مخاطر
الذكاء الاصطناعي: انهيار نظامي المكافأة والثقة
ما هي أسوأ مخاطره المحتملة؟
في سبيل النضج الفكري والنزاهة العقلية
في عصر
تهيمن فيه المنطق الثنائي البسيط على خطابنا العام، حيث نُصنف إما "مع"
أو "ضد" أي قضية، تصبح الدعوة إلى النزاهة الفكرية والدقة في الحكم
أمرًا ملحًا. فعندما نتناول موضوعًا معقدًا مثل الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا
محاصرين في هذا المنطق الاختزالي الذي لا يترك مجالًا للتدرج والتفصيل، في حين أن
دراسة مثل هذه المواضيع تحتاج إلى رؤية نقدية مركبة معقدة تتداخل أبعاد متنوعة من
أجل الحكم عليها.
إن
الموقف الناضج فكريًا يقتضي منا أن نكون قادرين على نقد الحجج الضعيفة أو غير ذات
الصلة، سواء أتت من معارضي الذكاء الاصطناعي أو مؤيديه، فالنقد البناء لا يعني
بالضرورة الإدانة الشاملة، كما أن عدم الانخراط في التنديد المستمر لا يعني
الموافقة التامة، بل نحن نسعى إلى مسائلة هذه القضية بنوع من الوعي والنقد الفكري
العميق والغير سطحي.
وهذا
المبدأ لا ينطبق فقط على الذكاء الاصطناعي، بل على كل الموضوعات الفلسفية
والفكرية. يمكننا أن نتناول أي فلسفة دون أن نتبنى كامل منظومتها الفكرية. إنها
علامة النضج الفكري أن نتجاوز منطق "الكل أو لا شيء" ونتبنى
نهجًا أكثر تعقيدًا وعمقًا في التعامل مع الأفكار المعقدة.
الخطران
الأساسيان للذكاء الاصطناعي
بينما
تركز المناقشات الشائعة حول الذكاء الاصطناعي على المخاطر الأمنية والعسكرية، أو
على احتمالية استيلاء الآلات على السلطة، هناك خطران آخران أكثر دقة وعمقًا، ولكن
أقل انتباهًا في النقاش العام:
1. انهيار
نظام المكافأة (Rupture du système de récompense)
2. انهيار
نظام الثقة (Rupture du système de confiance)
هذان
الخطران مترابطان بشكل وثيق، ويمسان جوهر التجربة الإنسانية وطريقتنا في فهم
العالم والتفاعل معه، سوف نحاول رصد كل واحد منهما من زاوية تحليلية نقدية توضح
خطورة الذكاء الاصطناعي عليهما.
الخطر
الأول: انهيار نظام المكافأة
تاريخ
العلاقة بين العمل والإبداع
طوال
قرون، بل آلاف السنين، كان الإبداع الإنساني مرتبطًا بشكل وثيق بالعمل والجهد.
سواء كان الأمر يتعلق بكتابة نص أدبي، أو رسم لوحة فنية، أو حتى صناعة قطعة أثاث،
كان الإبداع يقوم على عمل شاق وطويل، يحتاج إلى الكثير من الوقت والانتباه والدقة
حتى نصل إلى تحفة فنية أو أدبية أو تقنية، حيث كانت الكتابة تتطلب قضاء ساعات لا
تُحصى في البحث عن التعبير المناسب، وإيجاد الكلمة الدقيقة، وإعادة بناء الحبكة.
ورسم لوحة كان يتطلب ساعات من العمل على تدرجات الألوان، والظلال، والخطوط
الخارجية، والملمس. وصناعة قطعة أثاث، مثل كرسي أو طاولة، كانت تتطلب من الحرفي
قضاء مئات، وأحيانًا آلاف الساعات لإتقان عمله.
المتفق
عليه على مر التاريخ أن العمل الفني أو العلمي أو الادبي...الخ هو بالضرورة نتيجة
عمل طويل وشاق. وإذا أضفنا إلى ذلك ساعات العمل المطلوبة لاكتساب المهارات
اللازمة، فإننا نصل إلى كمية من العمل لا تُقاس بالساعات بل بالسنوات، وأحيانًا
بالعقود.
