علم نفس النمو: النظريات والمبادئ الأساسية
يُعد علم نفس النمو من أهم فروع علم النفس التي تسعى لفهم التطور
الإنساني في مختلف مراحل الحياة، من اللحظة الجنينية وحتى نهاية العمر. إن
الإنسان، منذ ولادته وحتى وفاته، يمر بمجموعة من المراحل النمائية المتتابعة
والمتكاملة، حيث تتسم كل مرحلة بخصائص وتحولات نوعية على المستويات الجسمية
والمعرفية والانفعالية والاجتماعية والثقافية.
تزداد أهمية دراسة النمو الإنساني في ظل التطورات المعاصرة في مجالات التربية وعلم النفس التربوي، حيث أصبح فهم خصائص النمو وقوانينه ضرورة حتمية لتطوير الممارسات التعليمية والتربوية الفعالة. كما أن الاهتمام بالفروق الفردية في النمو يستدعي تطوير أساليب تعليمية متنوعة تراعي خصوصية كل متعلم.
1.1 تعريف علم نفس النمو
"يُعرّف علم نفس النمو بأنه فرع من فروع
علم النفس يهتم بدراسة وتفسير اتجاهات النمو وعناصره العضوية والتكوينية
والفيزيولوجية والحسية. يشمل هذا العلم دراسة وظائف وأجهزة النمو خلال جميع مراحل
النمو من المرحلة الجنينية إلى مرحلة الشيخوخة (الزغبي، 2018).
1.2 مفهوم النمو
: "يُعرّف
النمو بأنه مجموعة التغيرات الارتقائية البنائية التي تطرأ على الفرد على جميع
المستويات - الذهنية والمعرفية والثقافية والفيزيولوجية - في مختلف النواحي
منذ لحظة تكوينه في الرحم إلى انتهاء حياته (محمد، 2019). إذن النمو هو عبارة عن تغيير يطرأ على الأبعاد الفيزيولوجية
والبيولوجية والسيكولوجية لشخصية الفرد، ويكون هذا النمو إما نمو فطري (مرتبط
بالوراثة والاستعدادات الطبيعية) أو نمو خبرة (نتيجة للتفاعل مع البيئة والتعلم).
العوامل
المؤثرة في النمو
تتنوع العوامل المؤثرة في النمو
الإنساني وتتفاعل فيما بينها لتشكل نمط النمو الفردي. يمكن تصنيف هذه العوامل إلى
الفئات التالية:-
1- العوامل الوراثية :
تشمل
العوامل الوراثية ما يُزود به الفرد ويشترك فيه مع جميع أفراد جنسه، مثل الاستعدادات
الفطرية والتكوين الفيزيولوجي والجسمي. كما تشمل انتقال الصفات الخاصة من
الأبوين إلى الطفل عن طريق المورثات (الجينات) (عبد الرحمن، 2021).
من
أبرز الخصائص التي تنتقل وراثياً:
- الصفات الجسمية: لون
العينين، الشعر، البشرة، شكل الأنف والوجه، الطول، الوزن
- بعض الاضطرابات والأمراض: الاضطرابات
العقلية، بعض الإعاقات كالمنغولية
- خصائص النمو: سرعة
النمو أو تباطؤه، نضجه أو قصوره، نوعه ومداه
2-
الهرمونات :
الهرمونات
هي مواد كيميائية يفرزها الجسم لتنظيم أنشطته المختلفة والحفاظ على توازنه من خلال
إطلاقها في مجرى الدم. تُفرز الهرمونات عن طريق نظام الغدد الصماء المنتشر في جميع
أنحاء جسم الإنسان للتحكم في عمليات النمو والتكاثر وأنشطة الجسم المختلفة
(الحميد، 2020).
تُعزز
الهرمونات بشكل عام نمو الفرد وتُعد من العوامل الأساسية لتمتعه بصحة جيدة، كما
تساعد في المحافظة على الأنسجة والأعضاء طوال العمر.
3-
البيئة :
البيئة
هي المجال الذي يحيط بالفرد ويؤثر فيه ويتأثر به. تشمل البيئة جميع العوامل
الطبيعية بعناصرها المادية والجغرافية والمناخية، بما فيها من نباتات وحيوانات،
والعوامل الثقافية والدينية بعناصرها الإنسانية والاجتماعية والعقائدية (أحمد،
2022).
