نظريات التعلم - النظرية السوسيوبنائية والنظرية المعرفية
شكلت نظريات التعلم الإطار العام الذي
يشمل الكثير من الحقائق والقوانين التي تتصل بتفسير ظاهرة التعلم سواء عند الإنسان
أو الحيوان. إذ نجد الكثير من الباحثين الذين اهتموا برصد هذه الظاهرة من أمثال
ثورندايك، بافلوف، سكينر، كوفكا، كوهلر، بياجي، وبرونر...وغيرهم.
النظرية السوسيوبنائية
يعتبر فيكوتسكي Lev Vygotsky من أبرز رواد النظرية السوسيوبنائية حيث يذهب إلى أن التعلم سيرورة
اجتماعية يتحدد بالسياق الثقافي والاجتماعي. ويرى فيكوتسكي أن التعلم سابق عن
النمو السيكولوجي ومؤثر فيه، فهم يتم من خلال التفاعلات الاجتماعية مع الراشد أو
في إطار العمل المشترك بالتعاون مع الأقران أو النظراء.
يميز فيكوتسكي بين مستويين للنمو هما:
- المستوى الحالي Actuel للنمو الذي وصل إليه الطفل ويتجلى في
قدرته على حل المشكلات بمفرده.
- المستوى الكامن Potentiel للنمو والذي يظهر من خلال قدرة الطفل
على حل المشاكل بمساعدة الراشد أو الآخرين.
- تسمى المسافة التي تفصل بين مستوى
النمو الحالي ومستوى النمو الكامن حسب فيكوتسكي "المنطقة القريبة للنمو Zone proximale de
développement وتعتبر النظرية السوسيوبنائية أن المعارف تبنى اجتماعيا من طرف
المتعلم وذلك في سياق قائم على التفاوض والتفاعل."
ترى هذه النظرية
أن المتعلم يطور كفاياته المعرفية من خلال التفاعل مع الجماعة أو الأقران. يقوم
التعلم حسب هذه النظرية على وجود صراع معرفي. فعندما يكون المتعلم في مواجهة وضعية
مشكلة يحدث صراع يتطلب حله أو تجاوزه في تقاسمه والتفاوض مع متعلمين آخرين، فيتطور
الصراع المعرفي إلى صراع سوسيو-معرفي يساعد على تطوير التعلم.
التعلم إذن يؤدي إلى النمو وذلك بتنشيط
وتحريك مجموعة من السيرورات المعرفية التي يصل إليها الطفل في إطار التفاعلات مع
الراشد، أو في إطار العمل المشترك بالتعاون مع الأقران.
تعتبر هذه
النظرية إطارا مرجعيا لمجموعة من التطبيقات التربوية مثل: التعليم التشاركي،
والمرافقة المعرفية، وطريقة حل المشكلات، والتدريس بالمجموعات...وغيرها.
النظرية المعرفية:
ظهرت
السيكولوجيا المعرفية في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وبالضبط سنة 1956 مع
أعمال كل من برونرBruner
وميلر Miller من جامعة هارفارد. وقد أعطت هذه
النظرية أهمية قصوى للتمثلات المركزية les représentation centrales وعملت على تفسير آليات الاشتغال الذهني
من أجل فهم وتحليل ما يجري في العلبة السوداء
.
La boite noire
أما برونر فقد
قام بدراسة سيرورة التفيئة Catégorisation حيث طلب من التلاميذ ترتيب بطاقات تتعلق بألوان وأشكال مختلفة فوجد
بأن التلاميذ لا يستعملون استراتيجيات ذهنية واحدة، مما أدى إلى تغيير النظرة إلى
نشاط الذهن الإنساني باعتباره نشاطا معرفيا ديناميكيا وليس سلوكا نمطيا.
اتفاق مجموعة من
العلماء بالولايات المتحدة الأمريكية حول مشروع تصميم ذكاء اصطناعي intelligence
artificielle يحاكي
الذكاء الإنساني وقد جمع هذا المشروع مجموعة من التخصصات التي تسمى اليوم بالعلوم
المعرفية مثل: السيكولوجيا والهندسة والرياضيات وفيزيولوجيا الأعصاب واللسانيات
والفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد.... وغيرها من العلوم المعرفية.
ومن الركائز
التي تعتمدها السيكولوجيا المعرفية الحالية في تفسيرها لميكانيزمات الاشتغال
الذهني نظرية معالجة المعلومات الناتجة عن علم الحاسوب وهي النظرية التي تعتبر
الإنسان شبيها بالحاسوب لأنه يستقبل المعلومات من المحيط ثم يخزنها في الذاكرة
ويعالجها ويعيد بناءها ويستثمرها في حل المشكلات.
ركزت
السيكولوجيا المعرفية على التمثلات وعملت على تفسير آليات الاشتغال الذهني حيث
أصبح التعلم يسمى تغيير المعارف عوض تغيير السلوك. فالتعلم حسب السيكولوجيا المعرفية نتاج
للنشاط الفعال الذي يقوم به الفرد لبناء وتطوير معارفه وفق الإمكانات التي يوفرها
له المحيط وكذلك الاستعدادات الخاصة والقدرات التي يمتلكها.
إذن فالنمو والتعلم حسب هذا المنظور
المعرفي سيرورتان داخليتان تحدثان على مستوى ذهن الفرد وتمثلاته ولا يمكن الفصل
بينهما.
تعتبر
السيكولوجيا المعرفية التعلم نشاطا معرفيا ديناميكيا يعتمد على استراتيجيات مختلفة
وليس مجرد سلوك نمطي. لذلك اتجهت إلى تفسير ظاهرة التعلم انطلاقا من فهم وتحليل ما
يجري في العلبة السوداء، وليس فقط ملاحظة السلوك الظاهر.
لكن هذا التصور
الجديد في تفسير النشاط المعرفي أو ما يقع في العلبة السوداء لم يسلم من انتقادات
كثيرة وجهت له من طرف النظريات الأخرى، خاصة سكينر الذي انتقد الطرح
المعرفي واعتبره نوعا من النكوص أو عودة إلى المنهج الاستبطاني القديم، إضافة إلى
ذلك انتقد سكينر النماذج الافتراضية التي تعتمدها هذه النظرية المعرفية ليقترح
تطبيق المنهج الاستقرائي في تفسير السلوك اعتمادا على التحليل التجريبي.
كما وجهت إليها انتقادات أخرى من داخل
السيكولوجيا المعرفية على يد برونر لكونها أهملت البعد الاجتماعي والثقافي
للاشتغال المعرفي. ومن بين التطبيقات التربوية لهذه النظرية تأطيرها لبيداغوجيا
الكفايات والإدماج، البيداغوجيا الفارقية واستراتيجيات التعلم وتقنيات العصف
الذهني وهي طريقة جماعية لحل المشكلات.
