البرامج الوطنية والدولية لتقييم المكتسبات التعليمية: دراسة شاملة للواقع التربوي المغربي

 


مقدمة

               تشهد الأنظمة التعليمية عبر العالم تطوراً مستمراً في وسائل وأساليب تقييم جودة التعليم وفعالية المنظومات التربوية. وفي هذا السياق، تعتبر برامج تقييم المكتسبات التعليمية من أهم الأدوات التي تساعد الدول على قياس مستوى أداء أنظمتها التعليمية ومقارنتها بالمعايير الدولية. يستعرض هذا المقال أهم البرامج التي شارك فيها المغرب، وهي برنامج بيزا الدولي، وبرنامج بينيا الوطني، ومقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (طارل).

البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA)

تعريف البرنامج

يعد برنامج بيزا (PISA) اختصاراً للبرنامج الدولي لتقييم التلاميذ، وهو دراسة دولية شاملة تُعقد كل ثلاث سنوات منذ عام 2000. يُنظم هذا البرنامج تحت إشراف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ويستهدف التلاميذ البالغين 15 عاماً فما دون، أي طلاب المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

مشاركة المغرب في البرنامج

شارك المغرب في برنامج بيزا مرتين، في عامي 2018 و2022. وقد اعتمدت الدراسات والتحليلات بشكل أساسي على إحصائيات عام 2018، نظراً لتوفر البيانات الكاملة لهذا العام.

النتائج والإحصائيات

كشفت نتائج برنامج بيزا عن واقع تحديات كبيرة تواجه النظام التعليمي المغربي:

في مجال القراءة

  • بلغت نسبة التلاميذ الذين يتوفرون على الحد الأدنى من الكفاية في القراءة 27%
  • احتل المغرب المرتبة 75 من أصل 79 دولة مشاركة
  • يشمل التقييم القراءة باللغة العربية كأساس، إضافة إلى اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية

في مجال الرياضيات

  • حقق 24% فقط من التلاميذ الحد الأدنى من الكفايات في الرياضيات
  • جاء المغرب في المرتبة 77 من أصل 79 دولة
  • يركز التقييم على القدرة على حل المسائل الرياضية البسيطة المناسبة للفئة العمرية المستهدفة

البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات (PNIA)

تعريف البرنامج

يمثل برنامج بينيا (PNIA) اختصاراً للبرنامج الوطني لتقييم المكتسبات، وهو دراسة وطنية محلية تُنظم كل أربع سنوات داخل المغرب. يهدف هذا البرنامج إلى قياس مستوى تمكن التلاميذ من اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات والعلوم.

الأهداف والمجالات

يسعى برنامج بينيا إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • قياس القدرة على قراءة اللغتين العربية والفرنسية.
  • تقييم مهارات حل المسائل الرياضية..
  • قياس الفهم في العلوم، بما يشمل النشاط العلمي والفيزياء والعلوم الطبيعية.
  • تقديم صورة واضحة عن مستوى التحصيل في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

النتائج والإحصائيات

المرحلة الابتدائية

أظهرت النتائج التالية للمرحلة الابتدائية:

  • اللغة العربية: 42% من التلاميذ يتوفرون على مستوى مقبول في القراءة.
  • اللغة الفرنسية: 27% من التلاميذ لديهم القدرة على القراءة باللغة الفرنسية.
  • الرياضيات: 24% من التلاميذ قادرون على حل المسائل الرياضية البسيطة.

المرحلة الإعدادية

سجلت المرحلة الإعدادية نتائج أكثر تحدياً:

  • اللغة العربية: 9% فقط من التلاميذ لديهم القدرة على القراءة باللغة العربية
  • اللغة الفرنسية: 9% من التلاميذ يتقنون القراءة باللغة الفرنسية
  • الرياضيات: 9% من التلاميذ قادرون على حل المسائل الرياضية

مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب  طارل  TaRL 

تعريف المقاربة

تعد مقاربة طارل (TaRL) اختصاراً لـ "مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب للدعم التربوي"، وهي طريقة تعليمية جديدة تهتم بالأساس بتجاوز صعوبات القراءة والحساب لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية.

