مقدمة
يُعتبر
التعليم الأولي أحد أهم المراحل التعليمية التي تضع الأسس الجوهرية لتطور الطفل
معرفياً وعاطفياً واجتماعياً. هذه المرحلة الحساسة، التي تستقبل الأطفال من سن 2.5
إلى 6 سنوات، تتطلب تكويناً متخصصاً ومتقناً للمربين والمربيات لضمان جودة التعليم
المقدم.
الإشكالية
الأساسية: التقدير المجتمعي لمهنة التعليم الأولي
لطالما
واجهت مهنة التعليم الأولي تحدياً في التقدير المجتمعي لأهميتها. ففي عام 1992،
أثار أستاذ بجامعة لييج جدلاً واسعاً بتصريحه المثير: "لعلاج كلب بيكينوا
مريض، نتوجه إلى طبيب بيطري جامعي... والطفل يستحق ذلك أيضاً". كان يقصد
بذلك التساؤل حول مجتمع يمول دراسات الطب البيطري لمدة 6 سنوات، بينما يكتفي بسنة
أو سنتين لتكوين مربيات الأطفال. هذه
المقارنة الجريئة تسلط الضوء على التناقض في التقدير المجتمعي بين تخصصات مختلفة،
وتدعو إلى إعادة النظر في مكانة التعليم الأولي ودوره المحوري في بناء شخصية الطفل
وإعداده لمستقبله التعليمي.
المحاور
الثلاثة للجودة في التعليم الأولي
1. الإطار
المنهجي للتعليم الأولي:
يتطلب
تحقيق جودة التعليم الأولي وجود إطار منهجي واضح ومتكامل. في التجربة البلجيكية،
تم تطوير ما يُسمى "ميثاق التميز التعليمي" (Pacte d'Excellence) عام
2023، والذي يشمل التعليم الإجباري من سن 2.5 إلى 18 عاماً.
الأهداف
الأساسية لهذا الإطار:
- إلزامية التعليم من سن 5 سنوات: اعتراف
بأهمية السنة الأخيرة من التعليم الأولي
- التركيز على الكفايات الأساسية: اللغة،
الحركة، والتنشئة الاجتماعية
- تعزيز الإشراف التربوي: تقليل
عدد الأطفال في القسم الواحد
- تحسين الانتقال نحو التعليم الابتدائي: ضمان
استمرارية تعليمية متدرجة
- تقليل التفاوتات منذ التعليم الأولي: الاهتمام
بالعدالة التعليمية
1-البناء
التشاركي للمنهج:
شارك
في بناء هذا الإطار المنهجي أطراف متعددة:
- السياسيون والمعلمون والنقابات
- الآباء والتلاميذ (المستفيدون المباشرون)
- الخبراء الجامعيون
- منظمات محاربة التفاوتات التعليمية
- منظمات دولية مثل منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية واليونيسف
2-
تكوين المعلمين
الفلسفة
التكوينية الجديدة:
تم
تطوير إصلاح شامل لتكوين المعلمين (RFie) عام 2023، بالتزامن مع إطلاق الميثاق
التعليمي، مما يضمن التناسق والانسجام بين المنهج والتكوين.
هيكلية
التكوين الجديدة:
- المدة: 4 سنوات
بدلاً من 3 سنوات (3 سنوات ليسانس + سنة ماجستير)
- الشراكة: تعاون
بين المعاهد العليا والجامعات
- التخصصات المتداخلة:
- القسم
الأول: من الاستقبال إلى السنة الثانية ابتدائي
- القسم
الثاني: من السنة الثالثة أولي إلى السنة السادسة ابتدائي
محاور
التكوين:
1. التكوين التخصصي: إتقان المواد
والمناهج التعليمية
2. التكوين في التواصل ومن خلاله: تطوير
مهارات التواصل التربوي
3. التكوين الممارس: التداريب
الميدانية والتحليل التأملي
4. التكوين البيداغوجي والديداكتيكي: أسس
علم التربية وطرق التدريس
5. تكوين العلوم الإنسانية والاجتماعية: علم
النفس، علم الاجتماع، الفلسفة
6. التكوين البحثي: تطوير القدرة
على التحليل والبحث التربوي
7. إتقان لغة التدريس: ضمان الكفاءة
اللغوية المتقدمة
أنواع
المكونين:
- أساتذة جامعيون: متخصصون
في علوم التربية وعلم النفس والفلسفة
- أساتذة المعاهد العليا: حاصلون
على شهادة التأهيل التربوي
- أساتذة التكوين العملي: مربون متمرسون يعملون بنصف دوام
أهمية
هذا التكوين:
- الاعتراف بمهنية التعليم: كونك
خبيراً في مجال ما لا يعني تلقائياً أنك مُعلم جيد
- تطوير الهوية التعليمية: مساعدة
المكونين على بناء هويتهم كمربين
- ضمان الجودة التعليمية: تطبيق
مبادئ علم التربية في تكوين المعلمين
المفهوم
المحوري: الاستقلالية في التعليم الأولي
يُبنى
الإطار المنهجي البلجيكي حول مفهوم أساسي واحد: الاستقلالية. هذا
التوجه الجريء يقسم الاستقلالية إلى أربعة أبعاد:
1-
الاستقلالية العاطفية
- خلق بيئة آمنة ومطمئنة للطفل
- بناء الثقة بالنفس والهوية المدرسية
الإيجابية
- تطوير القدرة على التعامل مع الانفصال عن
الأسرة
2-
الاستقلالية الحركية
- تطوير المهارات الحركية الأساسية
- فهم أهمية الجسم في عملية التعلم
- دمج أنشطة الحركة النفسية في المنهج اليومي
3-الاستقلالية
الاجتماعية
- تعلم العيش في جماعة
- اكتساب مهارات التشارك والتعاون
- احترام الآخرين وتقبل الاختلاف
4. الاستقلالية
المعرفية واللغوية
- تطوير مهارات التفكير الأساسية (المقارنة،
التصنيف، الترتيب)
- إتقان لغة التدريس
- بناء الأسس الأولى للمعرفة المنهجية
التحالف
التربوي: أساس العلاقة التعليمية
يُعتبر
مفهوم "التحالف التربوي" من أهم المفاهيم في التعليم الأولي، وهو مستوحى
من "التحالف العلاجي" في علم النفس العلاجي. هذا المفهوم يقوم
على فكرة أن جودة العلاقة بين المربي والطفل تؤثر مباشرة على فعالية التعلم.
