فلسفة الصمت الاجتماعي: آليات القمع والتسكيت في الأنظمة الاستبدادية.. الجزء الثالث





 آليات القمع والتسكيت في الأنظمة الاستبدادية:  تحليل عميق لأساليب السيطرة على الوعي الجماهيري

       تُعد دراسة آليات القمع والسيطرة في الأنظمة الاستبدادية من أهم القضايا التي تحتاج إلى فهم عميق ونقدي. فهذه الآليات ليست مجرد أدوات قمع مباشرة، بل منظومة معقدة من الوسائل الظاهرة والخفية والرمزية التي تهدف إلى تدجين الشعوب وإخضاعها، وقطع صلتها بقضاياها الحقيقية، وهذا ما أسماه المفكر الفرنسي التوسير الأجهزة الأيديولوجية في الدولة الحديثة.

النفي والتهجير: أقسى من القتل

النفي والتهجير يُعتبران من أصعب أشكال العقاب وأكثرها فتكاً بالإنسان. فالقرآن الكريم جعل النفي في بعض المواضع أصعب من القتل، لأنه يقطع الروابط الاجتماعية والثقافية التي تربط الإنسان بمجتمعه. هذا النوع من العقاب لا يقتل الجسد فحسب، بل يدمر الهوية والانتماء.

أشكال النفي المعاصرة

النفي الجسدي: يتمثل في الأشكال التقليدية مثل: السجن المباشر، الإقامة الجبرية، العزلة القسرية

النفي الرمزي: الأخطر والأذكى وهو الأسلوب الأكثر تطوراً وفتكاً، ويشمل: منع النشر والظهور الإعلامي، حظر تأسيس الأحزاب والمنتديات والنوادي، المراقبة الدائمة للحركة والاتصالات، منع الزيارات والتواصل الاجتماعي، هذه الآليات تحول الإنسان إلى "جزيرة معزولة" تماماً، مقطوعة الصلة بالمجتمع، عاجزة عن التأثير أو إيصال صوتها.

التلاعب بالرموز والمساحات:

إعطاء المساحة للمؤيدين وحرمان المعارضين يُستخدم هذا الأسلوب لخلق انطباع زائف بأن المؤيدين للنظام هم أصحاب الفكر والثقافة، بينما المعارضون "لا يملكون شيئاً يُذكر". فعندما يظهر مؤيد النظام في كل مكان بكتبه ومؤتمراته، بينما المعارض محروم من أي منبر، يتولد لدى الجماهير انطباع خاطئ بأن الحق مع النظام.

استخدام الرموز من الماضي:

 تقوم الأنظمة الاستبدادية بإبراز شخصيات تنتمي إلى فترات ماضية، كانت تشكل عوامل شرعنة للأوضاع السابقة. هؤلاء الأشخاص، وإن كانوا مثقفين ومفكرين في زمانهم، إلا أنهم أصبحوا "كائنات جيولوجية" لا علاقة لها بالواقع الحي. الهدف من هذا الأسلوب هو سحب الرمزية والشهادة من المفكرين الأحياء القادرين على تسجيل الشهادة على الواقع المعاصر.

الإلهاء والتسكيت: دروس من التاريخ

الأبنية الضخمة كأداة إلهاء يشير التحليل إلى ما ذكره أرسطو في كتاب "السياسة" عن أساليب الطغاة في إلهاء الناس وإسكاتهم من خلال الأبنية الضخمة. فمعابد زيوس في أثينا، والأهرامات في مصر، وكنائس أوروبا التي استغرق بناؤها قروناً، كلها كانت وسائل لاستنزاف طاقات الشعوب وإلهائها عن قضاياها الحقيقية، كما هو الشأن اليوم مثلا في المغرب، بدل أن نبني وطنا قويا على مستوى التعليم والاقتصاد والثقافة، تعمل الدولة على ضخ أموال ورأسمال كبير في تظاهرات رياضية وفنية، من أجل إلهاء الجماهير عن القضايا الجوهرية التي يحتاجونها من أجل بناء مواطن منتج منفتح وعقلاني.

المسلسلات والبرامج الترفيهية المعاصرة:

 في العصر الحديث، حلت المسلسلات والبرامج الترفيهية محل الأبنية الضخمة كأدوات إلهاء، المسلسلات اللاتينية الطويلة، والبرامج التي تستهلك ساعات من أوقات الناس يومياً، تؤدي نفس الدور الذي كانت تؤديه الأبنية الضخمة قديماً: استنزاف الوعي النقدي وتفريغ الطاقات الذهنية.

الحروب كأداة إلهاء

 يُستخدم إدخال الشعوب في حروب غير ضرورية كوسيلة لإلهائها عن قضاياها الداخلية. فعندما تكون هناك حرب، يتوقف كل نقاش حول القضايا الشرعية وغير الشرعية، ويصبح شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" مبرراً لإسكات كل معارضة.

حينما نلاحظ أي ظاهرة من السهل الحكم عليها، قيما لكن الأصعب هو إعطاء صورة وتصور علمي، مبني على معايير موضوعية وعقلانية، في فهم الظاهرة وتحليل أبعادها ومكوناتها وعناصر تحليلها.

