المقاربات البيداغوجية في النظام التعليمي المغربي: من المضامين إلى الكفايات

 


مقدمة:

يشهد النظام التعليمي المغربي تطورًا مستمرًا في مقارباته البيداغوجية، حيث انتقل عبر مراحل تاريخية متعددة من المقاربة بالمضامين إلى المقاربة بالأهداف، وصولاً إلى المقاربة بالكفايات المعتمدة حاليًا. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه المقاربات الثلاث وتوضيح خصائصها وتطبيقاتها في الممارسة التربوية المغربية.

مفهوم المقاربة البيداغوجية:

المقاربة البيداغوجية هي الطريقة أو المنهج الذي يعتمده الأستاذ في عمليتي التعليم والتعلم. وهي تمثل حلقة الوصل بين السياسة التعليمية للوزارة والممارسة الفعلية في الفصول الدراسية. فالأستاذ لا يقوم بوضع المناهج من تلقاء نفسه، بل يعتمد على البرامج والمناهج التي تضعها الوزارة الوصية، ودوره الأساسي هو تبسيط هذه المضامين وتقريبها للمتعلمين.

المقاربة الأولى: المقاربة بالمضامين

التعريف والفترة الزمنية:

المقاربة بالمضامين هي أولى المقاربات التي اعتمدها المغرب في نظامه التعليمي، وقد استمر العمل بها من فترة ما قبل الاستقلال حتى منتصف الثمانينيات (1985). تركز هذه المقاربة بشكل أساسي على المعارف والمضامين النظرية.

خصائص المقاربة بالمضامين:

1- مركزية الأستاذ في العملية التعليمية

  • الأستاذ هو المصدر الوحيد للمعرفة
  • غياب الوسائل التكنولوجية والمصادر البديلة للتعلم
  • العلاقة التعليمية أحادية الاتجاه (من الأستاذ إلى التلميذ)

2- التركيز على البعد المعرفي :

  • إهمال البعد النفسي والاجتماعي للمتعلم
  • عدم مراعاة الفروقات الفردية بين التلاميذ
  • تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمتعلمين

3- اعتماد أسلوب الإلقاء والتلقين :

  • العلاقة الجامدة بين الأستاذ والتلميذ
  • الاعتماد على الحفظ والاستظهار دون الفهم
  • عدم تشجيع التفاعل والحوار في القسم

تقييم المقاربة بالمضامين:

رغم أن هذه المقاربة حققت بعض النجاحات في عصرها، إلا أنها واجهت انتقادات عديدة:

  • إهمال الجانب التطبيقي للمعارف
  • عدم ربط التعلمات بالواقع المعيش
  • تهميش دور المتعلم في بناء تعلماته
  • التركيز على الكم دون الكيف في التعلم

المقاربة الثانية: المقاربة بالأهداف

التعريف والفترة الزمنية:

المقاربة بالأهداف هي المقاربة البيداغوجية التي تم اعتمادها في المغرب من سنة 1985 إلى 1999. وتتميز بتحديد أهداف واضحة ودقيقة لكل درس أو نشاط تعليمي، مع تصنيف هذه الأهداف إلى مجالات محددة.

مجالات الأهداف الثلاثة

1- الأهداف المعرفية (Cognitive Objectives)

التعريف: تتعلق بالمعارف والمعلومات النظرية التي يجب على المتعلم اكتسابها.

الصيغة: تبدأ عادة بـ "أن يتعرف"

أمثلة تطبيقية:

  • في التربية الإسلامية: "أن يتعرف التلميذ على أسماء الله الحسنى"
  • في اللغة العربية: "أن يتعرف المتعلم على مفهوم الكلمة وأقسامها (الاسم، الفعل، الحرف)"
  • في الرياضيات: "أن يتعرف المتعلم على مفهوم النشر والتعميل"

2- الأهداف المهارية (Psychomotor Objectives)

التعريف: تركز على اكتساب المهارات العملية والقدرة على تطبيق المعارف في مواقف جديدة.

الصيغة: تبدأ عادة بـ "أن يحسن" أو "أن يكتسب"

أمثلة تطبيقية:

  • في اللغة العربية: "أن يحسن المتعلم التمييز بين الاسم والفعل والحرف"
  • في الرياضيات: "أن يحسن المتعلم تطبيق قواعد النشر في حل التمارين"

3- الأهداف الوجدانية (Affective Objectives)

التعريف: تهتم بالجانب السلوكي والقيمي، وتظهر أثرها في سلوكيات المتعلم اليومية.

