النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية والمدرس الضامن للنجاح المدرسي

 


النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية والمدرس الضامن للنجاح المدرسي

مفهوم النموذج البيداغوجي

النموذج في أبسط تعريفاته اتجاهٌ عقلي يتشكّل من منظومة مترابطة من المفاهيم والعلاقات المتداخلة، المرتبطة بالواقع والعالم الحقيقي. وهو لا يُستخدم لغرض واحد، بل يخدم أهدافاً متعددة ومتكاملة: فهو أولاً أداةٌ وصفية تُمكّن من تمثُّل الأنظمة المعقدة وفهمها بشكل أدق، وثانياً أداةٌ تحليلية تُعين على تفكيك هذه الأنظمة واستجلاء آليات اشتغالها، وثالثاً وسيلةٌ دعم لاتخاذ القرار بما يُحسّن من أداء المنظومة، ورابعاً جسرُ تواصل يُمكّن المخططين والمسؤولين من تبادل الرؤى وبناء فهم مشترك.

وحين يُطبَّق هذا المفهوم في حقل التربية والتعليم، يصبح ما يُعرف بالنموذج البيداغوجي، وهو نسقٌ من التصورات والنظريات التربوية المتكاملة التي تُشكّل مرتكزات الفعل التعليمي التعلمي وغاياته ومضامينه ومبادئه، بما يشمل المناهج والمقاربات وأنظمة التقييم والامتحانات. بهذا المعنى، يغدو النموذج البيداغوجي جوهرَ عمل المدرسة بمختلف مكوناتها، وأساس اضطلاعها بوظائفها في التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم والتثقيف والتكوين.

أولاً: مكونات النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية

انطلاقاً من الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015-2030)، يرتكز النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية على ست مكونات بنيوية متكاملة ومترابطة.

1-غايات المدرسة ووظائفها:  هي المكوّن الأول الذي يُحدد هوية المدرسة وتوجهاتها الكبرى، ويشمل التربية على القيم والاختيار الحر، وتنمية التعلم الذاتي، وترسيخ الانفتاح على الثقافات الأخرى، وجعل المدرسة مؤسسةً حيّة متفاعلة مع محيطها.

2-المناهج والبرامج والتكوينات: هي المكوّن الثاني الذي يُجسّد هذه الغايات في محتوى قابل للتنفيذ، ويقوم على مبادئ التخفيف والتنويع والتنقيح، واعتماد منهاج وطني مندمج بمكونات جهوية، مع جعل المتعلم محور العملية التعليمية التعلمية بدلاً من الاكتفاء بموقع المتلقي.

3-المقاربات البيداغوجية والوسائط التعليمية: تُشكّل المكوّن الثالث، وتضم طيفاً واسعاً من البيداغوجيات الحديثة كبيداغوجيا حل المشكلات، وبيداغوجيا الخطأ، والبيداغوجيا الفارقية، وبيداغوجيا الأهداف، وبيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا الكفايات، فضلاً عن توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التدريس.

4-الإيقاعات الزمنية للدراسة والتعلم هي المكوّن الرابع الذي يُعنى بضبط الزمن المدرسي بما يلائم الخصائص النفسية والنمائية للمتعلم، ويتضمن تخفيف البرامج الدراسية، وإدماج أنشطة الحياة المدرسية في الزمن الدراسي، وإدراج حصص للدعم التربوي.

5-التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي يُمثّل المكوّن الخامس، ويرمي إلى مرافقة المتعلم في بناء مشروعه الشخصي، عبر اعتماد التوجيه المبكر، ومصاحبة النبوغ والتفوق، وإحداث مسارات ومؤسسات مهنية جديدة.

6-نظام الامتحانات والتقييم يختتم هذه المكونات بوصفه المكوّن السادس، ويسعى إلى ترسيخ مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، وإعطاء مصداقية للامتحانات الإشهادية، وبناء معايير موحدة للاستحقاق، وإرساء إطار وطني شامل للإشهاد.

ثانياً: المنهاج الدراسي والمقاربات البيداغوجية الحديثة

المنهاج المنقح: روح جديدة للتعليم الابتدائي

يقوم المنهاج الجديد للتعليم الابتدائي على هندسة متجددة تجمع بين مرجعيات بيداغوجية وتربوية ومؤسسية وقيمية. ومن أبرز ما يُميّزه أنه يستبدل المواد والمكونات التقليدية بأقطاب تعليمية مندمجة، ويُقلّص الغلاف الزمني للتمدرس، ويُعوّض هذا الوقت بأنشطة صفية مندمجة وأنشطة خارج صفية متنوعة، تفاعلاً مع متطلبات التربية المعاصرة.

