محاكمة سقراط: الحدث الذي غيّر مسار الفلسفة




محاكمة سقراط: الحدث الذي غيّر مسار الفلسفة

   في عام 399 قبل الميلاد، شهدت أثينا واحدة من أهم المحاكمات في التاريخ الإنساني، محاكمة كان لها أثر عميق على مسار الفلسفة والفكر الإنساني. لم تكن مجرد محاكمة عادية لرجل عجوز يبلغ من العمر سبعين عامًا، بل كانت مواجهة بين طريقتين مختلفتين في النظر إلى الحياة والمعرفة والحقيقة، والقدرة على مواجهة صعوبات الصراع بين الحق والباطل. حيث  اعتمد النظام القضائي في أثينا القديمة على مبدأ المحاكمة بواسطة هيئة محلفين كبيرة العدد. و في قضية سقراط، تم اختيار 501 رجل أثيني بالقرعة العشوائية، جميعهم فوق سن الثلاثين وبلا سوابق إجرامية. كان هذا العدد الكبير مصممًا لتحقيق هدفين: تمثيل جموع الشعب، وتجنب شبهة الرشوة. أما العدد الفردي فكان لضمان عدم انتهاء التصويت بالتعادل.

المنهج السقراطي والإزعاج الفلسفي

شبّه سقراط نفسه بالداية- التي تولد الأطفال-، مثل والدته، لكن بدلاً من مساعدة النساء على ولادة الأطفال، كان يساعد الناس على "ولادة" أفكارهم. هذه الطريقة، المعروفة باسم "Elenchus(التفنيد أو الدحض)، كانت تتضمن طرح أسئلة متتالية على أي شخص يدّعي المعرفة في موضوع معين، ويتضخ هذا الأمر في محاورات سقراط، فمثلا في  حوار سقراط مع يوثيفرو، الذي كان يسعى لإعدام والده بدعوى التقوى، كيف كان يعمل المنهج السقراطي:

  • بدأ سقراط بسؤال بسيط: "ما هي التقوى؟"
  • عندما أجاب يوثيفرو بمثال بدلاً من تعريف، طالبه بالتعريف الحقيقي
  • عندما عرّف التقوى بأنها "الأفعال التي تحبها الآلهة"، أشار سقراط إلى تناقض آراء الآلهة المختلفة.
  • استمر في طرح الأسئلة حتى كشف عن عدم وضوح مفهوم التقوى لدى يوثيفرو

كانت نتيجة هذه المحاورات دائمًا إزعاج المحاور، الذي يكتشف أن ما ظنه معرفة راسخة ما هو إلا أوهام. هذا الإزعاج المستمر جعل الكثيرين يكرهون سقراط ويرونه مشاغبًا يقلق راحة الناس، لأنه لا يقبل بالأفكار والاجابات الجاهزة بل يسعى إلى البحث عن إجابات غير مألوفة وتقود إلى نوع من الرؤية العميقة والنقدية تجاه الواقع والفكر الإنساني، بشكل عام.

التهم الموجهة إلى سقراط واجه سقراط ثلاث تهم رئيسية:

1.   الشعوذة والكفر بآلهة أثينا: اتُهم بعدم الإيمان بالآلهة التقليدية للمدينة

2.   الدعوة لعبادة آلهة جديدة: زُعم أنه يروج لمعتقدات دينية مختلفة

3.   إفساد عقول الشباب: اتُهم بتضليل الشباب الأثيني وإفساد أخلاقهم

الرد على التهم القديمة: حكاية عرّافة دلفي

بدأ سقراط دفاعه بحكاية عن صديقه شريفون، الذي سأل عرّافة معبد دلفي: "هل هناك أحد أكثر حكمة من سقراط؟" فكان جوابها: "لا." استغرب سقراط من هذه الإجابة، فقرر اختبارها بالبحث عن أشخاص يمتلكون المعرفة في مختلف المجالات. بعد محاورات عديدة، توصل إلى استنتاج مهم: لم يجد أحدًا يمتلك المعرفة الحقيقية التي يدّعيها، ولم يجد أحدًا يعترف بجهله سواه. والخلاصة التي وصل إليها سقراط هي أنه الأكثر حكمة لأنه الوحيد الذي يعترف بجهله داخل المجتمع الذي يعيش فيه.

