيب على هذا السؤال، يجب أولاً أن نقول ما ليس هو اللاوعي.
فاللاوعي ليس فقدان الوعي، أي عكس الوعي. فمثلاً عندما يفقد شخص
ما وعيه، نقول إنه فاقد للوعي. فاقد الوعي يعني الذي لم يعد لديه اتصال
حسي بالعالم، أي عندما نكون غير قادرين على الإحساس بالعالم الخارجي عن طريق
الحواس.
هل هذا هو اللاوعي الفرويدي؟ عند فرويد الإجابة هي النفي إطلاقا لأنه شيء
أعمق وأقوى بكثير في الواقع.
اللاوعي الفرويدي لا يتوافق مع
ما نسميه عادة الأفعال التلقائية، أي الحركات الآلية التي لا نتذكر فيها ما فعلناه
أو ما نفعله.
فعندما تقود سيارتك في طريق ما، أو تصعد السلالم، أو تذهب لتأخذ شيئاً من الثلاجة،
وبعد دقائق لا تتذكر ما فعلته، لا تتذكر الأماكن التي مررت بها بالسيارة أو
السلالم التي صعدتها، فهذا لا يعني أن ما فعلته هو لاواعٍ بالمعنى الفرويدي.
نحن هنا في حالة الفعل التلقائي، في حالة غياب الانتباه ببساطة، غياب
الانتباه لما نفعله لأنه أصبح جزء من البرمجة التلقائية على مستوى الذهن والعقل.
v
تعريف اللاوعي الفرويدي
بعد أن حددنا ما ليس وعيا، يمكن أن نفتح الغطاء و نحاول الدخول إلى منطقة اللاوعي، باعتبارها، منطقة من النفس لا تظهر مباشرة للوعي، أي لا تتجلى لنا، تفلت منا، لكنها تعمل فينا بقوة استثنائية، لأنها تتجلى في سلوكياتنا، في أفكارنا، في رغباتنا. ولو أردنا تحديد تأثير اللاوعي على حياتنا النفسية، يمكننا القول إن 90% من حياتنا النفسية تُحكم، وفقاً لفرويد، بلاوعينا. و في هذا السياق يقول فرويد "الأنا ليس سيداً في بيته"، هذا الكلام يعني أن الوعي ليس السلطة الحاكمة لعقلنا، لأن الجزء الأكبر من حياتنا النفسية محكوم ومحدد بلاوعينا.
v
استعارة جبل الجليد
يمكننا هنا تمثيل الصورة المعتادة لجبل الجليد، حيث يمثل الجزء البارز الوعي ويمثل الجزء المغمور اللاوعي. وهذه صورة مثيرة للاهتمام لأنها تسمح بفهم الاستمرارية بين اللاوعي والوعي. إنها فكرة أنه لا يوجد انفصال مطلق وأن الوعي يعتمد على اللاوعي. الوعي محدد بالكامل باللاوعي. إذا الحياة النفسية وعالمها وخصائصها ومحدداتها.
اللاوعي عبر التاريخ الفلسفي:
عند أفلاطون
في العصور القديمة، طور أفلاطون نظرية
عن الروح، خريطة للروح، أي ما نسميه اليوم العقل. ويتبين أنه بالنسبة لأفلاطون،
هناك في الروح البشرية شيء يتعلق بما نسميه اليوم اللاوعي. فبالفعل، بالنسبة
لأفلاطون، كل إنسان يمتلك في داخله المعرفة، كل إنسان يمتلك في داخله العلم، لكن
هذه المعرفة ليست واعية له، هذه المعرفة ليست معطاة له صراحة.
إذن بالنسبة لأفلاطون، يمتلك
الإنسان معرفة لاواعية بمعنى معرفة غير متجلية، وعمل الفيلسوف يتمثل تحديداً
في إظهار المعرفة على المستوى الواعي. هذا ما يُسمى نظرية التذكر، والتي
تقول إن المعرفة موجودة فينا وأنه من خلال عمل التفكير، من خلال عمل مواجهة
الأفكار، يمكننا إظهار المعرفة على المستوى الواعي. هذا ما سماه سقراط التوليد،
أي فن توليد العقول.