لأن
تاريخ العمل الإنساني هو تاريخ تحسين الإنسان لعمله من خلال الأدوات. منذ أن
استخدم الإنسان يديه، من عهد الإنسان الماهر (Homo habilis) حيث
تظهر الأداة كمساعد تقني للإبداع، تنجز ما لا تستطيع يد الإنسان إنجازه
وحدها. في ظل هذا التطور التاريخي للتقنية، هناك حدث حاسم وهو اختراع
المحرك البخاري، الذي مثل دخولنا عصر الميكنة. هنا أصبح الإنسان مساعدًا
من قبل الآلة، التي يفوض إليها الحركة والتنفيذ المادي للعمل، لكن ما
عشناه في الخمسين سنة الأخيرة لم يكن متوقع على مر العصور والأزمنة بين الحضارات.
ثورة
الذكاء الاصطناعي: تفويض العقل
لأن
مع ظهور الذكاء الاصطناعي، حدث شيء جديد لم يكن موجودًا من قبل، لم نعد نفوض
الحركة والجسد فقط، بل أصبحنا نفوض الفكر والعقل أيضًا، على سبيل المثال في مجال
التأليف كان على الكاتب أن يكون هو مؤلف نصه. قد يبدو هذا الأمر بديهيًا، ولكن هذا
تحديدًا هو الجديد الذي أدخله الذكاء الاصطناعي: أن النص لم يعد حصرًا من عمل
إنسان، بل أصبح أو يتجه ليصبح أكثر فأكثر نتاجًا لتعاون بين كاتب وذكاء
اصطناعي. حيث قد نسمع مستقبلا عن رواية وقصيد ولوحة من تأليف الذكاء
الاصطناعي.
في
مجال الإبداع الأدبي، لم نشهد تقدمًا تقنيًا كبيرًا عبر التاريخ. نعم، انتقلنا من
الكتابة على ألواح الطين إلى الكتابة على الرقائق ثم على أوراق الورق. انتقلنا من
الكتابة بالقلم المدبب إلى القلم الريشي، ثم القلم العادي، ثم الآلة الكاتبة،
وأخيرًا الحاسوب. غير أن هذه الإنجازات لم تغير الحقيقة الأساسية وهي أن النص
بقي تجسيدًا للعقل الإنساني بعبارة أخرى، لا تغير شيئًا في كون الكتابة تتطلب
عملًا: عمل الصياغة، والتعبير، والخيال.
قيمة
الأدب والإبداع الإنساني:
هذا ما
يجعل الأدب فنًا محترمًا جدًا، لأنه تجلٍ لإحدى أرقى القدرات الإنسانية: الترميز،
وتحويل الأفكار والمشاعر إلى لغة. فبينما معظم الناس يعرفون كيف يتحدثون لغتهم،
هناك من يفعل أكثر من مجرد معرفة الحديث بها - إنهم يتقنونها، أي أنهم يطوعون
الكلمات لتعبر عن أفكارهم، التي تشحذ بكثرة القراءة والتأمل والتفكير لشهور وسنوات
حتى يراكموا خبرة الكتابة والتأليف.
التقدمات
التقنية في الأدب:
قد
تكون الطباعة من أول التقنيات التي يسرت عملية القراءة والكتابة في التاريخ
الإنساني، فباختراع المطبعة - جوتنبرغ للمطبعة عام 1450- أصبح نشر النصوص على نطاق
واسع ممكنًا. والنشر على نطاق واسع يعني بالضرورة تسهيل الوصول إلى الأدب،
وبالتالي تسهيل تعلم الأدب، لأنه من الواضح أنه من الصعب جدًا أن تصبح كاتبًا إذا
لن لم تتمكن من الوصول إلى أعمال الكتاب الذين سبقوك. فقبل أن تكون مؤلفًا، أنت
قارئ أولًا وكلما كنت قارئًا أكثر، كلما تعاملت مع الأدب أكثر، كلما طورت قدراتك
على الكتابة. غير أن كل هذا التقدم، مهما كانت قيمته، لم تغير هذه الحقيقة
الأساسية: أن العمل هو نتيجة جهد إبداعي، جهد إخراج، ينقلنا من نشاط
داخلي وتنظيم هذا النشاط الداخلي من خلال العمل، في هذه الحالة عمل الكتابة، إلى
عمل مكتوب خارجي للعقل.