الخلفية والتطبيق

بناءً على النتائج الإيجابية التي حققها تنزيل برنامج طارل في الهند وبعض الدول الأفريقية، وتنزيلاً لخريطة الطريق لإصلاح منظومة التربية الوطنية 2022-2026، بادرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي إلى تجربته في عدة جهات بالمملكة.

المرتكزات الأساسية

تقوم مقاربة طارل على ثلاثة مرتكزات أساسية:

1.   تجميع المتعلمين بناءً على مستوى التحكم في التعلمات: يتم تصنيف التلاميذ حسب قدرتهم الفعلية على استيعاب المحتوى التعليمي، بغض النظر عن مستواهم الدراسي الرسمي.

2.   التركيز على المهارات الأساسية في القراءة والحساب: يُعطى الأولوية لاكتساب المهارات الجوهرية في القراءة والكتابة والحساب كأساس لباقي التعلمات.

3.   التقويم المنتظم لأداء المتعلمين: يتم إجراء تقييم دوري ومستمر لمتابعة تطور مستوى التلاميذ وتعديل الاستراتيجيات التعليمية وفقاً لذلك.

نتائج التطبيق في المغرب (2022)

أظهرت النتائج الأولية لتطبيق مقاربة طارل في المغرب على مستوى الخامس الابتدائي:

  • قراءة العربية بطلاقة: 23% من التلاميذ
  • قراءة الفرنسية بطلاقة: 30% من التلاميذ
  • إنجاز قسمة بسيطة: 13% من التلاميذ 

التحليل النقدي والتوصيات

التحديات المحددة: تكشف هذه الإحصائيات عن تحديات جوهرية في النظام التعليمي المغربي:

1.   ضعف في المهارات الأساسية: النسب المنخفضة في القراءة والحساب تشير إلى حاجة ملحة لإعادة النظر في طرق التدريس والمناهج.

2.   تراجع الأداء بين المراحل: الانخفاض الحاد في النتائج بين المرحلة الابتدائية والإعدادية يستدعي دراسة أسباب هذا التراجع.

3.   التفاوت بين اللغات: الأداء المختلف في اللغتين العربية والفرنسية يطرح تساؤلات حول سياسة التعدد اللغوي في التعليم.

الاعتبارات المنهجية

من المهم الأخذ في الاعتبار العوامل التالية عند تفسير هذه النتائج:

  • العينات المحدودة: تُجرى هذه الدراسات على عينات محددة وليس على جميع تلاميذ المغرب
  • العوامل السياقية: تؤثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية على نتائج التقييم
  • التطور المستمر: يشهد قطاع التعليم تطوراً مستمراً وإصلاحات متتالية قد تؤثر على النتائج المستقبلية.

الخلاصة:

تشكل برامج تقييم المكتسبات التعليمية أدوات مهمة لقياس فعالية الأنظمة التربوية وتحديد مجالات التحسين. كما أن  النتائج المسجلة في المغرب، رغم كونها تكشف عن تحديات حقيقية، تقدم فرصة ثمينة لوضع استراتيجيات محددة لتطوير جودة التعليم.

وبالتالي فإن تبني مقاربات جديدة مثل طارل، إلى جانب الاستفادة من التجارب الدولية وتكييفها مع السياق المحلي، يمكن أن يسهم في تحسين مخرجات التعليم. إضافة إلى اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والحساب، مع ضمان التقويم المنتظم والمتابعة المستمرة، يمثل خطوة مهمة نحو نظام تعليمي أكثر فعالية وإنصافاً.

في الختام، يمكن القول إن تطوير التعليم في المغرب يحتاج جهداً جماعياً يشمل جميع الفاعلين في المنظومة التربوية، مع الحفاظ على الثقة في قدرات المعلمين وإمكانيات التلاميذ، والعمل المستمر على توفير الظروف المناسبة لتحقيق تعليم جيد للجميع.

 

تعليقات