واستعارة الولادة مثيرة للاهتمام لأنه
بالضبط عندما تلد امرأة، فإنها تلد كائناً موجوداً فيها، تلد كائناً موجوداً لكنه
ليس هناك أمامها بعد، لم يتم إخراجه بعد. يجب إذن على المعرفة اللاواعية أن
تتجلى خارجياً، وتتجلى من خلال عمل التفكير، من خلال عمل البحث الفلسفي، الجدلية
السقراطية التي تسمح بإخراج المعرفة ووضعها خارجنا.
إذن عند أفلاطون، لدينا حقاً شيء يمكن
أن يشبه شكلاً من أشكال اللاوعي، لكننا ما زلنا بعيدين جداً عن اللاوعي بالمعنى
الفرويدي. نحن بعيدون جداً عن هذه الفكرة التي دافع عنها فرويد وهي انه يوجد
في النفس سلطة نفسية تحكم حياة العقل بالكامل، وخاصة، كما سنرى لاحقاً، ليس
لدينا على الإطلاق هذه الفكرة عن اللاوعي كقوة ديناميكية ستعبر عن نفسها، ستُترجم
في ظهور أعراض معينة.
ديكارت
حتى مع ظهور الحداثة ثم تجاهل مفهوم
اللاوعي: لم يكن هناك مفهوم يجعلنا نفكر من قريب أو بعيد فيما يسميه فرويد
اللاوعي. لدرجة أنه في القرن السابع عشر مع ديكارت، كانت الحياة النفسية أو
الحياة الروحية تُختزل بالكامل في الوعي، تُختزل بالكامل في الفكر الظاهر، والفكر
الظاهر هو ذلك الذي يظهر للوعي، بينما اللاوعي عند فرويد لا يسمح للوعي برؤيته.
تتذكرون أنه بالنسبة لديكارت، ما
يُعرّف الإنسان هو قبل كل شيء تفكيره. يقول ديكارت "إن حواسنا ليست
موثوقة، حواسنا خادعة جداً، الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نكون متأكدين منه تماماً
هو حقيقة أننا نفكر. يمكنني أن أشك فيما أراه، يمكنني أن أشك فيما أسمعه، يمكنني
أن أشك فيما أشعر به، لكن لا يمكنني أن أشك في حقيقة أنني أفكر".
لا يمكنني أن أشك في حقيقة أن فكرة
تعبر عقلي، لا يمكنني الشك في ذلك. يمكن أن يكون لدي وهم الإحساس، وهم الإدراك، لكن
لا يمكن أن يكون لدي وهم الفكر، لأن الفكرة الوهمية تبقى فكرة. عندما
أحلم، ما أعيشه ليس حقيقياً، لكن حقيقة أنني أحلم هي حقيقة.
إذن بالنسبة لديكارت، هناك افتراض مسبق بأنه لا شيء موجود خارج الوعي. هناك فكرة أن الأنا هو الوعي، الإنسان يُعرّف بالفكر، والفكر ظاهرة واعية، إذن الإنسان يُعرّف بوعيه.
اللاوعي الفرويدي: و مفهوم الكبت
لكن مع بداية القرن التاسع عشر
مع فرويد أن سيكون لدينا نظرية عن اللاوعي، على المستوى النفسي، لأنه
بالنسبة لفرويد، اللاوعي هو منطقة من العقل، هو سلطة من الجهاز النفسي. ويقول لنا إن اللاوعي يتكون من
الأفكار والرغبات المكبوتة.
لهذا
نحتاج تحديد معنى الكبت ودلالته
ما هو الكبت بالمعنى الحرفي؟ إنه
الرفض، إنه النفي، إنه الطرد. اللاوعي إذن هو ما يتكون من كل ما نطرده، من كل ما
نرفضه خارج وعينا.
لهذا السبب، كما سنرى لاحقاً، ما يقع
في اللاوعي يُعتبر عموماً من قبل الإنسان شيئا مخزي، لا نتحمله، لا نريد الكشف عنه أو حتى لا نريد معرفته أحياناً. إذن اللاوعي هو ما
يعتبره وعينا أنه يجب ألا يُكشف، يجب ألا يُظهر، كما لو لم يكن له مكان في الحياة
الواعية.
إذن اللاوعي هو الشيء الذي يصعب أن
يكون له مكان في الحياة الواعية، ببساطة لأنه يتناقض مع ما تسمح به معايير ومبادئ
وقوانين مجتمعنا.