التغيير
الجذري مع الذكاء الاصطناعي
لكن
هذا ما تغير مع عصر الثورة الرقمية، وثورة الذكاء الاصطناعي، ChatGPT وClaude وGrok التي
تتولى حرفيًا الكتابة نيابة عنا. نعم، يمكننا استخدام ChatGPT كمساعد
كتابة، كنوع من المؤلف المشارك. لكن يمكننا أيضًا، وأعتقد أن هذا ما نتجه
إليه أكثر فأكثر، تفويض عمل الكتابة بالكامل للذكاء الاصطناعي، بمجرد إعطائه
التعليمات، بمجرد إعطائه الأمر (prompt)، وهو يتولى كل شيء تمامًا، سواء العثور على
الأفكار، أو صياغتها، أو تنظيمها.
فهم
نظام المكافأة في الدماغ
الكارثة
هنا سوف تمس الوجود الإنساني، لأن نظام المكافئة سوف على مستوى العقل الإنساني،
لأن الدماغ مبرمج عصبيًا لإنتاج إحساس بالرضا بعد الجهد. نتحدث عن
نظام المكافأة، أي المتعة والرغبة في التعلم وتطوير المهارات، بالنسبة للدماغ،
المتعة هي استجابة، -لماذا- طبعا للعمل والجهد الذي يقوم به الإنسان، لأن كل عمل
هو جهد. ومكافأة هذا الجهد، مكافأة هذا المعاناة، هي إحساس ممتع يعمل في الوقت
نفسه كتعويض، كتعويض لجهدك.
هنا
نحس بنوع من التقدير والامتنان لأننا نرى أو نسمع أو نقرأ... ذلك المجهود الذي
نقوم به، نحس بأنه لا يضيع عبثا. بمعنى أنه بعد تذوق هذه المتعة، نريد العودة
إليها، نريد تجربتها مرة أخرى. يجعل الدماغ يرغب في تكرار الجهد. تكرار الجهد ليس
لذاته، بل لمكافأته.
نموذجيًا،
هذا هو إطلاق الدوبامين بعد جلسة الرياضة. إطلاق الإندورفين والسيروتونين. مكافأة
هرمونية تُترجم إلى شعور بالرفاهية.
أهمية
نظام المكافأة في الدافعية
هذه
المكافأة ضرورية تمامًا في النشاط الإنساني لأنها مقر الدافعية. الدافعية هي
الطاقة التي تدفعنا لبذل جهد استباقًا للمكافأة القادمة. لأنه من الواضح أنه إذا
طُلب منك بذل جهد ولكن لا توجد مكافأة في النهاية، فإن دماغك لا يفهم حتى ما يُطلب
منه. يجب أن تكون هناك مكافأة.
معظم
من درس الدماغ يعرف نظام المكافئة الموجود في الدماغ، وأنه يحتاج إلى دافعية،
ومصدرها إنما يكون خارجيًا، بمعنى خارج عن التعلم. الحصول على درجة جيدة، تلقي
هدية، أو أن يتم الثناء عليه. أو داخليًا، هذا ما نحاول إعطاؤه الأولوية قدر
الإمكان، أي جعل الطالب يجد متعة في التعلم، بحيث يكون التعلم نفسه هو
المكافأة..
الخطر:
حرمان الإنسان من المكافأة
هنا
أعتقد أنكم ستصلون إلى الاستنتاج بأنفسكم: بتنفيذ المهام المطلوبة منه دون الحاجة
لبذل جهد، وبتفويض الذكاء الاصطناعي كل عمل الإبداع وبالتالي كل المعاناة المرتبطة
بعملية الإبداع، يحكم الإنسان على نفسه بأن يُحرم من المكافأة. لأنه بالطبع،
الحصول على نص دون جهد، الحصول على عمل دون جهد، في اللحظة مُرضٍ، لكن على المدى
الطويل، هذا يجعل نظام المكافأة معطلًا تمامًا، مختلًا وظيفيًا
تمامًا، ويضر مباشرة بنظام الدافعية.
لأنه
عندما لا نحتاج لبذل جهد، عندما يكون كل شيء مكتسبًا بالفعل، لا يمكن أن تكون هناك
دافعية بعد الآن، لأن الدافعية تتغذى على الغياب والفقدان، هنا يمكن الإشارة إلى
فكرة الرغبة منذ أفلاطون إلى روسو، تشرح جيدًا أن الرغبة تولد من الغياب، وأن
المتعة بالتالي تسير جنبًا إلى جنب مع الحرمان، والصعوبة، وعدم اليقين.