وتتمحور أهداف هذا المنهاج حول مراعاة الإيقاع الزمني والخصوصيات النفسية والاجتماعية والبيئية للمتعلم، والسعي إلى تنمية مهارة التعلم الذاتي، واختيار طرائق وأساليب تتوافق مع مستويات المتعلمين وتنسجم مع المقاربات البيداغوجية الحديثة.

ثالثاً: المدرس الضامن للنجاح المدرسي

مهنة المدرس ومهامه:

تتوزع مهام المدرس على محورين رئيسيين متكاملين. يتعلق المحور الأول بـالتدبير الإداري، ويتجلى في انخراط المدرس في مجالس المؤسسة وأنشطتها، وهو انخراط يُوسّع دائرة تأثيره ويُرتقي بالعمل التربوي. أما المحور الثاني فيتعلق بـالتدبير التربوي، ويشمل التخطيط لوضعيات التعلم وتنفيذها وتقويمها، وإكساب المتعلمين الكفايات والمهارات والقدرات بأساليب تدريسية حديثة، وهيكلة التفاعلات بين الأفراد والمجموعات داخل الفصل.

دور المدرس في تجويد التعلمات

لا يقتصر دور المدرس اليوم على نقل المعرفة، بل أصبح يتمحور حول تهيئة الوضعيات المركبة التي تستثير قدرات المتعلم الذاتية. يُساعد المدرس المتعلمَ على تحديد المشكلة أو موضوع الوضعية، ثم يُوجهه نحو الموارد الواجب استثمارها، ثم يُعينه على تنظيم هذه الموارد بكيفية هادفة ومنتجة. بهذا المعنى، يغدو دور المدرس توجيهياً وإرشادياً ومنهجياً وتحفيزياً، لا مجرد ناقل للمعلومات، إضافة إلى تشجيع المتعلم على اكتساب مهارات التفكير النقدي، ورؤية الأشياء من زوايا جديدة تحددها أبعاد إنسانية وتواصلية.

رابعاً: الإشراف التربوي وتنسيق عمل المدرسين

Ø   مفهوم الإشراف التربوي وأهميته:

الإشراف التربوي نظامٌ فرعي داخل النظام التعليمي الكلي، وقد اتسعت تعريفاته وتباينت بحسب زوايا النظر إليه. فمن ربطه بالإدارة التربوية، كـ"هاريس" الذي اعتبره موجهاً نحو الحفاظ على عمليات التعليم والتعلم وتطويرها، إلى من رأى فيه خدمةً فنية تقوم على التخطيط السليم لتحسين هذه العملية كما ذهب "آدمز"، وصولاً إلى "ويلز" الذي اعتبره مهمةً قيادية تمد الجسور بين الإدارة والمناهج والتدريس.

وتبرز ضرورة الإشراف التربوي من حقيقة أن المعارف التربوية في تطور مستمر بفضل البحث العلمي، فيما يصعب على المدرس توظيف هذه المعارف المتجددة منفرداً نظراً للفجوة القائمة بين النظري والتطبيقي، وثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه. كما يُسهم الإشراف في تبادل الخبرات بين الأساتذة والمؤسسات، وفي تجديد العملية التربوية وتطويرها.

Ø   مهام الإشراف التربوي:

تتعدد مهام الإشراف التربوي وتتكامل فيما بينها: ربط المواد الدراسية أفقياً وعمودياً لتحقيق الانسجام المنهجي، وتحسين المناخ العام في المدرسة بتطوير العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وتذليل المشكلات التي تواجه التلاميذ، وإرساء قيادة ديموقراطية تخلق جواً مهنياً أخوياً يُثمّن العمل الجماعي ويُعطي القدوة، إضافةً إلى اكتشاف نقاط قوة الفاعلين وتنميتها، ومساعدة المدرسين الجدد على تجاوز صعوباتهم.

Ø   خصائص الإشراف التربوي وأنواعه:

يتسم الإشراف التربوي الناجع بجملة من الخصائص المتكاملة: إنه عملية قيادية تستلزم شخصية قوية، وعملية تفاعلية متغيرة، وتعاونية تؤمن باختلاف وجهات النظر، وتعنى بالعلاقات الإنسانية، وتُشجع على البحث والتجريب والإبداع، وتسعى إلى بناء التقويم الذاتي لدى العاملين.