الصيغة: تبدأ عادة بـ "أن يتمثل" أو "أن يحصن"

أمثلة تطبيقية:

  • في اللغة العربية: "أن يتمثل المتعلم أهمية اللغة العربية في الحفاظ على الهوية الوطنية"
  • في الرياضيات: "أن يتمثل المتعلم أهمية التفكير المنطقي في حل المشكلات"

التخطيط للدروس وفق المقاربة بالأهداف

الجذاذة البيداغوجية:

تتضمن الجذاذة البيداغوجية العناصر التالية:

  • الفئة المستهدفة: تحديد المستوى الدراسي للمتعلمين
  • المادة الدراسية: تحديد المادة (رياضيات، لغة عربية، إلخ)
  • المكون أو المجزوء: حسب طبيعة المادة
  • عنوان الدرس: الموضوع المحدد للحصة
  • الحصة: ترقيم الحصص (الأولى، الثانية، إلخ)
  • الكفاية المستهدفة: المهارة المراد اكتسابها
  • الأهداف: الأهداف الثلاثة (معرفية، مهارية، وجدانية)

نموذج تطبيقي: درس النشر في الرياضيات

الفئة المستهدفة: السنة الثالثة إعدادي المادة: الرياضيات عنوان الدرس: النشر والتعميل الحصة: الأولى

الأهداف:

1.   هدف معرفي: أن يتعرف المتعلم على مفهوم النشر وقواعده

2.   هدف مهاري: أن يحسن المتعلم تطبيق قواعد النشر في العمليات الحسابية

3.   هدف وجداني: أن يتمثل المتعلم أهمية التفكير المنطقي في حل المسائل الرياضية

مثال تطبيقي للنشر: القاعدة: k(a + b) = ka + kb

التطبيق: 2(3 + 4) = 2×3 + 2×4 = 6 + 8 = 14

الانتقال إلى المقاربة بالكفايات

السياق التاريخي:

منذ سنة 2000، تبنى المغرب المقاربة بالكفايات كإطار مرجعي للعملية التعليمية التعلمية. هذا الانتقال لم يلغ المقاربة بالأهداف كليًا، بل دمجها ضمن منظور أوسع يركز على الكفايات.

v خصائص المقاربة بالكفايات

1- التمركز حول المتعلم

  • المتعلم هو محور العملية التعليمية التعلمية
  • تفعيل دور المتعلم في بناء تعلماته
  • مراعاة الحاجات والخصوصيات الفردية

2- التعلم الوظيفي

  • ربط التعلمات بالواقع المعيش
  • التركيز على القدرة على توظيف المعارف
  • إعداد المتعلم لمواجهة وضعيات مشكلة

3- التقويم الشامل

  • تقويم الكفايات وليس فقط المعارف
  • التنويع في أدوات وطرق التقويم
  • التقويم التكويني والإجمالي

التحديات والآفاق

التحديات الراهنة:

1.   تكوين المدرسين: الحاجة إلى تكوين مستمر للأطر التربوية

2.   تطوير المناهج: ضرورة مراجعة البرامج والمناهج بشكل دوري

3.   الوسائل التعليمية: توفير الوسائل والتكنولوجيات الحديثة

4.   التقييم: تطوير أدوات تقييم تتماشى مع المقاربة الجديدة

الآفاق المستقبلية

1.   الرقمنة: دمج التكنولوجيا في التعليم

2.   التعلم مدى الحياة: إعداد المتعلمين للتعلم المستمر

3.   التعلم التشاركي: تفعيل التعلم القائم على التشارك والتعاون

4.   المواطنة الرقمية: إعداد مواطنين رقميين مسؤولين

خاتمة:

إن تطور المقاربات البيداغوجية في المغرب يعكس سعيًا مستمرًا لتطوير النظام التعليمي وتحسين جودة التعلمات. من المقاربة بالمضامين التي ركزت على نقل المعارف، إلى المقاربة بالأهداف التي حددت مقاصد التعلم، وصولاً إلى المقاربة بالكفايات التي تهدف إلى إعداد متعلمين قادرين على التكيف مع متطلبات العصر.

وبالتالي فإن النجاح في تطبيق هذه المقاربات يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين التربويين، من أساتذة وإداريين ومفتشين، إضافة إلى توفير الشروط الضرورية من تكوين وتأهيل ووسائل. كما يتطلب وعيًا عميقًا بأهمية الدور التربوي والرسالة النبيلة للمربي في بناء أجيال المستقبل. لأن الهدف الأسمى هو تكوين مواطن متوازن، متشبع بالقيم الحضارية والإنسانية، قادر على المساهمة الفعالة في التنمية الشاملة للوطن، ومواكب للتطورات العلمية والتكنولوجية المعاصرة.


المراجع:

  • الميثاق الوطني للتربية والتكوين
  • الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030
  • الدليل البيداغوجي لتدبير الأنشطة التربوية
  • منهاج المقاربة بالكفايات - وزارة التربية الوطنية

 

تعليقات