إذن ما يقع في اللاوعي هو
ما تم فرض الرقابة عليه، ما تم منعه، رفضه، وضعه في القائمة السوداء.
v
اللاوعي والحضارة:
إذن اللاشعور هو جزء من الجحيم لأن في
الديانة المسيحية، الجحيم هو الشر، إنه المكان الذي ينتهي فيه الذين عاشوا في
الخطيئة، الذين عاشوا في الرذيلة، الذين عاشوا في الجريمة، بعبارة أخرى، الذين
عاشوا في كل ما هو محظور من قبل الأخلاق.
لكن هذا بالضبط هو اللاوعي؟ اللاوعي هو جحيم عقلنا
وليس من قبيل الصدفة أنه في معظم الأساطير،
الجحيم عموماً يقع تحت الأرض، أي على المستوى الأدنى، والأدنى يرتبط رمزياً بما هو
غير لائق، بما هو وضيع، بما يجب إخفاؤه، بينما تتوافق السماء أو الجنة على
العكس مع النبل، العظمة، النقاء.
إذن اللاوعي هو ذلك الفضاء الموجود في
النفس الذي يحتوي على رغباتنا وأفكارنا المكبوتة، مكبوتة لأنها غير متوافقة مع
متطلبات الحياة الاجتماعية. لأنه في كل حياة اجتماعية هناك متطلبات، هناك ضرورات، هناك محظورات،
هناك أشياء لا تُفعل.
لهذا السبب لا يمكننا فهم طبيعة
اللاوعي إذا لم نفهم أن اللاوعي هو دائماً نتاج الحياة في الحضارة، لهذا يوجد لاوعي بدون حضارة، لأن
هناك تعايش اجتماعي بين أفراد يجب أن يكبتوا دوافعهم، يكبتوا رغباتهم لكي يتمكنوا
من التعايش.
إذن مبدأ التضحية بالنفس، وعدم التصرف في المجتمع كما سنتصرف لو كنا
وحدنا أو كما سنتصرف لو كنا نعيش في الغابة... هو المقدمة الأساسية لفهم اليات
الدفاع النفسي.... لأننا نحن مجبرون على وضع حدود لسلوكنا، وضع حواجز
لاستخداماتنا، لا يمكننا التصرف كما لو أن الآخر غير موجود.
v
الدوافع والحضارة:
لهذا السبب في كل مجتمع توجد قوانين،
توجد معايير، قواعد، بدونها سنعيش ببساطة كالحيوانات، بعبارة أخرى، بدونها
ستكون كل حياة اجتماعية مستحيلة. كما قال روسو، تقوم الحياة في المجتمع على
عقد، عقد اجتماعي يجعلنا نقبل مقايضة جزء من حريتنا مقابل أمننا.وإذا لم يتم احترام العقد الاجتماعي، ينهار
المجتمع ، ونعود إلى حالة الطبيعة محتملة حيث تسود حرب الجميع ضد الجميع عند هوبز.
لماذا لأن الإنسان أناني وعنيف بشكل أساسي.
نفس الأمر بنسبة لفرويد الإنسان محكوم
بجملة من الدوافع والمحددات التي توجه تصرفاته وأفعاله، الشيء الذي يجعله عنيفاً
وعدوانياً.
و هذا الدافع إذا لم يتم توجيهه يمكن أن يؤدي
إلى الوحشية، وبالتالي تدمير الحضارة الإنسانية، إذا لم نكبت دوافعنا البدائية،
إذا لم نكبت غرائزنا، لن نتمكن من العيش داخل المجتمع، لهذا نحن مجبرون إذن على
القيام بهذا التمرين، القيام بهذا التمرين في كبت وقمع غرائزنا الحيوانية، لا
يمكننا فعل غير ذلك.
تخيلوا ماذا سيحدث لو كنتم تسيرون في
الشارع وفي أي لحظة يمكن لشخص أن يقفز عليكم لإشباع حاجاته الجنسية أو لإشباع
دوافعه القاتلة. ....يتبين
إذن بالنسبة لفرويد حقاً أن ما يحركنا بعمق، هو الغريزة، هذا الدافع الذي يدفعنا
نحو التدمير.
v
الصراع النفسي والعصاب:
ولأن الإنسان محكوم بدوافع التدمير
والعدوانية تجاه أقرانه، يجب على المجتمع أن يضع قوانين، وهذه القوانين ستعمل
كنوع من الحاجز، الحواجز الجمركية، المرشحات لمنع الدافع من التجلي وتعريض الحياة
في المجتمع للخطر.