أهمية التحليل العلمي للواقع:

 يؤكد التحليل على ضرورة التمييز بين إصدار أحكام القيمة والتحليل العلمي للواقع. فبينما من المهم أن نُدين الظلم والاستبداد، إلا أن الاستغراق في إصدار الأحكام القيمية قد يحول دون الفهم العلمي الدقيق للواقع وآلياته، لن يساعدنا في رسم صورة ونموذج موضوعي، بقدر ما سوف تكون لدينا صورة مشوهة ومزيفة عن هذا الواقع الذي نراه. يُضرب مثال على ذلك من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث راهن البعض على أن استمرار المقاومة سيؤدي إلى سقوط شارون، قياساً على ما حدث في جنوب لبنان. لكن هذا التحليل لم يأخذ في الاعتبار الفرق بين الحرب الخارجية والداخلية في الثقافة السياسية الإسرائيلية، مما أدى إلى تقديرات خاطئة.

الآليات الرمزية: الأخطر والأكثر فعالية

لماذا الآليات الرمزية أكثر خطراً؟ الآليات الرمزية للقمع أكثر فعالية من الآليات المباشرة، لأن من يُقتل أو يُسجن علناً قد يتحول إلى شهيد، وبالتالي يكتسب صوته قدرة انتشارية أكبر. أما الآليات الرمزية فتحقق الهدف دون خلق شهداء.

قصة القيادي في غزة تُروى قصة معبرة عن قيادي في حركة المقاومة الفلسطينية كان يُعتقل سراً ويُعذب ثم يُفرج عنه، دون أن يعرف أحد بأمره. وعندما سأل عن سبب هذا الأسلوب، قيل له: "لن نحولك إلى بطل، ولن نقتلك بأيدينا، بل ستُقتل بأيدي إخوانك عندما نصورك كخائن".

التعليم البنكي: آلية قمع معاصرة

تعريف التعليم البنكي استناداً إلى أفكار المفكر البرازيلي باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين"، يُعرّف التعليم البنكي بأنه نظام تعليمي يقوم على: تقديم المعلومات كمقررات جامدة، تقوم على الحفظ والاستظهار دون نقد أو تحليل، ومن جهة أخرى منع الطالب من إبداء رأيه أو موقفه النقدي، وتحويل الطالب إلى مستودع للمعلومات.

و من أجل توضيح هذه الفكرة يمكننا استحضار مثال من الجانب الفكري ، يُروى أن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي كان يقرأ الفلسفة منذ سن السادسة، رسب في امتحان الفلسفة عندما كان في الخامسة والعشرين لأنه خرج عن المقرر وحفر تحت الأفكار المطروحة. ولكن عندما التزم بالمقرر في المحاولة الثانية، حصل على الدرجة الكاملة.

البديل: تعليم المقهورين

الحوار بدلاً من التلقين يقترح فريري بديلاً للتعليم البنكي يقوم على:

  • الحوار بين المعلم والمتعلم
  • جعل كل منهما معلماً ومتعلماً في نفس الوقت
  • التركيز على قضايا المقهورين الحقيقية كموضوع للحوار
  • عدم تأجيل العمل الثوري، بل البدء به من خلال الحوار نفسه

موضوعات الحوار يجب أن يتناول الحوار قضايا المقهورين الحقيقية:

  • القضايا الثقافية والاجتماعية والدينية
  • الموقف من السلطة والحاكم
  • السياسة الداخلية والخارجية
  • موقف المؤسسات الدينية والإعلامية

تفكيك آليات القهر في المجتمعات المعاصرة 

يرى فريري أن التحرر الحقيقي يكمن في إعادة الأصالة للإنسان وإنقاذه من التشيؤ الذي تمارسه السلطات القاهرة. فالإنسان لا يمكن أن يصبح "شيئاً" إلا إذا اغترب بالكامل عن نفسه وعن ذاته. هذا الاغتراب يحدث على مستويين:

1.   فقدان وعي الذات: عندما يفقد الإنسان القدرة على فهم نفسه ومكانته

2.   فقدان وعي الموضوع: عندما يفقد القدرة على فهم الواقع المحيط به

هذا الاغتراب المزدوج يؤدي إلى حالة من الاستلاب الكامل، حيث يصبح الإنسان مجرد أداة في يد القوى المهيمنة، هنا تأتي مهمة التحرير، التي  تكمن في إعادة الفاعلية والذاتية للإنسان، وتحريره من الشيئية والاغتراب.

ضرورة التواصل الداخلي: أهمية التواصل بين مختلف فئات المجتمع - الإسلاميين، العلمانيين، الليبراليين، القوميين - لأن المجتمع يقوم على الاعتماد المتبادل. هذا التواصل ضروري لفهم الواقع وإمكانية تغييره.

