هل الفلسفة الرواقية تقدم لك وصفتها لتكون سعيدا؟

 



الفلسفة الرواقية: فن العيش بحكمة وقبول الواقع

مقدمة حول الرواقية

الرواقية تمثل جزءًا كبيرًا ومهمًا في تاريخ الفلسفة، وهي تنتمي إلى فترة العصور القديمة، وتحديدًا إلى القرن الثالث قبل الميلاد. هذه الحركة الفلسفية جاءت بعد سقراط وأفلاطون وأرسطو، وقد استمرت عبر القرون مع تطورات وتحولات عديدة، بل وحتى تشويهات أحيانًا.

 إذ من الصعب دائمًا التطرق إلى تيار فلسفي عظيم كهذا، لأن السؤال المطروح هو من أين نبدأ. والمشكلة تزداد تعقيدًا لأن الرواقية تمثل ما يمكن أن نسميه "فلسفة شاملة". فهي ليست مجرد نظام فكري أو نظام لفهم العالم، بل هي في آن واحد فلسفة نظرية وفلسفة عملية، إنها فلسفة موجهة نحو الفهم وكذلك نحو العمل - العمل في العالم كما أنها موجهة للأفراد حتى يعرفو كيفية التعامل مع الظروف والأنماط التي يعيشون فيها.

المبدأ الأساسي: التمييز بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا

سننطلق من مقولة أساسية يُشار إليها غالبًا لتلخيص الرواقية: "هناك ما يعتمد علينا، وهناك ما لا يعتمد علينا". الرؤية الرواقية للعالم تقوم على هذا التقسيم الأولي - تقسيم يجب أن نعيه لنفهم حدودنا كبشر وحدودنا كأفراد.

هناك أشياء تعتمد علينا، على سبيل المثال:

  • أحتاج أن أعمل من أجل النجاح
  • أحتاج أن أن أبحث عن الحقيقة
  • أحتاج أن أن أتصرف بشكل صحيح

وهناك أشياء لا تعتمد علينا:

  • لا يعتمد علي، أن أكون طويلًا أو قويًا أو قديرًا
  • لا يعتمد علي، أن أكون جميلًا
  • لا يعتمد علي، أن أولد في مكان معين

يمكننا أن نفهم جيدًا ما يقوله الرواقيون: هناك ما نرثه، وهناك ما نبنيه بأنفسنا.

بالطبع، يمكن دائمًا الرد بأن هذا الحد غامض إلى حد ما. مثلاً، يقول الرواقيون أنه لا يعتمد علينا أن نكون أغنياء، لكن يمكن ملاحظة أنه في الواقع يعتمد علينا أن نكون أغنياء - إذا وجهت عملي نحو النجاح المادي والمالي، فلدي فرصة أكبر لأكون غنيًا مما لو لم أفعل شيئًا. لذا يمكن دائمًا العثور على نقاط تفصيلية حول هذا التقسيم بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا قابلة للنقاش، لكن في الخطوط العريضة نفهم ما يعنيه هذا.

الخطوة الأولى نحو التواضع والوعي بالحدود:

إدراك هذا التمييز بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا هو مجرد خطوة أولى بالنسبة للرواقيين. إنها الخطوة الأولى نحو الوعي بأننا لسنا قادرين على فعل كل شيء وأننا محدودون بشكل أساسي، هذا الوعي قريب إلى الوعي الديني، مقارنة مع الأفكار التي تروجها أفكار التنمية الذاتية وغيرها من الشعارات الوهمية التي تبيع لنا فكرة أننا نستطيع فعل أي شيء، لأنه توجد تحديات وظروف توجد خارج طاقتنا وحدودنا. من هذا المنظور، الفلسفة الرواقية هي دعوة للتواضع، الذي ليس سوى الاعتراف بعجزنا وحدودنا.

يمكن قول الأمر بطريقة عكسية: إذا كانت لدي رغبات أو توقعات أو طموحات مفرطة تمامًا، فسأواجه حدودي بطريقة أو بأخرى. لن أتمكن من الوصول إلى كل ما أتمناه، وعندما أواجه عقبات أمام رغباتي، فإن المشكلة هي أنني قد أصبح تعيسًا.