هنا ندرك فكرة كانط هو أنانية الإنسان
الفطرية قبل دخوله للمجتمع، في حين أن يصبح إيثاريا حينما يدخل لعالمه الإنساني
...لكن رغم ذلك يبقى الإنسان حيواناً، عبر الاحتفاظ بجزئه الغريزي، هذا الجزء
الوحشي....هنا يدخل الإنسان في صراع نفسيا سيؤدي إلى ما يسميه فرويد العصاب.
v لكن ما هو العصاب؟
العصاب هو ببساطة نتيجة صراع نفسي، صراع داخلي
بين عنصرين متناقضين، بين متطلبين غير متوافقين، بين على سبيل المثال الرغبة في
ممارسة الجنس والواجب في البقاء عذراء، بين الرغبة في قيادة فيراري والذهاب في
إجازة إلى سيشل والواجب في الاستيقاظ كل صباح الساعة السادسة للذهاب إلى العمل.
إذن العصاب: هو ما ينتج عن صراع بين الرغبة
والواجب، وبمجرد أن نفهم هذه الفكرة عن الصراع الداخلي بين الرغبة والواجب،
وهو صراع نجده أيضاً في المآسي اليونانية عند الأبطال المأساويين الذين يتمزقون
بين العقل والعاطفة.
v
المأساة كمرآة للصراع النفسي:
لأن المأساة هي توضيح وفي نفس الوقت
تطهير، أي وسيلة لإخراج هذا الصراع بين العقل والعاطفة، هذا الصراع بين الواجب
والرغبة.
البطل المأساوي هو ذلك الذي يمتلك فرط الرغبة
مما يجعله يتوقف عن طاعة العقل، يتوقف عن طاعة الواجبات، يتوقف عن طاعة القانون
بحرف كبير. ولأنه يعصي القانون سيُعاقب، سيُعاقب من قبل القدر، سيُعاقب
من قبل الآلهة، سيُعاقب من قبل الأشباح.
لذا لنقل بسرعة، وفقاً لفرويد، نحن
جميعاً عصابيون، جميعاً دون استثناء. الآن،
نحن جميعاً بدرجات متفاوتة لأننا متمزقون أكثر أو أقل برغباتنا، أو نحن تحت ضغط الواجب أكثر أو أقل. والأشخاص الذين يمنحهم وسطهم، بيئتهم، عائلتهم هامش مناورة أكبر أو أقل، يمنحهم مرونة أكبر أو أقل في إشباع رغباتهم.
v
الأدب والعصاب
إذا كان الأدب هو ذلك الجهد الإيثاري
الذي يسمح بالتعايش مع الآخر، إذا كان هذا الجهد الذي نبذله على أنفسنا لضمان شروط التعايش مع
الآخر، إنه جهد، إنه ضغط يُمارس على رغبتنا، على حيوانيتنا. الحيوان لا يحتاج إلى
أن يكون مؤدباً.... لأنه يعيش مستوى واحد هو البعد الغريزي، في حين أن الإنسان
يحتاج إلى التوزان بين البعد الثقافي والبعد الذاتي.
v الأنا الأعلى: القاضي الداخلي
هنا تبين أن هناك قوة فوق العقل نسميها
القانون أو القواعد التي ننشأ عليها تحدد من نكون وكيف نرى أنفسنا اجتماعيا، توجد
فيه كل المعايير والاتفاقات ، و كل القواعد التي نحن منغمسون فيها والتي تُنقل
إلينا من خلال التعليم.
إذن هذا القانون لا يُفرض علينا فقط من
قبل المجتمع، يُفرض من قبل بيئتنا الاجتماعية، بل ينتهي حتى بأن يُفرض علينا من
قبل أنفسنا، بعبارة
أخرى، نصبح نحن أنفسنا سلطة يحظر بها على أنفسنا أشياء معينة ونسمح لأنفسنا بأشياء
معينة.
هنا تنشأ منطقة في العقل نسميها، الأنا
الأعلى: باعتباره ذلك الشرطي الصغير الداخلي الذي يراقبنا ويمنعنا من اتباع
دوافعنا بشكل أعمى....إنه الملاك الصغير الموضوع على الكتف
الذي يقول لنا: لا، لا يجب أن تفعل ذلك، هذا يحق لك، هذا لا يحق لك، هذا جيد
لكن هذا سيء. هذا هو الأنا الأعلى.
