مؤسسات الريادة في النظام التعليمي المغربي: مشروع تطوير التعليم الابتدائي

 



مقدمة:

يشهد النظام التعليمي المغربي في السنوات الأخيرة تحولات جذرية تهدف إلى تحسين جودة التعليم ورفع مستوى الأداء التربوي. ومن أبرز هذه المبادرات مشروع "مؤسسات الريادة" الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والذي يعتبر نموذجاً جديداً لتطوير المدرسة العمومية المغربية.

نشأة وتطور المشروع:

البداية والانطلاقة:

انطلق مشروع مؤسسات الريادة خلال الموسم الدراسي 2022-2023، حيث بدأت الحكومة المغربية بتطبيق هذا المشروع الطموح في قطاع التعليم الابتدائي. وقد أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بيتاس، عن استمرار هذا المسار في إطار التدرج نحو التعميم على جميع المؤسسات التعليمية بالمملكة.

الرؤية المستقبلية:

تهدف الحكومة المغربية إلى تحقيق التعميم الكامل لمشروع مؤسسات الريادة بحلول الموسم الدراسي 2027-2028، بحيث تصبح جميع المؤسسات التعليمية في المغرب مؤسسات ريادة تتميز بمعايير الجودة والتميز التربوي.

أهداف المشروع

1-رسم معالم المدرسة العمومية المنشودة

يسعى المشروع إلى رسم معالم للمدرسة العمومية المنشودة وفق مقاربة تشاركية، تهدف إلى استعادة المدرسة العمومية لدورها الريادي في المجتمع المغربي وتعزيز مكانتها كمؤسسة تعليمية متميزة تقدم تعليماً عالي الجودة.

2-إحداث تحول شامل:

يروم المشروع إحداث تحول شامل في أداء المؤسسات التعليمية، من خلال الانتقال من مفهوم "المؤسسات العادية" إلى "مؤسسات الريادة" التي تحقق جميع الالتزامات المنصوص عليها في خريطة الطريق الوطنية لإصلاح التعليم.

3-تطوير نظام التكوين والتأهيل:

يهدف المشروع إلى ترسيخ نظام متطور للتكوين المستمر والتأهيل المهني للأطر التعليمية، مما يضمن تحسين الأداء التربوي ورفع مستوى الممارسات الصفية.

الإحصائيات والأرقام

المؤسسات المستفيدة:

استفادت من المشروع في مرحلته الأولى 628 مؤسسة ابتدائية عمومية في جميع أنحاء المملكة، والتي حصلت على تسمية "مؤسسات الريادة" وعلامة الجودة المرافقة لها.

المتعلمون والأطر التعليمية

شمل المشروع في مرحلته الأولى:

  • 322,000 متعلم ومتعلمة
  • 10,000 مدرس ومدرسة
  • 158 مفتشاً تربوياً للتأطير والمواكبة

المكونات الأساسية للمشروع: 

يرتكز مشروع مؤسسات الريادة على ثلاثة مكونات أساسية متكاملة:

-1التلميذ والبيئة التعليمية:

يعتبر التلميذ المحور الأساسي للعملية التعليمية، ولذلك يسعى المشروع إلى توفير بيئة تعليمية صحية ومحفزة تضمن ظروفاً مناسبة للتعلم والنمو المتكامل. ويشمل ذلك ضرورة معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تؤثر على المسار الدراسي للتلاميذ.

2- الأستاذ والتكوين المستمر :

يحتل الأستاذ موقعاً محورياً في نجاح المشروع، حيث يعتبر العنصر الأساسي في تحقيق الجودة التعليمية المنشودة. ولهذا يركز المشروع على التكوين المستمر والتطوير المهني للأطر التعليمية، مع ضرورة تطوير الضمير المهني والالتزام بقيم التعليم.

3- المؤسسة التعليمية والبنية التحتية

تشكل المؤسسة التعليمية الإطار المادي والتنظيمي الذي تتم فيه العملية التعليمية. ولذلك يولي المشروع اهتماماً خاصاً بتطوير البنية التحتية للمدارس وتحسين الظروف المادية والتقنية اللازمة لبيئة تعليمية متميزة.

المرتكزات البيداغوجية

1- مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TARL)

تعتبر مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب أحد أهم المرتكزات البيداغوجية للمشروع. وهي تتضمن برنامجاً للمعالجة المكثفة يهدف إلى تصحيح النقائص المرصودة في مهارات القراءة والحساب لدى التلاميذ والتلميذات، خصوصاً في التعليم الابتدائي.