مواجهة المدعي ميليتوس:

استخدم سقراط منهجه التساؤلي حتى في دفاعه، فواجه المدعي ميليتوس بأسئلة محرجة:

حول إفساد الشباب:

  • "إذا كنت أفسد الشباب، فمن الذي يفيدهم؟"
  • "هل يعقل أن كل الناس تفيد الشباب وأنا وحدي أضرهم؟"
  • "لماذا أفسد الشباب عمدًا وأنا أعيش بينهم وسيؤذونني إن فسدوا؟"

حول الإلحاد:

  • "كيف أكون ملحدًا ومشعوذًا في الوقت نفسه؟"
  • "إن كنت أستعين بقوى إلهية، فكيف أكون كافرًا بالآلهة؟"

 

الموقف من الموت والمبادئ:

رفض سقراط أي مساومة تتطلب منه التوقف عن ممارسة الفلسفة، معلنًا مبدأه الشهير: "الحياة التي لا تحتوي على أسئلة أو فلسفة، حياة لا تستحق أن تُعاش." ثم أعلن سقراط عدم خوفه من الموت، مبررًا ذلك بقوله: "لا أعرف ما سيحدث بعد الموت، ومن الجهل أن نخاف من شيء لا نعرفه."

نتيجة المحاكمة:

التصويت الأول: الإدانة صوّت 280 محلفًا لصالح إدانة سقراط، مقابل 221 للبراءة. مما أثار دهشة سقراط نفسه، الذي توقع هامش إدانة أكبر. وفقًا للقانون الأثيني، كان على المدعي والمدعى عليه اقتراح عقوبة، ثم يختار المحلفون بينهما. اقترح ميليتوس الإعدام بالسم، بينما فاجأ سقراط الجميع باقتراحه: "أستحق أن تُقدم لي وجبة مجانية كل يوم لبقية حياتي، مثل الأبطال الأولمبيين."

التصويت الثاني: الإعدام استفز هذا الاقتراح المحلفين أكثر، فزاد عدد المصوتين لصالح الإعدام إلى 360، مقابل 141 فقط للعقوبة البديلة.

تحويل المحاكمة إلى رسالة خالدة :

لم يكن هدف سقراط النجاة بحياته، بل استغلال المحاكمة لتحقيق هدف أكبر: تحويل نفسه من متهم إلى متهِم، ومحاكمة أثينا بدلاً من أن تحاكمه هي، أصبح هو من يحاكمها ويسائل أفعالها وتصوراتها، مما يجعل منه صاحب قوة ومكانة في التغيير وصناعة الأفكار الغير متعود عليها، هنا نجح سقراط في تحويل  محاكمته إلى بيان فلسفي خالد، حيث،  أكد على أهمية طرح الأسئلة والتفكير النقدي، ورفض التنازل عن المبادئ مقابل الحياة، كما أنه  أظهر الشجاعة في مواجهة الموت دفاعًا عن المعتقدات، والنتيجة هي تحويل الهزيمة الظاهرية إلى انتصار فكري دائم.

الأثر التاريخي والفلسفي تأسيس مبدأ حرية التعبير

تُعتبر محاكمة سقراط من أولى الحوادث المُوثّقة في التاريخ حيث يُحاكم شخص بالإعدام بسبب شجاعته في التعبير عن آرائه ومعارضة التيار السائد. كما أثّرت محاكمة وموت سقراط على تلاميذه، خاصة أفلاطون، الذي خلّد تعاليم أستاذه في محاوراته. كما أرست الأسس لمفهوم الفلسفة كنشاط نقدي يتحدى المسلمات، حيث أصبح سقراط رمزًا للمفكر الذي يضحي بحياته من أجل مبادئه، والذي يفضل الموت على التنازل عن حقه في التساؤل والتفكير النقدي.

الحياة كلوحة فنية

تعامل سقراط مع حياته كما يتعامل الرسام مع لوحته، حيث رسم كل تفصيل بعناية، حتى موته. فقد أصر على أن تبقى "لوحة حياته" مثالية ومتسقة مع مبادئه حتى اللحظة الأخيرة. في محاورة "كريتو"، رفض سقراط خطة الهروب التي دبرها له تلميذه، مؤكداً أن الحكم الظالم لا يبرر كسر قوانين أثينا. وقال: "لو كسر كل إنسان القوانين لحسابه، فلن تبقى للقوانين أي قيمة." حتى في محاورة "فيدو"، اللحظات الأخيرة قبل شرب السم، استمر سقراط في الحديث عن معنى الموت وخلود الروح، ملتزماً بواجبه الفلسفي حتى النفس الأخير.

السؤال الأزلي: كيف نعيش؟

السؤال الذي عاش ومات سقراط من أجله: "كيف نعيش؟" لم يقدم له إجابة قاطعة، وهذا هو جوهر فلسفته. الإجابة التي حاول إيصالها هي أننا لا نملك إجابة واضحة وصريحة، لكن الحياة التي تستحق أن تُعاش هي تلك التي نقضيها في البحث المستمر عن إجابات لهذه الأسئلة الكبرى. لأن الكنز ليس في الإجابة بعينها، بل في رحلة البحث عن هذه الإجابات. هذا ما جعل سقراط يرفض الكتابة، معتبراً أن الحروف المكتوبة "حروف ميتة" لا تنقل خبرة حقيقية ولا تحفز على التفكير الحقيقي.