عناصر
التحالف التربوي:
1-
الاهتمام المتبادل :
- شعور الطفل بأنه محل اهتمام وتقدير من
المربي
- إظهار المربي للاهتمام الصادق بتقدم كل طفل
- خلق علاقة إيجابية تحفزه على التعلم
2-
الثقة :
تنقسم
الثقة إلى مستويات مختلفة:
الثقة
المحسوبة:
تقوم على:
- الثبات والاتساق في التعامل
- وضوح القوانين والقواعد
- تجنب التقلبات المزاجية في التعامل
الثقة
المهنية:
تشمل:
- الاعتراف المتبادل بالكفاءات
- ثقة الطفل في قدرات المربي
- ثقة المربي في قدرات الطفل على التعلم
الثقة
الاجتماعية-العاطفية: تتضمن:
- الصدق والنزاهة في التعامل
- العدالة والإنصاف
- الانفتاح والاحترام المتبادل
التقييم في
التعليم الأولي:
يركز
النهج البلجيكي على التقييم التكويني كأسلوب أساسي في التعليم الأولي،
والذي يقوم على المبادئ التالية:
- الخطأ كمادة تعليمية: اعتبار
الأخطاء فرصاً للتعلم وليس للعقاب
- التقييم المستمر: متابعة
تطور الطفل دون ترقيم أو تصنيف
- احترام الفروق الفردية: تقبل
اختلاف وتيرة التطور بين الأطفال
- التركيز على التقدم: مقارنة
الطفل بنفسه وليس بالآخرين
عوامل الأمان
والخوف في البيئة المدرسية
عوامل
تخلق الخوف:
- الانفصال عن موضوع التعلق (الأسرة)
- البيئة الجديدة وغير المألوفة
- تقلبات مزاج الراشدين
- المساحات المفتوحة بدون إشراف مباشر
- التوقعات غير الواقعية للأداء
عوامل
تخلق الأمان:
- الثبات في التعامل والقوانين
- العناية بفترات الانتقال
- وضعية المربي المناسبة (النزول لمستوى
الطفل)
- البيئة المهيأة والمنظمة
- التواصل الإيجابي مع الأسرة
التحديات
والاستراتيجيات
التحدي
الأول: التعميم مقابل الجودة
في
سياق التوسع في التعليم الأولي، يظهر تحدٍ أساسي حول كيفية التوفيق بين التعميم
والجودة. الحل يكمن في:
- التدرج في التنفيذ
- الاستثمار في التكوين المستمر
- وضع معايير دنيا للجودة
- المتابعة والتقييم المستمرين
التحدي
الثاني: نقص التقدير المجتمعي
يمكن
مواجهة هذا التحدي من خلال:
- رفع مستوى التكوين (كما حدث في بلجيكا
بالانتقال إلى 4 سنوات)
- تحسين الظروف المادية والمعنوية للمربين
- التوعية المجتمعية بأهمية التعليم الأولي
- البحث العلمي وتوثيق الممارسات الجيدة
التحدي
الثالث: التناسق المنهجي
ضمان
التناسق بين:
- الإطار المنهجي النظري
- برامج تكوين المعلمين
- الممارسة الفعلية في القسم
- تكوين مكوني المعلمين
التوصيات
العملية:
على
مستوى السياسات التعليمية:
1.
وضع
إطار منهجي شامل ومتكامل للتعليم الأولي
2.
ضمان
التناسق بين مراحل التكوين المختلفة
3.
الاستثمار
في التكوين الأساسي والمستمر للمربين
4.
تطوير
آليات المتابعة والتقويم المستمر
على
مستوى التكوين:
1. إطالة مدة التكوين مع التركيز على الجودة
2. دمج التكوين النظري والعملي بشكل متوازن
3. تطوير مهارات التحالف التربوي لدى المربين
4. الاهتمام بالتكوين في علم نفس الطفولة المبكرة
على
مستوى الممارسة:
1. خلق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة
2. احترام الفروق الفردية في النمو والتطور
3. التركيز على الاستقلالية كهدف أساسي
4. بناء شراكة إيجابية مع الأسر
خاتمة
في الختام يمكن القول أن التعليم الأولي يعتبر استثماراً
استراتيجياً في مستقبل أي مجتمع. والنجاح في هذه المرحلة يتطلب نظرة شمولية تجمع
بين جودة الإطار المنهجي، وتميز تكوين المعلمين، وفعالية تكوين مكوني المعلمين.
التجربة البلجيكية تقدم نموذجاً مثيراً للاهتمام، ولكن يجب دائماً مراعاة خصوصية
السياق المحلي عند الاستفادة من أي تجربة خارجية. لأن المحور الأساسي يبقى
هو الطفل ونموه المتكامل، وكل الجهود يجب أن تصب في خدمة هذا الهدف النبيل.
التحالف التربوي، المبني على الثقة والاحترام المتبادل، يشكل الأساس الصلب لأي
تعليم أولي ناجح وفعال.
هذا المقال مبني على محاضرة حول التجربة البلجيكية في تكوين معلمي التعليم الأولي