لنقل الأمر بشكل مختصر: إذا رغبت في أشياء مستحيلة، فسأعاني. سأعاني لأنني سأدرك أن ما هو مستحيل بحكم التعريف غير متاح لي. قد يبدو هذا واضحًا ومبتذلًا تمامًا، وقد نقول "أهذه حقًا فلسفة؟ القول بأن المستحيل مستحيل هو نوع من التكرار المنطقي". نعم، لكن إذا أخذ الرواقيون عناء توضيح هذا، فذلك لأنه في سلوكنا اليومي، في سلوكنا الفعلي، نميل إلى نسيان ذلك، ونعتقد أن أشياء معينة يمكن أن تعتمد علينا بينما لا تعتمد علينا.

مثال عملي: تقبل الموت

      يأخذ الرواقيون أمثلة ملموسة جدًا. المثال الأول: أعلم، أعي أن حياتي محدودة، ووجودي على هذه الأرض محدود زمنيًا. ووجود جميع البشر محدود أيضًا. لذا عندما يموت شخص ما، حتى لو كان شخصًا أقدره كثيرًا، حتى لو كان شخصًا أحببته، يجب أن أقبل اختفاءه، يجب أن أقبل موت هذا الشخص لأن ذلك من جوهر الإنسان أن يولد ويعيش ويموت.

أن نحزن لأن عزيزًا يموت، بالنسبة للرواقيين هو في المقام الأول خطأ منطقي، وهذا صحيح - إنه خطأ منطقي. لا يمكنني جعل الأشخاص الذين أحبهم خالدين، هذه حقيقة. لذا هذا الحد الأول للطبيعة البشرية وهو الموت، أي الحد الزمني، يجب ألا أعرف فقط أنه موجود بل يجب أن أقبلهوهنا نرى أن الرواقيين لا يعتبرون فهم شيء ما أو الوعي بشيء ما مجرد معرفة بوجوده، بل قبوله في أعماق كياننا وحتى في أعماق وجودنا. هنا ندرك أن  الرواقية ليست مجرد فلسفة نظرية بل فلسفة عملية، تعطينا نصائح عملية من أجل تجويد الحياة.

حياتنا ليست أبدية، يجب أن نقبل الموت، يجب أن نقبل موتنا الخاص. كما قال أبيقور: "تعلم العيش هو تعلم الموت"، والفلسفة الحقيقة تكمن في تقبل الموت، والاحساس باللحظة كيفما كان شكلها ولونها.

لكن ليس قبوله كشيء حزين أو مؤسف، بل قبوله كضرورة، قبوله كقانون طبيعي، وفقط عندما أقبله بعمق كقانون طبيعي يمكنني أن أتحرر من الحزن والأسى والمعاناة التي تحملها هذه الفكرة عادة.

جذر المعاناة: الإسقاطات الذهنية وتوقع ما ليس متاحا

    إذا فكرت للحظة وحاولت أن تتخيل في أي عمر، في أي مكان، في أي ظروف ستموت موتًا طبيعيًا، هل ستموت في نومك؟ هل ستموت في حادث سيارة، أم من مرض عضال؟ فورًا ما سيغمرك هو شعور بالقلق، وهذا الشعور بالقلق بالنسبة للرواقيين هو الدليل على أنك بطريقة ما لم تقبل فكرة الموت، طبعا اليوم نعرف علميا أن غريزة البقاء تدفعنا إلى ذلك، لكن رغم ذلك تبقى الحكمة الرواقية مهمة، لأنها تقول: "الموت لا شيء". الموت لا شيء لماذا؟ لأننا عندما نعيش، الموت غير موجود. وعندما نموت، نحن لم نعد موجودين لنعاني.

لذا قلق الموت هو قلق من فكرة وليس قلق من واقع. إنه قلق من إسقاط ذهني، وهنا نبدأ في الاقتراب أكثر من نواة الفلسفة الرواقية وهي دور الإسقاط التخيلي الذي يجعل الفرد لا يكون أبدًا في واقعه الحاضر كليًا. نحن لسنا أبدًا في اللحظة الحاضرة حقًا إن جاز التعبير. نحن دائمًا في توقع المستقبل أو حنين الماضي، لكن في النهاية لسنا أبدًا في الحاضر حقًا.

مشكلة هذه الإسقاطات أنها تولد فينا مشاعر - مشاعر يسميها الرواقيون "الانفعالات" (passions). هذا هو المصطلح القديم للحديث عن المشاعر. الانفعال باليونانية يُقال "باثوس" (pathos) وهو يعني المعاناة. والانفعال هو ما نكون منفعلين حياله، ما نتعرض له، من  الخوف أو ندم، الغيرة، الحسد، الغضب - كل هذه مشاعر، انفعالات. لكن هذه أشياء هي في المقام الأول إبداعات من عقلنا، وهي الدليل على أننا لا نقبل الوجود كما هو.