أفلاطون: الراوي الأمين أم المبالغ؟

هنا تأتي المفارقة الكبرى: سقراط الذي لم يؤمن بالكتابة، لم يترك لنا كلمة واحدة مكتوبة بيده. غير أن كل ما نعرفه عنه وصلنا عبر تلميذه الشاب أفلاطون، الذي كان في العشرينات من عمره عندما حضر محاكمة أستاذه، أفلاطون، المبهور بعبقرية معلمه والمقهور من حكم العوام عليه بالموت، قرر تخليد ذكراه عبر الكتابة. لكن هذا يثير تساؤلات حول مصداقية ما وصلنا، فبعض المؤرخين يشككون في كون كل المحاورات المنسوبة لسقراط حقيقية، معتقدين أن بعضها من إبداع أفلاطون نفسه.

سقراط في عصر الذكاء الاصطناعي

في مقال بعنوان دراسي لأستاذة الفلسفة كاريسا فيليز من جامعة أكسفورد، تُطرح مقارنة مثيرة بين فلسفة سقراط وعصر الذكاء الاصطناعي. السؤال المحوري: هل تخوف سقراط من مصادر المعرفة الجاهزة كان مبالغاً فيه؟ سقراط أراد منا البحث عن الحقيقة، لكن   ChatGPT  كما يشير المقال - لم يُصمم لتتبع الحقيقة، بل لتقديم تخمينات مبنية على أنماط متكررة، الذكاء الاصطناعي لا يقدم معرفة حقيقية، بل النسخة الأكثر تكراراً من إجابة السؤال.

هذا يعني أنه لو قرر العالم تكرار معلومة خاطئة مثل "2+2=5"، فهناك احتمال كبير لأن تتبناها الآلة وتعتبرها صحيحة. الآلة تعتمد على ردود الأفعال البشرية والأنماط المتكررة، مما يجعلها تقدم الإجابة التي ترضي الإنسان، تماماً كما كان الناس في زمن سقراط يؤمنون بالإجابات الشائعة.

التحدي المعاصر

لو كان سقراط معنا اليوم، لكان أول من ينتقد اعتمادنا على مصادر المعرفة الجاهزة، على عكس سقراط، لن يقول أبداً "لا أعرف"، ولن ينبهك إلى حدود معرفتك. بل سيقدم تخمينات كحقائق، مصمماً لإرضائك وإعفائك من عملية التعلم الطويلة واختبار القناعات. هذا ما جعل المقال يصف ChatGPT   بأنه "أستاذ كابوسي"، لأنه يحرمنا من التجربة الحقيقية للتعلم والبحث عن الحكمة، تلك التجربة التي كرس سقراط حياته لتشجيع الناس عليها.

وبالتالي فإن كل التساؤلات حول تاريخية شخصية سقراط وحول مصداقية ما نُقل عنه، تبقى رسالته واضحة: لا تصدق الكلام على الفور، ابحث في المصادر، فكر في كل معلومة واختبرها. قد تصل لإجابة صحيحة أو خاطئة، لكن الأكيد أن طريقة التفكير هذه، رغم صعوبتها وإرهاقها، تبقى أسلم الطرق وأكثرها ثراءً للإجابة على السؤال الأزلي: كيف نعيش؟

خاتمة: السؤال بلا إجابة قاطعة

"كيف نعيش؟" سؤال بلا إجابة قاطعة، لكن البحث عن إجابته هو ما يعطي معنى للحياة، لهذ ا فإن سقراط، سواء كان شخصية تاريخية حقيقية أم أسطورة فلسفية، قدم لنا نموذجاً للحياة المُفكرة، الحياة التي تستحق أن تُعاش لأنها تبحث باستمرار عن إجابات للأسئلة الكبرى.  لأن يذكرنا بأن الحياة التي لا نفحصها ونتساءل عنها هي حياة لا تستحق العيش، وأن الشجاعة الفكرية أحيانًا تتطلب التضحية بكل شيء، حتى الحياة نفسها، من أجل الحفاظ على حقنا في التفكير والتساؤل. لكن في عصر المعلومات السريعة والذكاء الاصطناعي، تصبح دعوة سقراط للتفكير النقدي والشك المنهجي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالحكمة الحقيقية ليست في امتلاك الإجابات، بل في معرفة حدود معرفتن

 


تعليقات