انقطاع
العلاقة السببية:
لكل
فعل رد فعل مواز في التأثير والفاعلية، لكننا اليوم مع ثورة أن الذكاء الاصطناعي،
نحصل على نتائج دون عمل أو جهد، وعندما تكون هناك نتيجة دون عمل، بالنسبة للدماغ،
كما لو كان هناك أثر دون سبب. طبعا هناك أسباب هي هي البرمجة، والحسابات،
والخوارزميات، لكنها أسباب غير مرئية، وخاصة أسباب سريعة جدًا وفورية جدًا بحيث
تكسر تمامًا علاقتنا المعتادة بالسببية. التي تحيل على معنى
الجهد زائد الوقت، النتيجة ليست أبدًا فورية، هي مؤجلة دائمًا في الوقت، لكن مع
الذكاء الاصطناعي لم يعد لدينا الوقت لتفكير والتأمل لأن كل الأجوبة جاهزة.
انخفاض
قيمة العمل المُنتج
المشكلة
الأخرى سوف تكون اقتصادية واجتماعية، وهي أن غياب الجهد سوف يؤدي إلى انخفاض
قيمة العمل. انخفاض قيمة العمل تحديدًا لأن العمل يجد نفسه منقطعًا، منفصلًا عما
نعتبره شروط وجوده، شروط ظهوره إلى الوجود.
سواء
كان عمل مُنتجًا بالذكاء الاصطناعي أو من إنسان، إذا كان جيدًا، فهو جيد. إذا كان
سيئًا، فهو سيء. ليس لأنه أُنتج من إنسان أنه بالضرورة أفضل، وليس لأنه أُنتج
بالذكاء الاصطناعي أنه بالضرورة أقل جودة. في نهج التقييم، هناك استقلالية للعمل
عن مؤلفه. ولكن عندما نواجه عملًا، معرفة أنه أُنتج من إنسان ليس نفس الشيء
مثل اكتشاف أنه أُنتج بالذكاء الاصطناعي. لماذا؟ لأننا، شئنا أم أبينا، نعطي قيمة
أكبر لعمل نعرف أنه تطلب عملًا، نعرف أنه تطلب جهودًا، أكثر من عمل أُنتج بنقرة
واحدة.
الارتباط
بين الجهد والقيمة في الوعي الإنساني:
مسألة
القيمة التي نعطيها لعمل ما مرتبطة دائمًا، حتى لاشعوريًا، بالجهد الذي نتخيل أنه
كان ضروريًا لإنتاجها. لماذا؟ ببساطة لأنه لملايين السنين، كان ضروريًا بذل جهود
للحصول على نتائج. من كان يحصل على أفضل النتائج كان نظريًا من بذل أكبر
الجهود. إذًا نعجب مبنى معماري، وفي الوقت نفسه، نعجب بمن أنجزه. نعجب بعمل
تصويري. وفي الوقت نفسه، نعجب بالرسام الذي أنجزه. هذا هو الإعجاب. إنه انعكاس
قيمة العمل على مؤلفه، نسميه الموهبة، أو العبقرية، أو المهارة، لا يهم. مما
ينعكس شعور الإعجاب أكثر على مؤلف العمل. ليس الجميع يستطيع فعل ذلك. ولأن ليس
الجميع يستطيع فعل ذلك، فإن المؤلف أكثر استحقاقًا للإعجاب. المشكلة أن العمل
بالذكاء الاصطناعي يحرمنا من هذه المتعة والغاية في التمتع بالصوت أو الابداع
الفني أو الأدبي، لأن الخوارزميات قادرة على إنجاز هذا العمل في لحظة سهلة وبسيطة.
الخطر
الثاني: انهيار نظام الثقة
دخول
عصر الشك العام
اليوم،
مع انتشار وتعميم الذكاء الاصطناعي، لا نعود نحصي قنوات اليوتيوب التي تقترح محتوى
مُنتجًا بالكامل بالذكاء الاصطناعي. لا نعود نحصي البوتات على الشبكات الاجتماعية. -البوتات
هي الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والتي تتفاعل مع المنشورات، تضع
إعجابات، تعلق، ويمكنك حتى أن تجري معها محادثات دون أن تعرف أنها بوتات- هنا
يأتي السؤال الجوهري، مع من أتحدث هل هو إنسان أم مجرد برمجة وخوارزمية؟ هل
هذا النص الذي أقرأه لم يُكتب بالذكاء الاصطناعي؟ هل هذه الموسيقى التي أستمع
إليها لم تُؤلف بالذكاء الاصطناعي؟ هل هذا اليوتيوبر الذي أشاهده ليس هو نفسه
ذكاءً اصطناعيًا