الصمت كلغة:  "الصمت بيان" و"الصمت لغة". هذا المفهوم يتجاوز المعنى المعجمي التقليدي للصمت (عدم الكلام) إلى فهم أعمق:

1.   الصمت موقف: عندما تصمت عن الظلم، فأنت تتخذ موقفاً

2.   الصمت تواطؤ: إذا لم تعبر عن رفضك بأي شكل من أشكال التعبير

3.   الصمت خذلان: للمجتمع والقضايا العادلة

أشكال التعبير المتعددة التعبير لا يقتصر على الكلام المنطوق، بل يشمل:

  • لغة الجسد: الحركات والمواقف الجسدية
  • الفعل: المشاركة في المظاهرات أو الأعمال التضامنية
  • الفن: الرسم والكتابة والإبداع
  • العطاء: مساعدة المحتاجين والمقهورين

التبرير والمسؤولية المجتمعيةلا يهتم الناس بنياتك الداخلية بقدر ما يهتم بالنتائج العملية لمواقفك:

1.   النية الحسنة لا تبرر العمل السيء

2.   الصمت له وزن اجتماعي: يصب في كفة القوى المهيمنة

3.   المسؤولية الجماعية: كل فرد مسؤول عن تأثير مواقفه على المجتمع

مبدأ المخاطرة والحرية:

    استناداً إلى فلسفة هيجل، تؤكد أن "لا طمع في نيل الحرية دون المخاطرة بالروح". الحرية تتطلب مخاطرة، وكل شخص يخاطر على مستواه - المفكر بكلماته، والمواطن بمواقفه. "إخراج الواقع"، وهي نظرية تفسر ثبات المجتمعات وعدم قابليتها للتغيير. هذا المفهوم مستوحى من الإخراج السينمائي، حيث:

1.   تنسيق الأدوار: كل جانب من جوانب المجتمع له دور محدد

2.   التناغم المدمر: جميع الأجهزة (السياسية، الاقتصادية، الدينية، الثقافية) تعمل في تناغم

3.   السكونية: هذا التناغم يؤدي إلى مجتمع ساكن لا يتغير

آلية التناقضات:  كل سلطة تولد تناقضاتها، ولكن في المجتمعات المُخرَجة:

  • التناقضات الذاتية: تُحل داخلياً دون تغيير جوهري.
  • التناقضات البينية: بين الجوانب المختلفة، وهي التي يمكن أن تؤدي للتغيير.

التوافق المدمر في المجتمعات العربية:

مشهد المسجد كرمز في المسجد نجد في الصف الأول كبار الضباط ورجال السياسة والمقاولين، بينما الفقراء في الصفوف الخلفية. هذا المشهد يرمز إلى:

1.   التوافق الظاهري: تحت قبة واحدة

2.   التراتبية الاجتماعية: الظالم في المقدمة والمظلوم في الخلف

3.   فقدان الدين لدوره النقدي: عدم تصديه لتناقضات السياسة والاقتصاد

هذا المثال يؤكد أن الصراع الطبقي ليس كافيا وحده من أجل تغيير الواقع نحو الأفضل، إنما نحن في حاجة إلى الوعي باعتباره سيرورة ضرورية لهذا الوجود، الوعي بهذه التناقضات الموجودة في المجتمع بكل أشكاله وأنواع.

الدعوة للتحرك:

1.   رفض الصمت السلبي: الذي يخدم القوى المهيمنة

2.   البحث عن أشكال تعبير بديلة: عندما يكون الكلام المباشر محفوفاً بالمخاطر.

3.   تحمل المسؤولية الاجتماعية: فهم أن لكل موقف وزن اجتماعي.

4.   العمل على كسر التوافق المدمر: بين أجهزة القهر المختلفة.

نحو وعي نقدي  التحرر الحقيقي يتطلب:

  • وعي بآليات التشيؤ: فهم كيف تعمل أجهزة القهر
  • رفض دور الموضوع: والتحول إلى ذات فاعلة
  • تطوير أشكال مقاومة متنوعة: تتناسب مع الظروف المختلفة

 خاتمة : نحو وعي نقدي حقيقي

 إن فهم آليات القمع والتسكيت هو الخطوة الأولى نحو تطوير آليات مضادة فعالة. والمطلوب ليس فقط العقل المعرفي الذي يجمع المعلومات، بل العقل النقدي القادر على تحليل الواقع وتفكيكه. هذا العقل النقدي يجب أن يقوم على معرفة حقيقية، لأن النقد الذي لا يتأسس على معرفة ليس نقداً حقيقياً، بل مجرد دعاوى أيديولوجية، لأن الهدف الأسمى هو تحرير الوعي من أغلال التسكيت والتسميط، وبناء مجتمع قادر على الحوار النقدي البناء، مجتمع يشهد على قضاياه ولا يغيبها، مجتمع حر في فكره وإرادته. وهذا التحرير لا يبدأ بالسلاح، بل بتحرير العقل والوعي، لأنه بدون هذا التحرير الفكري، حتى النضال المسلح لن يحقق أهدافه الحقيقية. إن مواجهة آليات القمع والتسكيت تحتاج إلى وعي عميق بطبيعتها وأساليبها، وإلى إرادة جماعية لبناء بدائل حقيقية تقوم على الحوار والنقد البناء والمشاركة الفعلية في صنع المستقبل.

 


تعليقات