تعتمد هذه المقاربة على:

  • التقييم المستمر لمستوى التلاميذ في المهارات الأساسية
  • تحديد الفجوات التعليمية بدقة
  • تطبيق استراتيجيات تعليمية مناسبة لكل مستوى
  • المتابعة والتقويم المستمر للتقدم المحرز

2-التدريس وفق مقاربة الأستاذ المتخصص :

تهدف هذه المقاربة إلى تخصص المدرسات والمدرسين في مجالات تتناسب مع تكوينهم والمهارات التي يتوفرون عليها. وهذا يعني أن كل أستاذ يجب أن يدرس في المجال الذي يتمكن فيه ويتقنه، مما يرفع من جودة العطاء التربوي.

3- علامة الجودة :

تمثل علامة الجودة الخاصة بمؤسسات الريادة رمزاً للتميز والإنجاز، وهي تعكس قدرة المؤسسة على تحقيق المعايير المطلوبة في التعليم والتعلم. وتتمثل هذه الجودة في تمكين المتعلم من تحقيق كامل إمكانياته عبر اكتساب الكفايات الضرورية: العملية والعلمية والمعرفية والتواصلية.

نظام الحوافز والتشجيع

التعويضات المالية:

يحصل الفريق التربوي العامل في مؤسسات الريادة على تعويضات فردية صافية قدرها 10,000 درهم سنوياً، وذلك كتحفيز مالي يعكس الجهود الإضافية المبذولة في إطار هذا المشروع.

شروط الاستفادة: للاستفادة من هذا التعويض، يجب على الأساتذة:

  • اجتياز تكوين خاص بمؤسسات الريادة
  • الحصول على تأهيل يخولهم العمل في هذه المؤسسات
  • الالتزام بمعايير الجودة والتميز المطلوبة
  • المساهمة الفعالة في تحقيق أهداف المشروع

البرامج الداعمة:

البرامج الوطنية

يعتمد المشروع على مجموعة من البرامج الوطنية المطورة محلياً لتلبية احتياجات النظام التعليمي المغربي، مثل برنامج "بنية" الذي يركز على تعزيز المهارات الأساسية للتلاميذ.

البرامج الدولية

كما يستفيد المشروع من التجارب الدولية الناجحة، مثل:

  • برنامج "ليزا": وهو برنامج دولي يهدف إلى تحسين مهارات القراءة والكتابة
  • مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TARL): التي طبقت بنجاح في الهند وتم تبنيها من قبل الوزارة المغربية

التحديات والانتقادات

التحديات التطبيقية: رغم الطموحات الكبيرة للمشروع، فإنه يواجه تحديات عديدة في التطبيق، منها:

  • ضرورة توفير الموارد المالية اللازمة لتعميم المشروع
  • الحاجة إلى تكوين أعداد كبيرة من الأطر التعليمية المؤهلة
  • تحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية
  • معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة على التعليم

الانتقادات الموجهة: يواجه المشروع بعض الانتقادات، أبرزها:

  • عدم شمول جميع الأساتذة بنفس الحوافز والامتيازات
  • صعوبة تطبيق البرامج المستوردة من دول أخرى دون مراعاة الخصوصيات المحلية
  • الحاجة إلى المزيد من الوقت لتقييم فعالية المشروع

الخلاصة والتوصيات:

يمثل مشروع مؤسسات الريادة خطوة مهمة نحو إصلاح النظام التعليمي المغربي وتطويره. ورغم التحديات الموجودة، فإن المشروع يحمل في طياته إمكانيات كبيرة لتحسين جودة التعليم العمومي في المغرب.

لضمان نجاح هذا المشروع، يُوصى بـ: توفير الموارد المالية الكافية للتطبيق الفعال، إضافة إلى تكثيف برامج التكوين والتأهيل للأطر التعليمية، ومراعاة الخصوصيات المحلية عند تطبيق البرامج المستوردة، والسعي إلى تطوير آليات المتابعة والتقييم المستمر، مع إشراك جميع الفاعلين في العملية التعليمية في تطوير وتنفيذ المشروع.

وبالتالي فإن إن نجاح مشروع مؤسسات الريادة يتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف المعنية، وخاصة الأساتذة والإدارة التربوية والأسر، لضمان تحقيق الأهداف المرسومة وبناء مدرسة عمومية متميزة تواكب التطورات العالمية في مجال التعليم.

.

 

تعليقات