تتضمن
البيئة أيضاً:
- العوامل الاقتصادية والسياسية
التي تؤثر على نمو الشخصية
- المؤسسات الاجتماعية: الأسرة،
المدرسة، جماعة الأقران
- المؤسسات الثقافية والدينية
- وسائل الإعلام
المسموعة والمرئية
2.4 النضج
والتعلم:
النضج:
يُقصد بالنضج التغيرات الداخلية في الكائن الحي
والتي ترجع إلى تكوينه الفيزيولوجي والعضوي وبخاصة الجهاز العصبي. هذه التغيرات
سابقة على الخبرة والتعلم، ولا تلعب العوامل الخارجية دوراً في تكوينها، بل إن دور
البيئة يقتصر على تدعيم هذه التغيرات وتوجيهها (سليمان، 2019).
التعلم:
التعلم هو تغيير في السلوك نتيجة للخبرة
والممارسة، وما يتمخض عنهما من نتائج سواء كانت في شكل معارف أو مهارات أو عادات
أو اتجاهات أو قيم أو معايير.
يُلاحظ
أن النضج والتعلم يتفاعلان معاً في عملية النمو، حيث
لا يمكن أن يحدث النمو الشامل دون نضج وتعلم. النضج يسبق التعلم ويُعد شرطاً
أساسياً من شروطه.
.5 التغذية المتوازنة :
التغذية
المتوازنة عامل أساسي في النمو، حيث أن جسم الإنسان يحتاج لنموه وبقائه حياً إلى
الغذاء المتوازن. الغذاء هو الذي يزود الجسم بالطاقة.
كما
تساعد التغذية السليمة مختلف الأجهزة والحواس على النمو والقيام بوظائفها. من جهة
أخرى، يؤثر سوء التغذية سلباً على النمو سواء بتأخره أو انحرافه عن المسار
الطبيعي أو ضعف المناعة لمقاومة الأمراض. كذلك الإفراط في التغذية وعدم توازنها
يؤدي إلى نتائج سلبية كأمراض التخمة والسكري وبعض أمراض الجهاز الدوراني
قوانين النمو:
تخضع سيرورة النمو لمجموعة من المبادئ والقوانين والقواعد التي يمكن حصرها في النقاط التالية:
1-التغيير الكمي والكيفي:
النمو
يساوي تغيير كمي وكيفي، أي أن نمو الكائن الإنساني يتميز بالتغير الكمي والكيفي.
يتجلى النمو الكمي في كبر الحجم، سرعة التغير الجسدي والعصبي، نضج عمليات الذهن،
وقوة العضلات.
كلما انتقل الفرد من مرحلة إلى أخرى تتغير ملامحه
الجسدية والنفسية والثقافية والاجتماعية. وفي المقابل، كلما تغيرت الملامح الكمية
تغيرت كذلك السمات النفسية الكيفية والانفعالية والجسمية (مصطفى، 2020).
2-النمو عملية مستمرة ومنتظمة:
النمو ليس عبارة عن مراحل متقطعة أو متفرقة أو مستقلة عن بعضها البعض، بل يتحقق عبر فترات وحلقات ومراحل ارتقائية متصلة ومتكاملة ومترابطة ومتدرجة ومتتابعة لتحقيق الهدف الوظيفي من النمو.
3-عدم تساوي سرعة النمو:
سرعة
النمو غير متساوية، وهذا يرجع إلى التفاوتات من شخص إلى آخر. سرعة النمو تختلف من
شخص إلى آخر حسب التطور البيولوجي والعصبي والفيزيولوجي والثقافي لدى كل فرد، وهذا
ما يؤدي إلى وجود فروق فردية يمكن إدراكها.
4
-النمو نتاج عوامل النضج والتعلم
لا
يمكن أن يتحقق التعلم والاكتساب والاستيعاب إلا بواسطة التطور البيولوجي والاكتمال
الفيزيولوجي. لا يمتلك الفرد مؤهلاته الكفاءة ولا يتوفر على قدراته النوعية
والأساسية والشاملة والمستعرضة إلا بوجود نضج بيولوجي وذكائي.
5- انتقال النمو من العام إلى الخاص: نمو الطفل يبدأ بالحركات العشوائية التلقائية في البداية، وبعد نمو العضلات يكون الطفل قادراً على المشي والجلوس والتحرك، وتصبح حركاته خاصة لها أهداف ووظائف ومقاصد خاصة.