يمكن أن يأخذ صورة الشرطي ويمكنني أن آخذ صورة القاضي، لأن القاضي هو الذي يعاقب، هو الذي يمثل سلطة القانون والذي حكمه نهائي، وإذن لدينا جميعاً قاضينا الصغير الداخلي الذي هو الأنا الأعلى.
وظائف الأنا الأعلى: ما هو دوره داخل
الجهاز النفسي؟
الأنا الأعلى هو ما سيعطيك إطار
انضباط، انضباط ذاتي، انضباط ذاتي يمكن أن يكون أحياناً ضرورياً ومفيداً لك، لكنه
أيضاً ما سينتج فيك الشعور بالذنب، الشعور بالذنب لأنك تصرفت بشكل سيء،
الشعور بالذنب لأنك فعلت شيئاً ما كان يجب عليك فعله وفقاً للمعايير التي تُفرض
عليك.
الأنا الأعلى هو ما سينتج فيك الخجل،
هذا هو الأنا الأعلى. الأنا الأعلى هو عين الضمير، أي عين الشعور بالذنب، عين
استيعاب المعايير.
v
استيعاب القانون:
الأنا الأعلى هو ما ينتج عن استيعاب
القانون، ولهذا السبب الأنا الأعلى ليس متطوراً عند الطفل كما هو عند البالغ على سبيل
المثال، لأنها عملية ديناميكية، عملية استيعاب القانون. واستيعاب
القانون يعني أن ما يُفرض علينا في البداية من الخارج من قبل المجتمع، من قبل
والدينا، من قبل معلمينا، من قبل إخوتنا وأخواتنا، ينتهي بأن يُدمج فينا لدرجة
أننا لم نعد نشكك فيه. لكن مرحلة استيعاب القانون هو قبول القانون
كجزء منا.
v
الضغط الداخلي والعصاب:
الفكرة القائلة بأننا مضطهدون بقواعد
ومعايير تمنعنا من تحرير أنفسنا، تمنعنا من الازدهار، ليس هكذا يعمل الأمر، ليس
هكذا يعمل. لا أحد يمنعك من فعل ما تريد في الغالبية العظمى من الحالات، إنك
أنت نفسك، من يصنع حواز وتقف وتقول لا لفعل هذا الشيء أو نعم لفعل هذا الشيء، -تقول ...إنها فكرة سيئة، لا يجب علي، إنه خطر، إنه
خطير- نحن من نقول ذلك لأنفسنا.
وهذا ما أردك فرويد عمقه فينا، حيث من السذاجة ربط الضغط الاجتماعي بما هو خارجي، إنما هناك عوامل أخرى تترك أثر في نفوسنا، لأنه منذ الطفولة نستوعب قوانين المجتمع، وأحياناً حتى نزيد عليها، وننتهي بأن نصبح شرطينا الخاص، قاضينا الخاص، مراقبنا الخاص.
وهذا هو ما يخلق العصاب: إنها هذه الاستحالة في إشباع جانب الغريزي فينا تخلق العصاب، وهذا في الواقع ما يفسر إلى حد كبير أنه يمكننا رؤية أشخاص، كما نقول بشكل عامي، سينفجرون. انفجروا لأنهم يتحملون منذ وقت طويل جداً ضغطاً فرضوه على أنفسهم، والذي في رأيي ينفجر دائماً.
الخلاصة:
إن نظرية فرويد حول اللاوعي تقدم لنا
رؤية ثورية لفهم النفس البشرية. فاللاوعي ليس مجرد غياب للوعي، بل هو قوة
ديناميكية تحكم معظم حياتنا النفسية. إنه مستودع للرغبات والأفكار المكبوتة التي
لا تتوافق مع متطلبات الحياة الاجتماعية والحضارية.
ومع الأنا الأعلى، الذي يمثل القاضي
الداخلي، نجد أنفسنا في صراع دائم بين دوافعنا البدائية ومتطلبات المجتمع، وهو
صراع ينتج عنه العصاب. إن فهم هذه الديناميكية النفسية، رغم عدم علميتها، يبقى ذا
قيمة فلسفية عميقة في فهم تعقيدات النفس البشرية والصراعات الداخلية التي تحدد
سلوكنا وأفكارنا ومشاعرن
