فلسفة الصمت: بين الاغتراب الاجتماعي والتشييء الإنساني
في
عالم تتداخل فيه الأصوات والضجيج، يبرز الصمت كظاهرة معقدة تستحق التأمل والدراسة.
فالصمت ليس مجرد غياب للكلام، بل هو موقف اجتماعي له أبعاده النفسية
والثقافية والسياسية. وحين نتعرض لأسئلة شخصية أو قضايا حساسة، نجد أنفسنا أمام
خيارات متعددة، والصمت غالباً ما يكون الملاذ الأول، لكن الصمت يحمل في طياته مشاعر متناقضة
- الخوف، الترقب، والرغبة العميقة في أن يتكلم الآخر. فالصمت يذكرنا بالعدم، وكما
قال الشاعر العربي: "أعوى ذئب فاستأنست بالذئب إذا عواه في صحراء
مدوية"، فحتى عواء الذئب أفضل من الصمت المطبق. وإذا أردنا أن نفهم الصمت بلغة الأرقام
والرياضيات، فهناك الصفر وما فوقه وما تحته. ما فوق الصفر له قيمة إيجابية، وما
تحته له قيمة سلبية، أما الصفر في ذاته فليس له وزن. لكن في المستوى الاجتماعي، لا
يمكن أن يكون لك موقف صفري - فأنت إما مع أو ضد، إما موجب أو سالب. من هذا
المنطلق يمكن طرح التساؤلات التالية: ما معنى الصمت الاجتماعي؟ كيف يكون الصمت
وسيلة سلطوية تخدم السلطوية داخل المجتمع؟
الصمت والاغتراب: انفصال عن الذات والمجتمع
الصمت
يوقع الإنسان في حالة اغتراب عن مفاهيمه وقناعاته ومبادئه، فالإنسان، ككائن
اجتماعي، هو ابن المجتمع ولا يستطيع الانسحاب منه. وحتى لو انسحب من المجتمع، فإن المجتمع
يسكننا. كما نسكن الثقافة، الثقافة تسكننا. كما نفكر بالثقافة، الثقافة تفكر من
خلالنا وتعبر من خلالنا، ونحن نعبر بواسطتها أيضاً. فأنت ككائن اجتماعي تلقيت من
المجتمع لغتك، مفاهيمك الأولية، رموزك، تقاليدك، عاداتك، قناعاتك، حتى من تناقضات
المجتمع كونت تناقضاتك الشخصية، وآمالك، وأفق تفكيرك، وجهاز مفاهيمك الشخصي.
تأثير السياق الاجتماعي على تكوين الشخصية:
تصور لو أن أي فيلسوف أو مفكر عاش في بيئة أخرى، في سياق مجتمعي آخر، هل سيكون هو نفس الشخص؟ مستحيل! سيكون إنساناً آخر تماماً. آدم سميث، أبو الاقتصاد الرأسمالي السياسي الحديث، لو لم يعش في بريطانيا في تلك الفترة وعاش في بريطانيا القرن العشرين مثلاً، هل سيكون آدم سميث صاحب "ثروة الأمم"؟ مستحيل! سيكون فيلسوفاً مختلفاً تماماً. نفس الشيء ينطبق على ماركس، وابن رشد، والفارابي، وأي إنسان آخر. فالفرد في نهاية التحليل هو مجموع علاقاته الاجتماعية. وهذا لا يعني أنه نسخة مجتمعية، فهو لا يكون فرداً إلا بقدرته على التجاوز أيضاً، لكن المستوى الأول أنه مجموع علائقه الاجتماعية.
التشييء: اختزال الإنسان إلى أداة
الصمت
يؤدي إلى التشييء، وهو مفهوم فلسفي عميق كتب فيه فلاسفة كبار مثل هايدجر وسيمون دي
بوفوار. التشييء باختصار هو اختزال الإنسان إلى بعد واحد فيه، لكن هذا
البعد مادي يجعله مجرد شيء، مجرد أداة، وبالتالي يجعلك تتخفف وتتملص من المواقف
والالتزامات تجاهه، وأكبر تشيء يوجد في المجال العسكري، واليوم يوجد في المجال
الاقتصادي والسياسي.
آليات التسكيت والتشييء في المجتمعات المعاصرة:
في
النظم الاستبدادية والشمولية، يعامل الإنسان - أي إنسان، سواء كان عسكرياً أو
مثقفاً أو رجل دين - كأداة لتبرير الوضع وشرعنته واستدامته. هذا التشييء يحول
الشعوب إلى جماهير متحكم فيها على المستوى الفكري والسلوكي، بحيث يفقد الإنسان
البوصلة التي تجعله يختار بعقلانية ومنطقية.
آليات
الإبراز والإخفاء:
من آليات التشييء والتسكيت آلية الإبراز وآلية الإخفاء، فحين يُعطى مثقف معين فرصة الظهور في التلفزيون أو الراديو أو الصحافة، فهذا إبراز لشخص معين يتم على حساب طمس آخرين يحملون رسالة مختلفة ووعياً آخر، والدولة دائما ما تخاف من المثقف المستقل، في حين تعطى الفرصة الكبيرة للأشخاص الفارغين، الذين لا يقدمون قيمة مضافة للمجتمع. والمشكلة أن الوقت في وسائل الاعلام ثمين جداً، فحين يُعطى هذا الوقت لأناس معينين يملئونه بالتفاهات، تتحول هذه التفاهات إلى شيء ثمين. في المقابل، لا نجد وقتاً للحديث عن مفكرين كبار أمثال عبد الله العروي، والمهدي المنجرة، لكن لدينا الوقت لنتحدث عن بعض العاهات الاجتماعية.
آليات التسكيت المختلفة
للسلطة
آليات متعددة للتسكيت، أوضحها القتل، ثم النفي والتهجير، لكن هناك آليات أخرى أكثر
تعقيداً ومكراً، تعتمد على التشييء والإبراز والإخفاء، وعلى تحويل التفاهات إلى
قيم، وعلى جعل الناس يستبطنون القيم المفروضة عليهم دون وعي.
الصمت إذن ليس مجرد سكوت، بل موقف اجتماعي له تبعاته النفسية والثقافية. وهو يؤدي إلى الاغتراب والتشييء إذا لم نكن واعين لآلياته وتأثيراته. المطلوب هو أن نطور حساً نقدياً عالي الحساسية والالتقاط، وأن نكون قادرين على ملاحظة تناقضات الواقع وتناقضات المجتمع، وأن ننقلها إلى أكبر عدد من الناس.
لأن المثقف
الحقيقي هو الذي يلحظ بحس نقدي واعٍ تناقضات الواقع، ولا يكتفي بملاحظتها لذاته،
بل ينقلها إلى المجتمع. وهكذا يصبح الفرد عضوياً، والمثقف عضوياً، قادراً على
القيام بجزء مهم من رسالته في الحياة. إذن إن
التحدي الأكبر أمامنا هو أن نتجاوز الصمت القاتل، وأن نحافظ على إنسانيتنا
وفرديتنا داخل النسيج الاجتماعي، وأن نكون بداية لمعنى نذري حياتنا له، ونهاية
لمعان أخرى عفا عليها الزمن.