مثال أخر:  الغيرة والمسؤولية الشخصية:

إذا كنت، مثلاً، أغار من جاري، أغار من جاري لأن لديه سيارة أجمل مني أو لأن لديه امرأة أجمل مني، أطفال أجمل مني، لا يهم. هذه الغيرة هي إسقاط من عقلي. أي أنه لو لم يكن لجاري كل ما ليس لدي، لما كنت تعيسًا. لأن جاري لديه ما ليس لدي فلدي هذا الإحباط الذي يترجم إلى غيرة، هو مسوليتنا لأننا تركنا هذه المشاعر المنبثق من الفكر تسيطر علينا، وتدخل إلى مشاعرنا، بهذا المعنى فأنا المسؤول عنها، وهنا نصل إلى هذه الفكرة الرواقية وهي أنني يجب ألا أتأثر بما لا يعتمد علي.

العواطف  تأتي من الداخل وليس وليدة الظروف:

الفلسفة الرواقية ترى أن الإنسان يحتاج إلى الكثير من الحكمة والقليل من المعرفة ليدرك أنه، كل ما يحصل في العالم الخارجي، لا يعتمد علينا ف أغلب الأحياء، لهذا فإن  سبب مشاعرنا هو نحن أنفسنا. لكننا نحدد تلقائيًا سبب مشاعرنا بشيء خارجي عنا. نقول مثلا أنا غاضب، لأن شخصًا ما أغضبني، هذا الكلام مجرد كلام فارغ بالنسبة للرواقين، فذلك لأننا لا نستطيع السيطرة على مشاعرنا، والآخر ليس سوى ذريعة لتبرير غضبنا، أي لتبرير عدم قدرتنا على السيطرة على مشاعرنا.

إذن قوة الشخص الرواقي تكمن في قدرته على عدم الغضب والقدرة على التحكم في مشاعره، ومعناها، في اللغة القديمة -غير منفعل-، بلا انفعالات. إنه شكل من اللامبالاة، لكن ليس لامبالاة مرتبطة بغياب الوعي، بل العكس. إنها لامبالاة متحكم فيها، لامبالاة مقبولة، لأنها تتوافق مع الوعي بأن هناك أشياء لا تعتمد علينا.

الرواقية فلسفة عملية وليس استسلامًا:

يقول لنا الرواقيون: لماذا نتأثر بما لا يعتمد عليك؟ 

هذا لن يحل المشكلة. لأننا لن نحل هذه المشكلة لأنها لا ترتبط بنا، مثلا هل الغضب من موقف أو مشكلة سوف يحل القضية، طبعا الغضب سوف يزيد الطين بلة فقط لا أقل ولا أكثر. بالنسبة للرواقيين، المشاعر هي إلى حد ما الحرارة التي تنتجها طاقة لا نستطيع توجيهها. لذا نحتاج لإخراج هذه الطاقة عبر عاطفة، لكن هذا لا يحل المشكلة، مثلا  إذا اصطدمت ركبتي بزاوية طاولة القهوة، فمهما سببت طاولة المقهى أو ضربتها، فهذا لن يجعل ألمي يختفي... رغم أن هذا سيسمح لي بإنفاق الطاقة المرتبطة بألمي والغضب الناتج عن هذا الألم. لهذا السبب  يقول الرواقيون : "لا تسع لتغيير الواقع، بل لتغيير وجهة النظر التي لديك عن الواقع".

هنا بالطبع سنقول "ما هذه الفلسفة؟" التي هي في النهاية فلسفة خضوع، فلسفة سلبية. من المشروع قول ذلك. إذا قبلت كل شيء، فهذا شكل من التنازل، فهذا يعني القول إنني يجب أن أقبل الظلم، يجب أن أقبل مثلاً أن يكذب علي أحد، أن يسرقني أحد، أن يخدعني أحد. يجب أن أقبل عدم أخلاقية جاري، لأن الرواقيين يقولون لي أنني إذا لم أقبل فأنا في الجنون.