وتتوزع أنواعه بين الإشراف التصحيحي الذي يعالج الاختلالات القائمة، والإشراف البنائي الذي يستهدف تطوير الكفايات وتحسين مستوى الأداء، والإشراف الوقائي الذي يتدخل قبل وقوع الأخطاء، والإشراف الإبداعي الذي يفتح آفاقاً جديدة للممارسة التربوية.

خامساً: التكوين الذاتي والمستمر في تجويد الممارسة المهنية

Ø   التكوين الذاتي:

التكوين الذاتي نمطٌ من التكوين يتولاه الفرد بنفسه، معتمداً على المراجع والمصادر والمجلات التربوية والندوات والورشات وشبكة الإنترنت، بغية تطوير أدائه المهني. وتتجلى فوائده في منح المدرس قوةً داخلية تدفع إلى التجدد واستمرارية تحقيق الذات، وتطوير مستواه المعرفي لمواكبة التحولات المتسارعة في مختلف الميادين، وتعزيز ثقته بنفسه ودافعيته للعمل وامتلاكه لأساليب الإبداع.

Ø   التكوين المستمر:

التكوين المستمر منظومة شاملة تضم جميع الأنشطة النظرية والتطبيقية المنظمة من طرف جهاز رسمي، لفائدة فئات مهنية بعينها، انطلاقاً من أهداف واضحة ومحددة، باستخدام أساليب متنوعة كاللقاءات والندوات والمحاضرات وورشات العمل. ويُعدّ هذا النوع من التكوين أحد المفاتيح الكبرى لإصلاح منظومة التربية، إذ يُحسّن جودة الموارد البشرية، ويُعدّ الفاعلين لاستقبال التطورات المرتقبة، وينقل التكوين من مستوى اكتساب المعارف النظرية إلى مستوى المعرفة التجريبية والممارسة الحية.

ولكي ينجح التكوين المستمر، لا بد من توافر ثلاثة أبعاد: بُعدٌ ذاتي يضمن توافقه مع قيم المكوَّنين واحتياجاتهم وانتظاراتهم، وبُعدٌ مهني يجعله واقعياً وقابلاً للتطبيق داخل الفصل بأقل الموارد، وبُعدٌ علائقي يضمن استمراريته وخضوعه للتتبع والتقييم من قِبَل ذوي الخبرة.

ويُقيَّم أثر التكوين المستمر عبر خمسة مستويات متدرجة: رد فعل المشاركين، ووقع التكوين على معارفهم ومهاراتهم، ومدى ملاءمة الوسائل للتغيير المستهدف، ومدى توظيف المكتسبات في الممارسة الفعلية، وصولاً إلى وقع التكوين على التحصيل الدراسي للمتعلمين.

سادساً: تحليل الممارسات المهنية وتحقيق البعد التبصري

تحليل الممارسة المهنية سيرورةٌ منهجية تستهدف بناء مهارات المدرس وتطويرها، عبر جعل ممارساته موضوعاً للتفكير والتأمل، بما يُمكّنه من تعديلها وتطويرها باستمرار. وتنتظم هذه الممارسة حول أربعة أبعاد: البُعد الديداكتيكي المتعلق بمضامين التعلمات، والبُعد البيداغوجي المتعلق بتقنيات وطرائق التدريس، والبُعد العلائقي المرتبط بالتواصل وتدبير التفاعلات، والبُعد الشخصي المتعلق بهوية المدرس المهنية وقناعاته.

ويُفيد تحليل الممارسة الصفية قبل الفعل التعليمي وأثناءه وبعده في تمكين المدرس من تمثّل الأنشطة التعليمية التعلمية وسبل تنفيذها في مراحلها المختلفة، واكتساب حسّ استشرافي يُمكّنه من الكشف الآني للصعوبات ومعالجتها، وتطوير أدائه عبر ممارسة تأملية نظرية وتطبيقية ذات مرجعيات موضوعية، وامتلاك مؤشرات ذاتية وإجرائية لتشخيص أدائه المهني وتحسينه انطلاقاً من تجاربه الخاصة أو من ملاحظة تجارب الآخرين.

خاتمة:

يتضح مما سبق أن النموذج البيداغوجي للمدرسة المغربية ليس مجرد إطار نظري مجرد، بل هو منظومة متكاملة تتشابك فيها أبعاد المنهاج والمقاربات والإشراف والتكوين وتحليل الممارسة، وكلها تصبّ في غاية واحدة: بناء مدرسة ضامنة للنجاح تجعل المتعلم محورها، والمدرسَ قائدَها التربوي الفاعل والمتجدد.

 

تعليقات