 هذا الكلام صحيح وخاطئ نعم ولا، لا تنسوا أن الرواقيين يفرقون بين ما يعتمد علي وما لا يعتمد علي، هناك أشياء يمكنني أن أسيطر عليها، والرواقيون يقولون لنا جيدًا: "امنحني القوة لتغيير ما يمكن تغييره".  لكن يجب ألا تكون لدي ادعاءات تفوق إمكانياتي. يجب ألا أعتقد أنني قادر على إحداث ثورة في العالم وحدي بذراعي الصغيرتين. يجب أن أقبل أنني وحدي، التغييرات التي يمكنني إدخالها، التحولات التي يمكنني إحداثها في العالم ستكون على صورة قدراتي - أي ليس شيئًا كبيرًا، بنسبة إلى العالم، ليس شيئًا كبيرًا.

لكن لدي الخيار بين فعل ما أستطيع فعله والتخلي عن الأمر قائلاً "على أي حال هذا لا يفيد". لدي الخيار، يمكنني أن أقبل التنازل وأقول لنفسي "ما الفائدة؟"

في بعض اللحظات حين نحس بالإحباط تجاه بعض قرارات الماضي أو الأشياء التي تقع للإنسان، يجب أن يكون لدينا اليقين، بأن ما حصل قد حصل، ولا نقول لو لأن هذه الأشياء ليس في مقدرونا تغييرها، لكن من جهة أخرى نستطيع تغيير نظرتنا تجاه الواقع، أي الزاوية والطريقة التي نرى من خلالها الأشياء، التقبل هو السر في التعامل مع هذا الواقع.

فلسفة الوضوح والعمل ضمن الإمكانيات:

لذا بالنسبة للرواقيين نتصرف في النطاق الذي يمكننا التصرف فيه، ولا نقلق بشأن الباقي. لا نهتم بالباقي لأن الباقي لا ينتمي إلينا. لأن الباقي ينتمي للعالم. والعالم يواصل طريقه بدوننا، نحن جزء من العالم، نترك عليه بصمتنا، لكننا لسنا مالكيه، ينتمي إلينا كأفراد أن نفعل أشياء قادرون عليها، لا ينتمي إلينا كأفراد أن نتصرف مكان الآخرين.

في بعض اللحظات يجتاحني إحساسي بأنني في حاجة إلى تغيير العالم، وعدم تقبلي للمحيط، ولوم العالم على الكثير من الأشياء، لكن في الحقيقة نحن في حاجة إلى تغيير أنفسنا فقط ولسنا في حاجة إلى تغيير العالم، أو الإحساس بـأننا خارقون، لأن كل من يخفي ضعفه ويدعي الكمال، هو في الواقع يحاول التستر على ما يوجد في خفاء داخل شخصيته، لذلك فإن المرونة تعتبر جوهر الحياة والجمال.

لأن  الأشخاص الذين ينجزون أشياء عظيمة هم أشخاص لا يقلقون بشأن ما لا يستطيعون فعله. هم أشخاص يهتمون حصريًا بما يستطيعون فعله. لأن  امتلاك أحلام لا يمكن بلوغها هو أفضل وسيلة لعدم تحقيق أي منها أبدًا. الرغبة في المستحيل هو أفضل وسيلة للبقاء في حالة السلبية والعدمية لأنك تطلب الكمال.

الفلسفة كممارسة سيكولوجية: 

فلسفة الرواقيين هي فلسفة عملية لأنها فلسفة تدفعنا لجعل أعمالنا متوافقة مع أفكارنا. قلنا سابقًا أنني إذا تطورت لدي مشاعر مثل الغضب والغيرة والاستياء، فإن أعمالي ستحمل طابع هذه المشاعر. و على العكس، إذا تصرفت بحماس، إذا تصرفت في نوع من المرح، من الفرح غير المشروط، فرح لا يحتاج لسبب للوجود، على الأقل نحس بحالة من الفرح والسرور الإيجابي.

العواطف والعبودية: 

المشاعر تجعلنا عبيدًا لأننا بحكم التعريف لا نختار أن تكون لدينا مشاعر. في الواقع بالنسبة للرواقيين سيكون من الأدق القول: نحن نخضع لمشاعرنا لأننا لا نبذل الجهد المطلوب للسيطرة عليها، لأن  الهدف الأساسي من  الوجود الإنساني لدى الرواقيون هو بلوغ السعادة والحكمة، التي ترتبط بالرضا عن الوجود الذي نعيش فيه، وهناك عبارة لسارتر تلخص وجهة نظر الرواقيين جيدًا: "المهم ليس ما فعلوه بنا، بل ما نفعله نحن بما فعلوه بنا". 

 

تعليقات